الضرب في آية القوامة.. آراء ومواقف(5)

الضرب في آية القوامة.. آراء ومواقف(5)

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الثلاثاء، ٢٨ شوال ١٤٤٢ هـ - ٨ حزيران ٢٠٢١
541

المطلب الرابع: آية القوامة من رؤية البرمجة اللغوية العصبية

إذا نظرنا إلى الآية من زاوية نفسية وعصبية حديثة يمكننا القول: إنَّ الله عز وجل في تقسيمه لهذه العقوبة جعلها وفقًا لأصناف الناس في استجاباتهم وتلقيهم للرسائل من حولهم بشكل عام، فمنهم السمعي ومنهم البصري ومنهم الحسي، فتكون سرعة الاستجابة والتفاعل راجعة إلى نوع المؤثر.

تقسم الدراسات العصبية الحديثة شخصية الإنسان من حيث إدراكها للأشياء إلى ما يسمى بالأنظمة التمثيلية، وأول من وضع هذا الأسلوب هما العالمان الأمريكيان: ريتشارد باندلر (Richard Bandler) وجون غريندر (John Grinder) سنة 1973م، اللذان قدَّما هذه التقنية NLP (Neuro Linguistic Programming) على أنها علم جديد أطلقا عليه اسم (برمجة الأعصاب لغويًا)، فأثبتا أن عملية الإدراك عند الناس تقوم على الأنظمة التمثيلية Representational Systems، وهي استقبال المعلومات عن طريق الحواس الخمس ثم ترجمتها وتصنيفها إلى نظام بصري أو سمعي أو حسي، يقول محمد يوسف الهاشمي: «تتم عملية الإدراك عن طريق ورود المعلومات إلى الدماغ عن طريق الحواس الخمس...، ويمثل الإحساس المتولد عن كل حاسة نمطا أو نظاما خاصا للإدراك، ولكل شخص نظام يغلب عليه، فإما أن يكون سمعيا أو بصريا أو حسيا؛ البصري يحتوي على صور ومشاهد، السمعي يحتوي على سمعيات، الحسي يحتوي على عواطف أو حسِّيات»[26].

إن تلقي الناس للأشياء وتقبلها وإدراكها يتم عن طريق الحواس الخمس، فهي تستقبل الرسائل من الآخرين وتعالجها في الدماغ لتُحدث بعد ذلك استجابة معينة، يقول محمد التريكي: «يتم الإدراك عن طريق ورود المعلومات إلى الدماغ من الحواس الخمس...، ويقوم الدماغ بتحفيز المعلومات ثم تفسيرها وبالتالي فهمها»[27]، وتسمى هذه الأنظمة بالأنماط أيضا، ويرمز لها في الإنجليزية بـ: VAK، وهي الحروف الأوائل للكلمات: (Visual, Auditory, Kinesthetic) [28].

إذا كنَّا قد سلَّمنا بهذه النظرية ووظفناها في العلاج النفسي والعصبي، وأصبحت نظرية مهمة في تنمية المهارات التربوية والتعامل مع الطفل، فلماذا لا نقبل بها وجهًا يعلل الضرب في الآية ويسوِّغه، ومن ثم نقرأ النص القرآني بهذا المعنى الصريح بعيدا عن إلباسه أي معاني أُخَرَ؟

تقسيم العقوبات على هذا الوجه في ضوء هذا التصنيف أمر مقصود يرجع إلى مراعاة طرائق تلقي المرأة للأشياء بحسب الأنظمة العصبية: نظام سمعي ونظام بصري ونظام حسي، وهو في الآية على الشكل التالي:

أولا: الوعظ الكلام مؤثر صوتي

ثانيا: الهجر مشهد/سلوك بصري مؤثر بصري

ثالثا: الضرب اللمس مؤثر حسي

وهذا ترتيب وتقسيم حكيم، فالمرأة بشكل عام سريعة التأثر، فقد تتأثر بكلمة «نصيحة» فتنقلب إلى إنسان آخر تماما، وقد تتأثر نفسيا بــ «سلوك» كالهجر فتعود عما كانت عليه، وقد لا تتأثر بهما معا وتتأثر بــ «الأثر المادي» وهو الضرب الخفيف، فهذه الخطوات الثلاثة أو هذه الأنظمة التمثيلية جاءت على ترتيب مقصود: الوعظ والهجر والضرب، وهي خطوات يغني أدناها عن أقصاها إذا حدثت الاستجابة.

