العشرة المبشرون بالجنة (2)

العشرة المبشرون بالجنة (2)

التصنيف: من عبر التاريخ
الثلاثاء، ٢٤ جمادى الأولى ١٤٤٣ هـ - ٢٨ كانون الأول ٢٠٢١
68

عثمان بن عفان

وأما عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقد بادر بالإسلام استجابة لنصيحة أبي بكر رضي الله عنه، وكان من السابقين إليه، وهو أول من أسلم من بني أمية الذين أمعنوا في عدائهم للإسلام في مراحله الأولى، وعندما علم عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية بإسلامه، حاول بكل الوسائل ليقنعه بالعدول واستعمل العنف معه، فلم يجده شيئاً، وأعلن عثمان رضي الله عنه إصراره على إسلامه، من غير مبالاة بما لحقه من الأذى، وكان رضي الله عنه من أشد المخلصين لدينه، والعاملين على تثبيته وتدعيمه، ومن أكثر المنفقين والمحسنين في أشد الأزمات، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من يحفر بئر رومة فله الجنة»، فحفرها عثمان رضي الله عنه، وقال: «من جهز جيش العسرة فله الجنة» فجهزه عثمان رواه البخاري، وفي حديث آخر رواه البخاري أيضاً: أنه بشره بالجنة على بلوى تصيبه، وكانت بئر رومة هي المصدر الوحيد للماء العذب في المدينة، وكانت ملكاً ليهودي يشق على المسلمين في معاملته، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «من يشتري بئر رومة غفر الله له» فتقدم عثمان لليهودي، وفاوضه، واشترى منه نصفها، وكان المسلمون يستقون في يوم عثمان رضي الله عنه ويشق عليهم اليهودي في يومه، فقال لهم عثمان رضي الله عنه: خذوا كفايتكم من الماء ليومين في يومي، حتى لا يعطي اليهودي فرصة الاحتكار والاستغلال والربح الفاحش، وبذلك أسقط في يد اليهودي، واضطر أن يبيع النصف الآخر فاشتراه أيضاً عثمان، وجعل البئر كلها وقفاً على المسلمين، ينتفعون بمياهها، وكانت صدقة جارية له، ولا تزال تلك البئر قائمة في أطراف المدينة.

ومواقف عثمان رضي الله عنه وسخاؤه في عهد الرسول وفي عهد أبي بكر رضي الله عنه وبعدهما، مما تضمنته كتب الأحاديث والسير و التاريخ والأدب، شاهد حي على عظيم إيمانه، وسمو نفسه وجدارته بما بشره به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، خصوصاً أنه سيكون رفيقه في الجنة.

وأخرج الملا في سيرته عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن عثمان بن عفان أشبه الناس بي خَلْقاً وخُلُقاً وديناً وسمتاً.

وسأل معاوية ابن عباس عن عثمان رضي الله عنهم، فأثنى عليه وقال: كان من أفضل البررة، وأكرم الحفدة مبادراً إلى كل مكرمة، وساعياً إلى كل منجية، وفياً صفياً، نقش خاتمه: أحيني سعيداً، وأمتني شهيداً.

علي بن أبي طالب

وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فهو أول من أسلم من الصبيان ولم يسجد لصنم قط، ولذلك يتبع اسمه أحياناً بـ (كرم الله وجهه).

وقد تربى في بيت النبوة ومصدر الهداية الإلهية، ولذلك نشأ طاهر النفس صافي القلب، بعيداً عن ترهات الجاهلية ومهازلها، أشرب قلبه حب الله تعالى وحب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان عميق الفهم، وأفر العلم والحكمة، غزير الإيمان.

وقال رضي الله عنه: لا أنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي، الإسلام هو التسليم والتسليم هو اليقين، واليقين: هو التصديق، والتصديق: هو الإقرار، والاقرار هو الأداء، والأداء هو العمل.

وذكر الزمخشري في (ربيع الأبرار) أن علياً رضي الله عنه سئل هل رأيت ربك؟ فقال أفأعبد ما لا أرى؟ فقيل له: كيف تراه؟ فقال: إنه لا تراه العيون بمشاهدة الأعيان، ولكن تراه القلوب بحقائق الإيمان.

وأخرج الحاكمي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: «يختصم الناس بسبع، ولا يحاجك أحد من قريش، أنت أولهم إيماناً بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسوية، وأعدلهم بالرعية، وأبصرهم بالقضية، وأعظمهم عند الله مزية».

وحينما همَّت قريش بقتل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليتخلصوا من دعوته، أمره ربه بالهجرة إلى المدينة، وحينئذ أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم علياً أن ينام في فراشه، فقبل راضياً مرضياً، أن يضحي بنفسه في سبيل الله ورسوله، وعند المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أنت أخي في الدنيا والآخرة».

أما جهاده وتفانيه وتضحياته وبطولاته فإنها أكثر من أن تحصى، وقد ثبت مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وشهد المشاهد كلها، إلا غزوة تبوك حيث كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النساء والصبيان وكان صاحب لواء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كل زحف ومسيرة، وهو من أقرب المقربين، وأزهد الزاهدين، وأكثر الصحابة علماً وفهماً في القضاء، وأوفرهم خوفاً من الله تعالى، وحرصاً على رضاه.

وقد قاتل طول حياته لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فاستحق عن جدارة وسام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم له بالجنة والنعيم المقيم.

وقد سأل معاوية ابن عباس عن الإمام علي رضي الله عنهم قال: كان علم الهدى، وكهف التقى، ومحل الحجا، وبحر الندى، وطود النهى، وكهف العلا، للورى داعياً إلى المحبة العظمى، متمسكاً بالعروة الوثقى، صاحب القبلتين وأبو السبطين فهل يقاربه بشر، وزوج خير النساء فهل يفوقه قاطن بلد، للاسود قتال، وفي الحرب ختال، وكان نقش خاتمه: (الله، الملك).

