العرب والكرد دمٌ واحد ومصيرٌ مشترك

العرب والكرد دمٌ واحد ومصيرٌ مشترك

التصنيف: حاضر العالم الاسلامي
الأربعاء، ٣ شعبان ١٤٤٧ هـ - ٢١ كانون الثاني ٢٠٢٦
735

"إنّ العرب هم بمثابة السيد والوالد للأمم الإسلامية، وإننا نحن الأكراد قد اتحدنا معهم كأننا جسدٌ واحد، وإنّ الرابطة التي تربطنا هي رابطة الإسلام التي هي أقوى من كلّ رابطة قوميّة". بهذه الكلمات اليقينية في "رسائل النور"، كان الإمام بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله يؤصّل للعلاقة الوجوديّة بين العرب والكرد، علاقةٌ لم تُبنَ على مصالح سياسية عابرة، بل صهرتها عقيدة التوحيد في بوتقة واحدة لا تقبل القسمة.


إنّ الحديث عن الكرد اليوم ليس ترفاً فكرياً، بل هو شهادة حقّ تنبع من تجربة إنسانيّة ودينيّة عميقة، فمن عاصر أساتذة كراماً من الكرد، وعايش أصدقاء وزملاء وطلّاباً منهم، لم يجد فيهم إلا نبل النفس، وصدق اللهجة، ووفاء العهد.


فطرة الجبل وأمانة الدين


يرجع أصل الكرد إلى سلالات عريقة استوطنت الجبال الوعرة في المشرق الإسلامي، وقيل في سبب تسميتهم "بالكرد" إشارة إلى القوة والشدّة. ومنذ فجر التاريخ، عُرفوا بأنّهم أهل "فطرة سليمة" وبساطة متناهية، فالكردي إنسان واضح كجباله، لا يعرف المواربة. ومن أهم مزايا الأخوة الكرد هي "الكلمة"، فإذا وعد الكردي وفى، وإذا صادق أخلص، وهي ميزة جعلت منهم محل ثقة تاريخيّة وأخويّة لدى جيرانهم وإخوانهم العرب.


لقد كان الإسلام عند الكرد هويّة ووجوداً، ومن هذا التعلّق نبعت شجاعتهم وبسالتهم الأسطورية في القتال، فكانوا دائماً "رأس الحربة" في جيوش المسلمين، يذودون عن حياض الأمّة بصدور لا تنحني. ويكفي الكرد فخراً أنّ محرر القدس صلاح الدين الأيوبي رحمه الله هو منبتُ هذا الشعب، الذي قاد الأمّة تحت راية التوحيد، مؤكداً أنّ الرابطة بيننا هي رابطة العقيدة والمصير المشترك التي تجلّت في مشاركة الكرد للعرب والمسلمين في كافة الفتوحات والنضالات التاريخيّة.


دمشق حاضنة الوفاء الكردي


للكرد في سورية تاريخٌ ضارب في القدم، وهم جزء أصيل من هويتنا الوطنيّة. وتعدُّ دمشق الشاهد الأكبر على هذه المحبّة، حيث يتربّع "حي الأكراد" في (ركن الدين) العريق في قلب العاصمة، الحي الذي خرج منه أساطين في العلم الشرعي واللغة العربية، مثل الشيخ ملا رمضان البوطي رحمه الله وغيره من العلماء الربانيين. لقد انصهر الكرد في المجتمع السوري بصدق، وامتزجت العوائل بالمصاهرة والنسب، حتى صار الكردي في دمشق وحلب والجزيرة جزءاً لا يتجزأ من روح الأرض السورية.


الكرد بين الظلم والأدلجة


رغم هذا التاريخ المشرق، واجه الكرد ابتلاءً مضاعفاً:


الأول: استبداد حزب البعث: فقد تعرّض الكرد لظلم ممنهج من حافظ الأسد الذي حرم الآلاف منهم من الجنسيّة، واستمر ابنه المجرم بشار على ذات النهج. وهنا نؤكّد على "وحدة المظلوميّة"، فالعدو الذي قتل العربي في حماة ودمشق هو نفسه الذي اضطهد الكردي في القامشلي وعفرين.


