العشرة المبشرون بالجنة (1)

العشرة المبشرون بالجنة (1)

التصنيف: من عبر التاريخ
الثلاثاء، ١٧ جمادى الأولى ١٤٤٣ هـ - ٢١ كانون الأول ٢٠٢١
104

من مبادئ الإسلام العظيمة وقواعده الخالدة، أنه لا يجوز لأحد أن يشهد لآخر أنه من أهل الجنة، ولا أن يشهد على آخر أنه من أهل النار، إلا ما شهد به الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ﴾[النجم:3-4].

وذلك كله لاحتمال أن يكون الإنسان في آخريات حياته، قد هداه الله إلى طريق الإيمان والاستقامة، فصلح حاله، أو أصابته نكسة، بدلت مجرى حياته، والعياذ بالله، ولهذا قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما الأعمال بالخواتيم» البخاري والترمذي.

فمن فارق الحياة وهو على هدى وايمان كان من أهل السعادة، ومن كان عكس ذلك كان من أهل الشقاء والخسران.

وأيضاً فإن من عدا الرسل و الأنبياء ولو كانوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو الأولياء المقربين، أو العلماء العاملين، أو الهداة الراشدين، غير معصومين من الوقوع في المعاصي والآثام، غير أنهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]. وقال تعالى:﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135].

ثم يوم القيامة يحاسب الله تعالى الخلائق على ما قدَّموا في هذه الدار الدنيا، فمن رجحت حسناته على سيئاته نجا وفاز، ومن رجحت سيئاته على حسناته خسر وبار.

يضاف إلى ذلك أن من الحسنات و الأعمال الصالحة ما يكفر الله تعالى به سيئات عظيمة، لأن تلك الحسنة عظيمة النفع وافرة الأثر، مثل ما كان من السابقين في الإسلام المبرزين في التضحيات والجهاد، في أزمة الوجود الإسلامي، حين ساهموا في غزوة بدر الكبرى،وتلقوا بصدورهم وإيمانهم العميق، العدو الأكثر عدداً وعتاداً، فاستحقوا بذلك أن ينالوا من الله سبحانه درجة عظيمة، ميَّزتهم عن الآخرين، ووساماً يجعلهم في مرتبة القديسين المقربين ولذلك فإن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه رغم ما بدا منه من تصرفات تستحق المؤاخذة العنيفة لو صدرت من غيره لما أراد بعض الأصحاب إنزال العقاب به، بادرهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» وفي بعض الروايات: «ووجبت لكم الجنة» كما جاء في الصحيحين وغيرهما.

وقال الأمام النووي: قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة...»، إلى آخر العشرة، «وثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن عكاشة منهم، وثابت بن قيس وغيرهم».

وقد بشَّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن سلام بأنه من أهل الجنة ما رواه البخاري.

أهمية العشرة:

وأيَّاً ما كان فإن للعشرة المبشرين بالجنة مكانة مرموقة، وأهمية خاصَّة في العقيدة والاحترام، ولذلك قال في العقيدة الطحاوية: وأن العشرة الذين سمَّاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقوله الحق...

وفي جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد بيان لبعض مناقب هؤلاء العشرة، في عدد من الأحاديث و الآثار.

وقد روى النسائي والترمذي والبغوي عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة،وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة، وسعد ابن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة عامر بن الجراح في الجنة».

وقد روى أبو داود و الترمذي والنسائي عن سعيد بن زيد رضي الله عنه، هذا الحديث مع زيادة واختلاف في الترتيب وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأقواهم في دين الله عمر، وأشدهم حياءً عثمان، وأقضاهم علي بن أبي طالب، ولكل نبي حواري، وحواريي طلحة والزبير، وحيث ما كان سعد ابن أبي وقاص كان الحق معه، وسعيد ابن زيد من أحباء الرحمن، وعبد الرحمن بن عوف من تجار الرحمن، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، أمين هذه الأمَّة».

وقد روى هذا الحديث الترمذي عن أنس، مع اختلاف في بعض الأسماء كما روي بألفاظ مختلفة، في كشف الخفاء وتعليقاته.