طلحة بن عبيد الله

كان من السابقين للإسلام، والباذلين الأسخياء في سبيل الله وتدعيم دعوته ولفرط سخائه وإحسانه، لقبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد، طلحة الخير، وفي غزوة العسرة، طلحة الفياض، ويوم حنين، طلحة الجود.

وقد حضر المشاهد كلها، مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا غزوة بدر، حيث كان في مهمة عسكرية ندبه إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك أسهم له وأشركه في الأجر، كمن شهد بدراً.

ويوم أحد لما أراد المشركون أن يقضوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته، تجلَّت قوة إيمان طلحة وشجاعته وصبره، ووفاؤه لقائده، فأخذ يذب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإحدى يديه، ويقاتل أعداءه بالأخرى، وكان يوم أحد يسمى يوم طلحة، لوفرة ما تعرض له من الأذى، وما أظهر من بطولات حتى روي أن فيه نحو سبعين طعنة وضربة ورمية.

وكان أحد الستة الذين جعل عمر رضي الله عنه فيهم الشورى، وقال: إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مات وهو عنهم راض. وقد روى الترمذي عن جابر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من سرَّه أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله».

وعن طلحة بن مصرف، أن علياً انتهى إلى طلحة بن عبيد الله، وقد مات، فنزل عن دابته وأجلسه فجعل يمسح الغبار عن وجهه ولحيته، ويترحم عليه ويبكي، ويقول: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.

وروى الشيخان عن أبي عثمان قال: لم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير طلحة وسعد فرضي الله عنهم جميعاً.

الزبير بن العوام

كان من السابقين للإسلام والمهاجرين الأولين، فقد أعلن اسلامه وهو ابن ثمان سنين وهاجر وهو ابن ثمان عشرة سنة، وحاول عمه أن يثنيه عن اسلامه، وكان يعلقه في حصير، ويدخل عليه بالنار، ويقول له: ارجع فيقول الزبير: لا أكفر أبداً، ولما رأى عمَّه إصراره على الإسلام تركه وشأنه.

وقال عمر رضي الله عنه: والله لو عهدت عهداً أو تركت تركة لكان أحب إليَّ أن أجعلها إلى الزبير بن العوام، فإنه ركن من أركان الدين.

له مواقف مشهورة في بدر، وأحد والأحزاب، وحنين وغيرها، مما أحله هذه المكانة الرفيعة بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأخرج الترمذي أن علياً رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأذني يقول: «طلحة والزبير جاراي في الجنة».

وسئل ابن عباس عن طلحة والزبير فقال: كانا والله مسلمين مؤمنين بارين تقيين خيرين فاضلين طاهرين.

عبد الرحمن بن عوف

كان رضي الله عنه من السابقين في الإسلام، أسلم على يد أبي بكر، قبل أن يتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دار الأرقم نادياً يدعو فيه سراً للإسلام، وكان له مواقف مشهورة في دعم الدعوة وانتشارها وكثرة أتباعها.

وهو من الستة الذين اختارهم عمر رضي الله عنه للشورى، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنهم راض.

كان من الأثرياء الأغنياء الباذلين أموالهم في سبيل الله، وتحقيق مرضاته، ولم يكن للأموال على نفسه هيمنة، بل كان يعتبرها نعمة أنعم الله بها عليه، ليتخذها وسيلة لبر المحتاجين، وصلة الفقراء والمساكين.

وشهد المشاهد كلها مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وأبلى فيها بلاء حسناً، وجرح يوم أحد نحو عشرين جراحة، بعضها كان في رجله فعرج منها وما زال يعرج حتى توفي رضي الله عنه.

وبعد الهجرة إلى المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار، وقد آخى بين المهاجر عبد الرحمن و الأنصاري سعد بن الربيع، فقال سعد لعبد الرحمن: إن مالي شطران شطر لي وشطر لك، وإن لي زوجتين أطلق إحداهما لتتزوج منها، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: بارك الله لكفي مالك وأهلك، ولا حاجة لي بهما، ولكن دلني على السوق، فاشتغل بالتجارة وأنعم الله عليه بمال وفير، استعمله في طاعة الله تعالى، وقضاء حوائج المسلمين، ومساعدة البائسين، ولم تغره الدنيا وسعتها، بل يعتبرها سبيلاً لعمل الخير، والجهاد في سبيل الله بأمواله ونفسه فرضي الله عنه.

يتبع...

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

المصدر مجلة: الوعي الإسلامي السنة الرابعة عشرة، رمضان 1398 - العدد 165

الحلقة السابقة هـــنا

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

معارك حاسمة في رمضان 2 - معارك في رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩معارك حاسمة في رمضان 2 - معارك في رمضان
أشرنا في التجديد السابق قبيل شهر رمضان ما حفل به هذا الشهر الكريم من بطولات ومعارك حاسمة ،...
قل كل يعمل على شاكلته - (جيش محمد صلى الله عليه وسلم في سمرقند)
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩قل كل يعمل على شاكلته - (جيش محمد صلى الله عليه وسلم في سمرقند)
الحمد لله ثم الحمد لله و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و نشهد أن سيدنا ونبينا ...
أسرى بدر ومدرسة التربية - كنتم خير أمة أخرجت للناس
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩أسرى بدر ومدرسة التربية - كنتم خير أمة أخرجت للناس
الأسرى ومدرسة التربية        روى الإمام أحمد عن أنس(1)، واب...