ومعلوم أن الناس يتفاوتون في سرعة الاستجابة وفي طرق تلقي الأشياء من العالم الخارجي، «لكل واحد منا نُمَيطات مفضلة يكون تأثيرها في استجابته أكثر من غيرها ندعوها النميطات الحرجة، وغالبا ما يؤدي النميط الحرج إلى تغيير النمط بكامله، فيكون في هذه الحالة مفتاحا لتغيير الحالة الذهنية تغييرا كاملا، وبالتالي تغيير السلوك أو المشاعر»[29]، والمحدِّد لهذه الأفضلية هو نمط الاستجابة عقب أي مؤثر من المؤثرات.

إن مراعاة الأنماط أو الأنظمة التمثيلية عند الناس يساعد بشكل كبير على خلق قنوات تواصل أسرع تؤدي إلى التفاهم والانسجام وتحاشي أي خصومات وخلافات، والعلاقة الزوجية تقوم على أساس الود والوئام والانسجام، ومتى انعدم ذلك أوجد الشرع حلولا حتى لا ينقطع حبل هذا الميثاق الغليظ، وقد تدرَّج في الأحكام المتعلقة بالمرأة لكونها العنصر الضعيف والرقيق في الأسرة، مراعيا السمات الشخصية والنفسية والسلوكية عند النساء بشكل عام، ولم يكن الضرب غير المبرح إلا استثناء خاصا بنوع خاص من النساء في حالة خاصة، وأما في السياق العام ففي القرآن والسنة تأكيد جليٌّ على احترام المرأة وصيانة حقوقها.

والقرآن لم يتحدث عن هذا النوع من النساء إلا لوجودهن، ولا يخلو مجتمع منهن، لكن الغريب أن يرفض قومٌ تفسير الضرب في معالجة النشوز بمعناه المعهود وبشروطه بينما يقبلون أشدَّ منه بمرات ومرات بلا مسوِّغ في حالات الساديين والمازوخيين! «أليس من الغريب في الواقع المعيش أن ترى المرأة التي ترفض قوامة الزوج عليها وترفض طاعته في المعروف هي التي نراها تتفانى في طاعة رئيسها في الإدارة والمكتب والمعمل ولا تناقشه في شيء طلبه منها أو أمر به، وإن الذين يتظاهرون بالدفاع عن حريتها هم من يفرضون عليها طاعتهم وتنفيذ أوامرهم ولا يتساهلون معها في ذلك، ثم لا ترى المرأة ولا هؤلاء أن في ذلك مسًّا بكرامة المرأة ولا انتهاكا لحرمتها وتقييدا لحريتها»[30].

إن القوامة تكريم للمرأة وتكليف للرجل يعقبه تشريف، وأحكام القرآن الكريم لم يقررها رجل ولا امرأة حتى ينحاز طرف إلى نفسه على حساب الآخر، بل هي أحكام خبير حكيم خلق الناس سواء في التكليف والجزاء، ثم إن آية القوامة وحكم المرأة الناشز لا يخالف النصوص القرآنية التي جاءت تحث على حسن المعاشرة {وعاشروهن بالمعروف} [النساء:19] فالقرآن الكريم دستور لحقوق الرجل والمرأة وواجباتهما، والسُّنة مدرسة شارحة له مبينة لما غمض وأشكل فيه، والذي ينكر المعنى الصريح للضرب في الآية ينكر ضمنا كل الأحاديث النبوية التي جاءت في هذا المعنى، والذي يجب أن يفهم هو أن القرآن الكريم جاء بالضرب لأنه وسيلة من وسائل التربية والتأديب في حالات مخصوصة، فلا يمكن تأويل الآية وتحريفها لأن مجتمعا ما جرَّم الضرب ومنعه، بل إن ما يجب على كل مسلم ومسلمة أمام الأحكام الشرعية الصريحة الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية السمع والطاعة ولو خالفت رأيه وهواه، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36].

وقد كان من الجهل بالدين أن يوصف الفقه الإسلامي بالذكوري استنادًا إلى قضايا مثل القوامة والإمامة والولاية والميراث لتعارضها مع مبدأ المساواة، والحق أن القوامة مثلا «لا تتعارض مع مبدأ المساواة لأنها وظيفة لتدبير شؤون الأسرة فقط...، فالإسلام جعل الرجل قوَّاما بتفضيل الفطرة والتكوين، وليس الذكر كالأنثى في الوظائف والتكوين، فكل واحد خلق لوظيفته الخاصة به، فالرجل وظيفته التعب والمشقة والسهر على راحة البيت والأسرة، والمرأة وظيفتها الإنجاب وتربية الأطفال...»[31] والحكمة الإلهية في تقسيم الأحكام والواجبات أكبر وأعظم من أن تعلَّل بـ «الهيمنة الذكورية»، يقول محمد التاويل مؤكدًا على هذه النقطة: «إنها مسؤولية وليست سلطة مطلقة يتحكم الأزواج بمقتضاها في زوجاتهم كما يشاؤون، بل هي سلطة مقيدة بضوابط شرعية صارمة، تفرض على الزوج الوقوف عندها وعدم تجاوزها، وإلا تعرض للتأديب في الدنيا والعقاب في الآخرة».[32]