وقد ذكر المحب الطبري عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزل عائشة رضي الله عنها فقال: «يا عائشة: ألا أبشرك؟ قالت بلى يا رسول الله: قال: أبوك في الجنة ورفيقه إبراهيم وعمر في الجنة، ورفيقه نوح، وعثمان في الجنة، ورفيقه أنا، وعلي في الجنة ورفيقه يحيى بن زكريا، وطلحة في الجنة ورفيقه داود، والزبير في الجنة ورفيقه إسماعيل،وسعد بن أبي وقاص في الجنة ورفيقه سليمان، وسعيد بن زيد في الجنةورفيقه موسى ابن عمران، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ورفيقه عيسى بن مريم، وأبو عبيدة عامر بن الجراح في الجنة ورفيقه ادريس، ثم قال: يا عائشة: أنا سيد المرسلين، وأبوك أفضل الصديقين وأنت أم المؤمنين».

لماذا كان تبشير هؤلاء بالجنة؟

الذي ظهر لي أن لله تعالى سنناً في الثواب والعقاب، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ومن هذه السنن ما تشير إليه الآيات والأحاديث التالية:

1 – قوله تعالى:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ شَرُّ ٱلۡبَرِيَّةِ٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ خَيۡرُ ٱلۡبَرِيَّةِ٧ جَزَآؤُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ رَبَّهُۥ٨﴾[البينة:6-8].

2 – قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [هود: 111].

3 – قوله عز شأنه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: 7].

4 – قوله جل جلاله: ﴿لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ١٠﴾[الحديد: 10].

5 – وقوله عز سلطانه:﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 95].

6 – قوله عز من قائل:﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142].

7 – وما أخرجه الشيخان أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لن ينجي أحداً منكم عمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته، سددوا».

8 – وما أخرجه الشيخان أيضاً عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يدخل احداً الجنة عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله ؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة».

9 – وما أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

وهذا كله يقتضي أن من سنن الله تعالى أن تبقى نتيجة الإنسان سراً بين يدي الرحمن، وهو العليم الخبير، ولا يستطيع أي إنسان أن يجزم بنجاة أحد معين ولا بهلاك أحد بعينه، بناء على مظاهر ورسوم، لأن تلك النتيجة ترتبط بما هو أعمق من المظاهر وهو الإخلاص في العمل، والوصول إلى جواهر الأمور وحقائقها، ومن هذا المنطلق بشر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هؤلاء العشرة بالجنة، لأن الله سبحانه اطلع على سرائرهم، وعجم عودهم فكانوا من الأطهار الأخيار الأبرار، وكانت لهم جميعاً مواقف سامية، من أجل الدعوة الإسلاميَّة، وتثبيت قواعدها وقد تسابقوا في حماية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحرص على رضاه، كما تناغموا في الاتساء به، والتمرس بأخلاقه الساميَّة، حتى كان كل واحد منهم كأنه رسول الله في ناحية من نواحي حياته، وفي بعض سماته وصفاته.

الخلفاء الراشدون

أما الخلفاء الراشدون الأربعة فهم طليعة الصفوة المختارة، والكثير من خصائصهم وميزاتهم لا تخفى على قطاع كبير من المسلمين، وباقي العشرة ممن أبلوا البلاء الحسن في ميدان من ميادين الجهاد بالنفس أو المال، أو بهما معاً، وإني أشير هنا إلى بعض المواقف البارزة الحاسمة لكل واحد منهم، مما صر عنه في عهد صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، حتى تبرز الصورة المشرقة لهؤلاء الطلائع الخيرة، وإن كانوا يشتركون معاً في صفات الإخلاص والتضحية والجهاد في سبيل الله.

أبو بكر

أما أبو بكر رضي الله عنه فقد كان أول السابقين للإسلام من الرجال، وتلك منقبة عظمى، لا يقدرها حق قدرها، إلا من استعرض أحوال مشركي قريش في ذلك العهد، ومحاولتهم بشتى الوسائل صد الآخرين عن الاستجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومن مميزاته أيضاً أنه حين أسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى القدس، وقد أخبر كفار قريش بما منحه الله في تلك الليلة، اعتبر صناديد قريش ذلك الحادث الغريب فرصة للإغراء بأبي بكر، حتى ينفض عن رسول الله، فلما أخبروه بما تحدث به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، قالها: في صدق المؤمنين وإصرار الواثقين: لئن قال ذلك، لقد صدق، ومن ثم سمي الصديق.

ومنها مرافقته الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حين الهجرة، وافتداؤه الرسول بنفسه، ومنها حين كان المسلمون في ضيق وعسرة، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالإنفاق، بادر أبو بكر فأحضر كل ما يملك، ووضعه بين يدي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولما سأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أبقيت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله والرسول.

وأخرج أبو داود في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أتاني جبريل عليه السلام فأخذ بيدي، فأراني باب الجنة، الذي يدخل منه أمتي، فقال أبو بكر: يا رسول الله وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي».

