الطائفيون والمنهج القرآني في العدالة مع الخصوم

الطائفيون والمنهج القرآني في العدالة مع الخصوم

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الجمعة، ٦ شعبان ١٤٣٤ هـ - ١٤ حزيران ٢٠١٣
784

 
 
 
بقلم: رائد السمهوري
 
 
لا أظنني مبالغًا حين أقول: إنه لا خطر يهدد هذه المنطقة –أشد من أي خطر آخر– كالطائفية.
 
إن قدر هذه المنطقة أنها منطقة طائفية بامتياز، صحيح أن السواد الأعظم هم من عوام أهل السنة–بغض النظر عن زوابع الفناجين العقدية بين شيوخ وطلاب العلم السلفيين والأشاعرة –إلا أن العوام الذين لا دخل لهم بعلم الكلام والنزاع العقائدي؛ يأخذون بمجمل أركان الإيمان ولا يفقهون التفاصيل التي يقوم عليها النزاع العقدي بين الطوائف، ولا يعلم أحدهم من هو الطحاوي ولم يقرأ مرة واحدة العقيدة الواسطية، ولا متن الجوهرة.
 
أقول: صحيح أن السواد الأعظم هم من عوام أهل السنة، إلا أن المنطقة تزخر بطوائف متعددة؛ طوائف تنتمي إلى الإسلام، وجمهورها عوام مقلدون لا يدرون تفاصيل العقائد، وطوائف أخرى لا تنتمي إلى الإسلام.
 
كل تلك الطوائف يختلف بعضها عن بعض في العقائد والأسماء نعم، ولكنها تتكلم لغة مشتركة، وتلتزم عوائد مشتركة في الطعام واللباس والعلائق الاجتماعية؛ فالإسماعيلي في نجران –مثلاً –يقول ما يقوله ابن منطقته حين يستقبل ضيوفه: ارحبوا! ويكرمهم كما يكرمهم ابن منطقته على عادة قبيلته وسلوكها المتعارف عليها كسائر العرب.
 
كنت قبل أيام أجلس إلى رجل من لبنان، لم أشرف بمعرفة اسمه، ولم يبد لي البتة أنه مختلف عني في شيء، تكلمنا لغة واحدة، أبدى من بوادر الكرم ما يبديه أي عربي يزوره ضيف من الاحتفاء والترحيب (وأداء الواجب)، ثم يختم ضيافته بقوله بلهجته: "حضرتوا وما حضر واجبكن"، تناولنا عدة أحاديث، تكلمنا عن فلسطين المحتلة، وعن الوضع الطائفي في لبنان، وعن الثورات العربية، وعن كون العرب ليسوا على قلب رجل واحد.
 
التفت فوجدت صورة شيخ في مكتبه يتزيى بالزي الدرزي، أدرك صديقي اللبناني أني تنبهت إلى الصورة، فقال بنصف ابتسامة: أنا من الطائفة الدرزية! هاهنا وهاهنا فقط شعرت أن بيني وبينه فرقًا، ليتني لم أنظر إلى تلك الصورة وأجعل الموقف محرجا، كانت هذه الجملة التي قالها هي العلامة الفارقة التي جعلتني أحس أنه مختلف عني!
 
لا أقول إني أضمرت له شرًا، أو أصبحت أكرهه مثلاً، ولكن التصنيفات والأسماء محمّلة بحمولات راسخة متراكمة في النفوس، حتى لو كانت وهمًا لا حقيقة لها، فما الاسم إلا لفظ محمّل بكثير أو قليل من المعاني والمشاعر، ألم يقل الله تعالى للكافرين: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان}. [يوسف: 40] نعم قد تُعبد الأسماء وتقدَّس، وتراق فداءً لها الدماء، وما هي إلا مجرد أسماء!
 
إن هذه الطوائف ليست طارئة على هذه المنطقة إنها مقيمة فيها منذ قرون، كان أهلها موجودين، وسيبقون، بل قامت في هذه المنطقة دول لبعض الطوائف عدا الدول السنية، دول شيعية (إسماعيلية واثنا عشرية وزيدية)، وإباضية؛ بسطت رواقها على هذه المنطقة أو أجزاء منها.
 
يقول أبو الحسن الأشعري عبارته الشهيرة في كتابه مقالات الإسلاميين: "أول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم اختلافهم في الإمامة".
 
ثم تباين الخلاف بعد هذا وتشعبت فروعه، وكثرت تفاصيله، وهكذا انقسم المسلمون بسبب هذا فرقًا متباينة ـ وإن كانت كلها تتفق في الأصول الكلية ثم تختلف في تفاصيلها، ثم أخذت كل فرقة تلد غيرها، وأصبحت كل فرقة تضع نظرياتها حول الأوصاف والألقاب إيمانًا وفسقًا وكفرًا، وعليه تبني نظرياتها حول دار الإيمان ودار الكفر، ومنها نظريات طريفة مبثوثة في كتب علم الكلام لعلنا نتطرق إليها في مقام آخر.
 