ولا بد من القول بأن هذا الموضوع ليس دراسة فقهية ولا فتوى، فللفقه أهله ورجاله، إنما جاء اجتهادًا من باب الغيرة على النص القرآني، فليس فيه أي دعوة إلى الضرب أو التحريض عليه ولا تحجيم لدور المرأة، فهي أكبر عنصر فاعل وريادي في المجتمع أُمًّا وابنةً وزوجةً ومعلمةً وطبيبة...

[1] - القوامة في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، رشيد كهوس، منشورات جمعية المحافظة على القرآن الكريم، عمان، الأردن، ط:1، 1428هـ 2007م، ص:36

[2] - المرجع السابق، ص:36.

[3] - المرأة بين شريعة الإسلام والحضارة الغربية، وحيد الدين خان، دار الصحوة للنشر، القاهرة، مصر، ط: 1، 1414هـ1994م، ص:11.

[4] - القوامة في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، ص:64.

[5] - المرجع السابق، ص: 116.

[6] - مقالة إلكترونية بعنوان: "أَضْرِبُوا عنهن"، بتاريخ: 27 نوفمبر 2016.

https://fadiswaiti.wordpress.com/2016/11/27/%D8%A3%D8%B6%D8%B1%D8%A8%D9%88%D9%87%D9%86/

مقالة إلكترونية بعنوان: "التفسير الصحيح لمعنى اضربوهن"، بتاريخ: 20 فبراير 2018. http://www.telexpresse.com/permalink/83276.html

[7] - مقاييس اللغة، (ض ر ب).

[8] - لسان العرب، (ض ر ب).

[9] - المصدر السابق.

[10] - مقالة بعنوان: "لا يجوز ضرب الزوجة في الإسلام"، بتاريخ: 19فبراير 2008: http://www.ahl-alquran.com/arabic/show_article.php?main_id=3104

[11] - تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود وآخرون، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط: 1، 1993م، 3/252-253.

[12] - الأحكام القرآنية ثابتة صالحة لكل زمان ومكان، لكن لا تطبق إلا عند وجود ما يستوجب الحكم.

[13] - الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة، محمد شحرور، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق سوريا، ص:622.

[14] - المرجع السابق، 3/250.

[15] - الجامع لأحكام القرآن، تح: عبد الله بن عبد المحسن التركي وآخر، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط:1، 1467هـ 2006م، 6/278. أسباب النزول، السيوطي، مؤسسة الكتب الثقافية للنشر، ط:1، 1422هـ 2002م، ص:75.

[16] - الجامع لأحكام القرآن، 6/281.

[17] - تفسير البحر المحيط، 3/252-253.

[18] - المصدر السابق، 6/287-288.

[19] - صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، ح: 1218، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط:1، 1412هـ 1991م، 2/886.

[20] - الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 6/287

[21]- صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب ما يُكره من ضرب النساء، دار ابن كثير، صيدا-بيروت، ط:1، 1423هـ 2002م، رقم 5204.

[22] - المرأة في الإسلام، الشيخ محمد الغزالي، محمد سيد طنطاوي، أحمد عمر هاشم، مطبوعات أخبار اليوم، 1991م، ص:81.

[23] - القوامة في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، ص:110.

[24] - صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام...، رقم 2327.

[25] - المصدر نفسه، كتاب الجنائز، باب: ما يقال عند زيارة القبور...، ح: 974.

[26] - البرمجة اللغوية العصبية والأثر النفسي للألوان، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط:1، 2006م، ص: 31-32.

[27] - آفاق بلا حدود بحث في هندسة النفس الإنسانية، محمد التكريتي، الملتقى للنشر والتوزيع، سورية، ط:5، 2003، ص:58.

[28] - المرجع السابق، ص:56.

[29] - المرجع نفسه، ص: 66-67.

[30] - لا ذكورية في الفقه، محمد التاويل، مطبعة أنفو-برانت، فاس، المغرب، ط:2010م، ص: 87.

[31] - القوامة في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، ص: 63.

[32] - لا ذكورية في الفقه، ص:81.

الحلقة السابقة هــنا

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...