وترسلُ إليّ مكلومةٌ على ما يجري في حلبَ التي تحرقُ قلوبنا وأرواحنا قبلَ أن تحترقَ على أهلها وتسألُ:
أتظنّ أنّ الله سيرحم عجزنا وضعفنا وقلّة حيلتنا؟ هل نحن آثمون أم مستضعفون؟
وهنا لا بدّ للإجابةِ من هدأةٍ تكتنفُ الرّوحَ الملتاعةَ، ومن توازنٍ للعقلِ الذي يكادُ أن يتلاشى أمام هولِ ما يجري لولا أن تتداركه نعمةُ الله.
وفي إجابات ضمن خطوط عامة أقول وبالله التوفيق:
• إنّ ركيزةَ الطّغاةِ في استضعافِ أهل الحقّ المؤدّي إلى استباحةِ دمهم؛ هو تفريقهم وتفرُّقهم فِرَقًا وشِيَعًا، ولولاه ما كان استضعاف أهل الحقّ ولا علوّ أهل الباطل، وقد بيّن الله تعالى ذلك في قوله: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)
• إنَّ أعجزَ العجزِ هو الاستسلامُ للشعور بالعجز؛ هذا الشعورُ الذي يُقعد صاحبه عن الفعل ويجعله يبرر لنفسه هذا القعود، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذُ بالله من العجز لما له من آثار كارثيّة على من سيطر عليه.
والعجزُ شعورٌ ينبثق من داخل النفس يجبُ طرده باليقين بالقدرة على الفعل مهما كان قليلًا، وعدم احتقار العمل لنصرة حلب وأخواتها من قضايانا المخذولة مهما كان يسيرًا ولو كان شطر كلمة، فالافعالُ آثارها تراكميّة، وإنما البناءُ العظيم اجتماعُ ذرّاتُ الرّمال، وما السّيلُ إلا اجتماع النُّقَط.
• الاستضعافُ لا يعني مطلقًا الاستكانة للطاغية، والرضى بالواقع، وعدمَ المواجهة، والخضوعَ للظّروف، ولا يُقبَل هذا التبريرُ مطلقا في ساعات المواجهة الفاصلة ممّن ملك أدنى مقوّمات العمل، وقد بيَّن الله تعالى حالَ ثلّةٍ ممن أظهروا الإسلام لكنّهم لم يهاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفي يوم بدرٍ اجبرهم المشركون على الخروج في جيشهم لمواجهة المسلمين؛ فلم يقبل الله تعالى منهم دعوى الاستضعاف، وأنزل فيهم وفي أمثالهم قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)
وأمَّا الذين فقدوا أيّة قدرة على الفعل مطلقًا، ولا حيلة لهم في فعل شيء ولكنهم لم يكونوا في صف الطاغية إعانة زمناصرة؛ وإنما خضعُوا لجبروته وقد فقدوا أدنى أسباب الفعل؛ فهؤلاء مُرجونَ لعفوِ الله تعالى الذي قال فيهم: ( إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) ودقّقُوا على قوله تعالى عسى الله أن يعفوَ عنهم.
فالاستضعاف لا يعني مطلقًا عدمَ العمل أو الخضوع للطّغيان ومسايرته والانجراف في صفه والسير في ركبه، ولا يعفي ادّعاؤهُ من الجُرم والإثم.
• الإثمُ يتناسبُ طردًا مع القدرةِ على الفعل، فكلّ قادرٍ على فعل شيءٍ لأجل حلب ومثلُها أيّة قضيّةٍ من قضايا المسلمين؛ فإثمُه على قدر فعله الذي يستطيعُه ولم يقم به، سواءٌ أكان هذا الفعل شطرَ كلمةٍ أو شطرَ سلوكٍ.
فليس هناك قادر على بذل أيّ فعل صغر أو كبر معذور، وهذا يعني أنّه كلما كان المنصبُ والمسؤوليّة الإدارية أو الاجتماعية أو السياسية أو العلمية أكبر كان الإثم أعظم لأن مقتضى هذه المكانة القدرة الأكبر على العمل.
ليس هناك أحد قادرٌ على قولٍ أو بذلٍ أو فعلٍ معذورٌ؛ ولو أنّه فعل بعضَ وُسعِه فإنه آثمٌ على قدر وسعه الباقي الذي لم يبذله، فالمطلوب في لحظات المواجهة بين الحقّ والباطل بذلُ غاية الوسع والجهد لا بعضَه من بابِ إرضاءِ الذات وإراحة الضّمير.
#حلب_تحترق
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