فالخلاف بين الطوائف الإسلامية في أس كينونته هو خلاف سياسي يعضد بالأدلة العقلية والشرعية لكل طائفة، وكما كان أصل الخلاف قائمًا على اختلافهم في الإمامة منذ الفتنة الكبرى التي انقدح صوّانها زمن عثمان بن عفان، ثم اشتعل أوارها زمن علي بن أبي طالب؛ في الفتنة بينه وبين طلحة والزبير وعائشة من جهة، ثم في قتال البغاة مع معاوية بن أبي سفيان من جهة أخرى.
 
أقول: كما كان أصل الخلاف قائمًا على اختلافهم في الإمامة؛ كانت تفصيلات المنظومة العقدية لكل فرقة مجالاً للاستغلال السياسي بعد ذلك، بحيث نستطيع أن نقول: إن الخلاف بين الطوائف الإسلامية هو خلاف سياسي في الحال والمآل؛ تستخدم في توظيفه العقائد الدينية للاستقطاب والتهييج والاستغلال وتحقيق المآرب والأطماع لحسابات شخصية أو جهات حزبية سياسية.
 
لا يعني هذا أن أشياخ كل طائفة ووعاظها هم سياسيون بالضرورة؛ فإن عامة مشايخ الطوائف تلقنوا عقائدهم كما هي بما فيها من أحكام على الطوائف الأخرى المخالفة تضليلاً وتفسيقًا وتكفيرًا بما تفيض به كتب العقائد ومتونها؛ دون وعي كامل بالظروف والسياقات التي نشأت فيها تلك الأوصاف والأحكام والمعايير، هذا إن افترضنا أن هناك وعيًا أصلاً!
 
ولكن هذا لا يعني أن بعض الأشياخ لا يمارس الطائفية بوعي وإدراك، سيما حين يكون هو نفسه مرتبطًا بمشروع سياسي، أو يكون هو نفسه مقتحمًا دهاليز السياسة وسراديبها وأزقتها، هاهنا هو يمارس الطائفية بوعي وإدراك للأهداف التي يسعى إلى تحقيقها.
 
ولئن كان الأشياخ والوعاظ والدعاة الذين لا علاقة لهم بالسياسة إلا من خلال أحكام الحلال والحرام ويجوز ولا يجوز ملومين قيراطًا على مواقفهم العقدية المتشنجة؛ فهذا ملوم أربعة وعشرين قيراطًا؛ لأن القتل بلا تأوّل هو قتل عمد، ليس كقتل الخطأ الذي هو بتأوّل، وإن كان القتل قتلاً على أية حال.
 
ولئن اختلفت النيات بين من يعي ومن لا يعي؛ تبقى المشكلة الكبرى التي نعانيها والتي تنبئ بكوارث نرى الآن خطورتها هي هذا الخطاب الطائفي المشتعل الممتد لدى الوعاظ الشعبويين في طائفة أو أخرى ـ بغض النظر عن النوايا ـ، وهنا يقع من لا يعي أداةً في مشروع من يعي، والثمن المدفوع: أناسٌ أبرياءُ لا يعلمون تفاصيل عقائدهم فضلاً عن تفاصيل عقائد غيرهم، ثمنًا زهيدًا من أجل مشروعات سياسية لقوى متصارعة لها مصالحها الظاهرة أو الخفية!
 
إنه خطاب ديني يقوم على "قال الله وقال رسوله وقال أئمة الإسلام"، وكل ينزل الآيات والأحاديث وأقوال العلماء من حيث هي آيات تفيد العموم وكليات ذهنية وقواعد، كلٌ ينزلها على من يشاء من المعيّنين، وهنا تلعب العاطفة الطائفية لعبتها في عقول هؤلاء، فيؤخذ البريء بذنب المجرم، ويؤخذ من لا يعلم بذنب من يعلم، ويؤخذ المسكين المبرمج بذنب المسيطر المهيمن، وتعمم الأحكام لتنال من شارك ومن لم يشارك، ومن قاتل ومن لم يقاتل، ومن حث ومن لم يحث، ومن تكلم ومن سكت.
 
وهكذا تدخل الجماهير –ببركات أولئك – في صراع طائفي لمجرد الانتماء والهوية؛ وبعض ما يشاع ويضخّم من اتهامات يطلقها وعاظ كل طائفة على أخرى، وقد يكون ما يستخدم للتشنيع أقوالاً شاذة تنكرها الطائفة نفسها، أو أقوالاً مندثرة، أو أقوالاً لم تفهم على مراد أصحابها، ولكن هكذا يصنع الخطاب الطائفي.
 