الثاني: حماقة الارتهان للخارج: ابتُلي الكرد بأحزاب علمانيّة وماركسيّة مارقة (مثل قسد وحزب العمال الكردستاني PKK، حزب الاتحاد الديمقراطيPYD ، وحدات حماية الشعب YPG). حاولت سلخهم عن فطرتهم الدينية، وارتكبت حماقة سياسية كبرى بالارتهان الكلّي للوعود الأمريكيّة والدوليّة. واليوم، نرى حصاد هذا العناد الأحمق، حيث تخلّت واشنطن عنهم تماماً بعد أن انتهت صلاحيّة دورهم الوظيفي، ليصرّح المبعوث الأمريكي بوضوح أنّ "الغرض الأصلي لقسد انتهى"، وأنّ أعظم فرصة للأكراد تكمن حالياً في كنف الدولة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، الذي سارع بإصدار حزمة من المراسيم والقرارات الرائدة التي أنصفت الإخوة الكرد وردّت إليهم حقوقهم المسلوبة منذ عقود، في خطوة تاريخيّة تؤسس لمواطنة حقيقيّة وعدالة ناجزة.


طريق الخلاص العودة إلى الحضن الأصيل


إنّ ما جرى مؤخّراً هو درسٌ قاسم لكلّ من آمن بالسراب الأمريكي على حساب أهله وإخوته في العقيدة والوطن، حيث يكمن طريق الخلاص اليوم في ضرورة عودة الكرد لتوثيق وإعادة ذلك الرابط القديم المتين مع إخوتهم العرب والمسلمين والسوريين، بوصفه الحصن الحصين الذي لا ينهار. إنّ هذا الخلاص يقتضي، أكثر من أي وقت مضى، التنصل التام من تلك الأحزاب التي فصلتهم عن بيئتهم العربية والإسلامية، وسدّ الأبواب بإحكام أمام جميع التوجهات الانفصالية التي سعت لسلخ الكرد عن حاضنتهم التاريخية وأهلهم في سورية.


إن العودة للهوية الجامعة، والاندماج الكامل في مشروع الدولة السورية الجديدة، والتحالف مع إخوتهم العرب لبناء مستقبل تسوده العدالة والمواطنة، هو السبيل الوحيد للنجاة بعيداً عن الأيديولوجيات الدخيلة التي لم تجلب للأمّة سوى الكوارث والتمزّق.


سيبقى الكردُ والعرب روحاً واحدة في جسد أمّةٍ لا تقبل القسمة، وسيذوب زبدُ الأيديولوجيات الدخيلة ليبقى ما ينفع الناس، تاريخٌ من الجهاد المشترك، ومستقبلٌ يبنيه الأوفياء تحت سماء سورية الواحدة.


بقلم: فراس السقال

21/01/2026

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

الاسلام على مفترق طرق - محمد بن عمر بن سالم بازمول
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩الاسلام على مفترق طرق - محمد بن عمر بن سالم بازمول
يرى المسلم في هذا العصر اختلافاً كثيراً حيثما وجّه وجهه، سواء في باب مسائل الفقه من عبادات...
مرجعيّة - قيم الإسلام تناسب الإنسان ، وتلائم فطرته ، وتقدّم أساساً سليماً لتطوّره
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩مرجعيّة - قيم الإسلام تناسب الإنسان ، وتلائم فطرته ، وتقدّم أساساً سليماً لتطوّره
  مرجعيّة " القِيَم " عند المسلم   منذ القرون الإسلاميّة الأولى بحث...
تعريف بركن حاضر العالم الإسلامي - رسالتنا
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بركن حاضر العالم الإسلامي - رسالتنا
ركن : حاضر العالم الإسلامي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " مثل المؤمنين في تو...