وأخرج الستة إلا مالكاً عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة، يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة نودي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام عي من باب الريان»، فقال أبو بكر: يا رسول الله ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: «نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر».

وفي مروج الذهب للمسعودي أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عنه في خلافة معاوية رضي الله عنه فقال: كان رحمه الله تعالى الله للقرآن تالياً، وللشر قالياً، وعن المنكر ناهياً وبالمعروف آمراً، ولله صابراً وعن الميل إلى الفحشاء ساهياً، وعن الموبقات صارماً، فاق أصحابه ورعاً وقناعة، وزهداً وبراً وأمانة، وقد نقش على خاتمه: عبد ذليل لرب جليل، فرضي الله عنه وأرضاه.

عمر بن الخطاب

وأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد ظهرت مزاياه منذ اسلامه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى عمر بن الخطاب قبل اسلامه أو أبا جهل بن هشام يقول: «اللهم اشدد دينك بأحبهما إليك» ويقول سعيد بن المسيب: فشدد الله دينه بعمر بن الخطاب.

وأخرج الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطار، قال: وكان أحبهما إليه عمر».

ولما أسلم عمر ابتهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإسلامه، واعتز المسلمون لما يعلم من مكانة عمر، وقوة شخصيته، وكبير تأثيره، وكان المسلمون حينئذ يعبدون الله سراً فقال للرسول: ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «بلى والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم، وإن حييتم» قال عمر رضي الله عنه: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن فما لبث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن خرج للمسجد في صفين، أحدهما فيه عمر، والآخر فيه حمزة، وعندما رأتهما قريش علتهم كآبة وحزن.[جمع الفوائد].

وكان رضي الله عنه يقول للرسول صلى الله عليه وآله وسلم: والذي بعثك بالحق نبياً، لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر، إلا جلست فيه بالإيمان، وكان غير هياب ولا وجل، مما كان له أكبر الأثر في دعم الدعوة وانتشارها وكثرة أتباعها، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.

وكان رضي الله عنه وزيراً للرسول ومستشاراً له وملازماً لمجلسه ومساهماً في غزواته شديداً على أعدائه محباً لأنصاره وأوليائه.

وقد روى البخاري عن علي رضي الله عنه، قال: كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «كنت وأبو بكر وعمر وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر».

وأخرج الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لقد كان فيمن كان قبلكم ناس محدثون (ملهمون) من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي أحد فإنه عمر».

وقد وافق حكمه حكم القرآن، في عديد من المسائل منها في مقام إبراهيم وفي حجاب أزواج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفي أسارى بدر.

وكان رضي الله عنه مثال العدل والحزم والشدة في الله تعالى، حريصاً على شرعة الله، متجرداً عن هواه، وكان يرجو أن يخرج من هذه الدنيا كفافاً، لا له، ولا عليه، مما يدل على بعد نظره وتقديره لمسئوليته، وفرط رقابته وخوفه من الله سبحانه.

وقد سأل معاوية ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم، فقال: كان والله حليف الإسلام، ومأوى الأيتام، ومحل الإيمان، ومنتهى الاحسان، ونادي الضعفاء، ومعقل الخلفاء، كان للحق حصناً، وللناس عوناً، بحق الله صابراً محتسباً، حتى أظهر الدين وفتح الديار، وقوراً لله في الرخاء والشدة، شكوراً لله في كل وقت، كان نقش خاتمه، (المعين لمن صبر) فرضي الله عنه وأرضاه.

يتبع...

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

المصدر مجلة: الوعي الإسلامي السنة الرابعة عشرة، رمضان 1398 - العدد 165

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

معارك حاسمة في رمضان 2 - معارك في رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩معارك حاسمة في رمضان 2 - معارك في رمضان
أشرنا في التجديد السابق قبيل شهر رمضان ما حفل به هذا الشهر الكريم من بطولات ومعارك حاسمة ،...
قل كل يعمل على شاكلته - (جيش محمد صلى الله عليه وسلم في سمرقند)
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩قل كل يعمل على شاكلته - (جيش محمد صلى الله عليه وسلم في سمرقند)
الحمد لله ثم الحمد لله و نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و نشهد أن سيدنا ونبينا ...
أسرى بدر ومدرسة التربية - كنتم خير أمة أخرجت للناس
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩أسرى بدر ومدرسة التربية - كنتم خير أمة أخرجت للناس
الأسرى ومدرسة التربية        روى الإمام أحمد عن أنس(1)، واب...