وهكذا؛ فإذا شارك نظام سياسي، سواء أكان دولة أم حزبًا، في جريمة طائفية أطلقت الأحكام لتشمل كل من ينتمي إلى تلك الفرقة أو المذهب فهم فعلوا، وهم صنعوا وهم شاركوا.
 
وما الطوائف إلا بشر من البشر؟! فمنهم كبار سن مساكين ينتظرون وداع هذه الدنيا، ومنهم نساء وأطفال ومراهقون، ومنهم ساعون لرزقهم ورزق عيالهم، مهمومون بقوت يومهم، مثلهم مثل كل إنسان يريد أن يعيش حياة كريمة، ومنهم مخدوع يسمع في دار عبادته ما يغسل عقله ويبرمجه، ما لهؤلاء ولجرائم القتلة؟
 
طائفية وطائفية مقابلة يحكمها الهوى، وينأى عنها العقل، وأي خدمة يمكننا أن نقدمها للمجرمين الماكرين المريدين بأوطاننا سوءًا أكثر من السعي في ميدانهم؟ وأكثر من أن نكون أصداء لأصواتهم؟
 
وأمام هذه العاطفة المتقدة، وأمام جرائم وإبادات تدمي الأفئدة نراها مرارًا على شاشات التلفزة قد يختل الميزان، وتنكسر المسطرة، وتضطرب الرؤية.
 
وينتشر حس طائفي جمعي بسبب كل ذاك الضجيج يرمي كل خطاب مناوئ للطائفية بأنه خطاب مثالي طوباوي لا يرعى للدماء حرمة ويفتقر إلى أدنى درجة من الرحمة.
 
هاهنا كان واجبًا أن نرجع إلى المنهج القرآني نستلهم منه الميزان، ونستمد منه نور البصيرة الكاشف عن الحق بعيدًا عن تشجنات الطائفية البغيضة.
 
أما في القتال، فإن القتال إنما يكون لمن قاتل لا من لم يقاتل، وما سوى هذا فاعتداء، قال تعالى:{وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}، [البقرة: 190].
 
ونهى الله أن يحاسب أحد بجريرة غيره، قال سبحانه:"ولا تزر وازرة وزر أخرى"، [الزمر: 7].
 
وأمر الله سبحانه وتعالى بالشهادة بالعدل قيامًا لله، نهى الله عن جعل الهوى والعاطفة سببًا للجور في الحكم والظلم فقال: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله، شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8].
 
وحين ذكر ربنا سبحانه مخازي أهل الكتاب ومظالهم وشناعاتهم كان يقول: ومنهم من يقول، ومنهم ومنهم... بل إنه ذكر أيضًا صفاتهم الحميدة حين قال: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائمًا} [آل عمران: 75]
 
ونهى الله سبحانه عن الجهر بالسوء من القول، إلا من ظلم: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} [النساء: 148].
 
ولا تكون العقوبة إلا لمن اعتدى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين}. [النحل: 126]، وإدخال من لم يقاتل في حكم من يقاتل ظلم واعتداء.
 
فكما إن الغرب اتهم المسلمين جميعًا بالإرهاب من أجل ثلة منهم ارتكبت ما ارتكبت وقمنا نحن ندافع ونقول إنه لا يجوز تحميل سائر الأفراد خطأ ثلة منهم؛ فكذلك في شأن الطوائف: من الظلم تحميل سائر الأفراد إثم ثلة منهم.
 
خلاصة القول في هذه المقالة (الوعظية): إن علينا أن نفرق بين قتال (الظالم المعتدي) أيًا كانت طائفته، وبين القتال الطائفي القائم على مجرد الانتماء المذهبي، وعلينا ألا نؤاخذ البريء بجريرة المجرم، فلا يقع الذنب إلا على المعتدي.
 
وعلينا أن نكون أذكياء فنخصص الجهات والأحزاب التي تظهر عداوتها بأسمائها الخاصة بها دون تعميم على جميع أبناء الفرقة أو المذهب، وعلينا ألا ننجرّ إلى وحل الطائفية القميء؛ فإنه حتى لو استخدمنا الطائفية الآن ذرائعيًا لأي سبب كان؛ فإن تأصيلاتها ستبقى تعمل عملها غدًا وبعد غد.
 
لسنا بحاجة إلى خطاب طائفي لدفع المعتدين، حسبنا أن ندين الظلم والظلمة والقتلة والمجرمين دون ربط هذا بالمذهب أو تعميمه على سائر أبناء الطائفة.
 
لست طائفيًا، ولا الطائفيون لي قدوة، ولعنة الله على القتلة والمجرمين والظلمة وعلى كل من قتل بريئًا أو أعان على قتله ولو بشطر كلمة.
 
وبعد؛ فليس لنا من كل هذا الكلام غير العدل ورضا الله غاية ورجاء.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...