الصوم وحسن الخلق - حسن الخلق وعلاقته بالصوم

الصوم وحسن الخلق - حسن الخلق وعلاقته بالصوم

التصنيف: ركن الشباب
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩
2618
الصوم وحسن الخلق

إن اشتباك مصالح الناس ، وتعدد مطالبهم في هذه الحياة ، يقتضيهم حسناً في الخلق ، ويسراً في المعاملة ، وإلا ضاقت رقاع هذه الأرض على اتساعها بسكانها ، وأصبح بطن الأرض خيراً لهم من ظهرها ، ولأمر ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : > أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة ، تقوى الله وحسن الخلق< ويقول : > إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق<.
ولما كان لحسن الخلق هذه المكانة السامية في الدين ، وهذه الآثار الخطيرة في تنظيم شؤون العالمين ، كان دستور الرسالة المحمدية ، أن يتمم للأخلاق الكريمة بناءها ، وأن يدعمها بما يصون لها بين الناس بقاءها ، ورسول الله في ذلك يقول : >إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق< .
إذا فطنت إلى هذا أيها الأخ المسلم فافطن إلى أن الشارع الحكيم ، بما شرع للناس من عبادات اختلفت صورها واتحدت غاياتها ، إنما يهدف إلى أن يمهد للناس بهذه العبادات طريق السعادة ويهيء لهم حياة مثالية ، قرارتها حب ووئام ، وحاشيتها أمن وسلام ، حياة ناعمة فاضلة عادلة ، لا ظالم فيها ولا مظلوم ، بعد إذ تقوم المحبة فيها بين الناس مقام القانون.
لهذا كان من أوجب الواجبات عليك لنفسك ، أيها الأخ المسلم ، ولهذه الأسرة الإنسانية التي أنت أحد أفرادها ، أن تأخذ نفسك بألوان شتى من أساليب الترغيب والترهيب ، والتأديب والتهذيب حتى تنزل من الأخلاق الفاضلة منزلة يرضى عنك فيها الله ، ويباركك من أجلها رسول الله ، ويحمدها لك الناس كلهم أجمعون.
لتكن عُدتك في ميدان جهادك تقوى الله ، فبتقوى الله تقوى على مجاهدة نفسك وهواك وشيطانك، واستعن الله على محاربة نوازع الشر فيك ، بما استن لك وللناس من سنن الخير ، ثم تكلف أسباب الخلق الكامل مرة ومرة ، يُصبح لك عادةً مألوفة ، بل طبيعة ثانية ، ولا عجب ، فالعلم بالتعلم ، والحلم بالتحلم ، والسخاء بالتسخي ، وهكذا ، وهكذا...
فإذا غلبتك على طبعك حماقة ، فلا تيأس من كسرها واستئصال شرها ، واحتل لذلك ما وسعتك الحيلة بأحاديث نفسية حكيمة ، تسرُّها إلى نفسك ، مصوِّراً فيها بعض جنايات الحمقى على أنفسهم وعلى الناس ، متشهياً فيها بعض ما تجنية أيدي الصابرين ، من ثمرات الصبر الجميل ، ثم هنئ نفسك عن بعد إذ أصبح الحلمُ لك ديدناً ، والصبر طبعاً ثانياً .
وإذا حالف نفسك عليك شح مُطاع ، فطوِّف بها على بيوت البخلاء ، لترى بعينيها كيف أنهم جدُّ ثقلاء ، على الأهل والأصدقاء ، بَلْه الغرباء والأعداء ، فإذا عرفت نفسُك إلى ذلك ، أن الكريم قريب من الله ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، وأن البخيل بعيدٌ من الله ، بعيد من الناس ، قريب من النار ، سارعت فخاصمت شحها ، وصالحت ربها ، واشترت بالجود عند الله والناس حبها ، وسرعان ما يصبح الجود لدى هذه النفس التي كانت بالأمس أمَّارة بالبخل ، فنَّاً رفيعاً ، يلذ لها إنشاؤه ، وتطربها أطياره وأعوده ، وهكذا ـ ياأيها الأخ المسلم ـ يستطيع الإنسان أن يحتال لإصلاح عيوبه ، عيباً ، عيباً ، حتى يصبح بتوفيق الله وهدى رسوله وكتابه، لا عيب فيه.
وإذا كان خلق الصبر أمضى سلاح ، في ميدان هذا الكفاح ، فإن فريضة الصوم لها في هذا المضمار حظها الأوفى ، بعد إذ حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن الإيمان الصبر ، وأن الصوم نصف الصبر.
فالمؤمن الصائم ، يستمد من صومه صبراً جميلاً ، يعينه على التحلي بالخلق الجميل ، والوصف النبيل ، ويرحم الرحمن شوقي إذ يصف الصوم في شعره المنثور فيقول : الصوم حرمان مشروع، وتأديب بالجوع ، وخشوع لله وخضوع ، لكلِّ فريضة حكمة ، وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة ، يستثير الشفقة ويحض على الصدقة ، يكسر الكبر ، ويعلم الصبر ويسن خلال البر.
أيها الأخ المسلم : إن أدنى ما يمتحن به حسن الخلق ، الصبر على الأذى ، واحتمال الجفاء ، ومن شكا من سوء خلق غيره ، دل ذلك على سوء خلقه ، فإن حسن الخلق احتمال الأذى ، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يوماً يمشي ومعه أنس رضي الله عنه ، فأدركه أعرابي فجذبه جذباً شديداً ، وكان عليه بُرد نجراني غليظ الحاشية ، قال أنس : حتى نظرت إلى عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جذبه ، فقال : يا محمد هب لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه رسول الله وضحك ، ثم أمر بإعطائه.
ولا عجب يأيها القارئ الكريم أن يكون هذا بعض مظاهر الصبر الجميل من هذا الرسول الكريم الجليل صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي اشتد إيذاء قريش إياه ، إذ حصبوه بالحصباء حتى دمي عقباه ، فما وسعه إلا أن يقول : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
وكان بهذا جديراً أن تخلع عليه يد الرحمن هذا الوسام السماوي ، مطوياً في هذا البرد القرآني : [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] {القلم:4} .
فما أجدرنا جماهير المسلمين أن نتخلق بأخلاق الله ، وأن نتأثر في حياتنا خطوات رسول الله ، حتى نبلغ في الحياتين ما نتمناه ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عبد المغني المنشاوي
مجلة لواء الإسلام

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...