الصفقة الخاسرة حزب العمال الكردستاني والأزمة السورية

الصفقة الخاسرة حزب العمال الكردستاني والأزمة السورية

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الجمعة، ٢٢ رمضان ١٤٣٣ هـ - ١٠ آب ٢٠١٢
1377

 

تتنوع الحياة الثقافية في المجتمع الكردي السوري تنوعاً أشبه ما يكون باللوحة الفسيفسائية التي تتآلف أجزاؤها فيما بينها لتشكل كلا متجانسا في لوحة جميلة فنية قيمة أكثر شيء يجمع بين أجزائها هو طيبة هذا الشعب الذي طالما استغلت طيبته و بساطته عبر التاريخ من الأصدقاء قبل الأعداء ....
إلا أن هذه اللوحة الفسيفسائية لا تلبث أن تتفكك أجزاؤها في مجال الحياة السياسية بل تتشتت إلى أجزاء متنافرة متقاتلة متطاحنة لا يقبل بعضها بعضا ليصل إلى حد القتال و الحرب .
ولعل أكثر ما يُظهر هذا التشتت و التنافر في الآراء وعدم قبول الآخر هو كثرة الأحزاب السياسية الكردية المتنوعة
فمن أحزاب علمانية إلى شيوعية ومن قومية بحتة عنصرية إلى أخرى تدعو إلى التآخي و الاعتدال
و أضعفها و أقلها و أندرها الأحزاب الإسلامية .....وهكذا الحال صورة معقدة يحاول كل حزب  أن يشد البساط إلى طرفه و يؤكد تمثيله الوحيد للشعب الكردي مع أن ما يجمع هذه الأحزاب جميعها  هو الوطن القومي المنشود دولة  كردستان .
ولعل أكثر الأحزاب التي تحتل الساحة السياسية من الناحية الشعبية هي ثلاثة أحزاب أساسية :
حزب العمال الكردستاني   - حزب الاتحاد الديمقراطي – الحزب الديمقراطي الكردستاني
ويتمركز ثقل حزب العمال الكردستاني بالدرجة الأولى في تركيا ويدعى هناك ( pkk) ويمثله في سوريا حزب الوحدة الديمقراطي المعروف بـ ( pyd) وهو واجهة للحزب داخل سوريا وله ثقله في منطقة عفرين الحدودية مع تركيا وكذلك في منطقة عين العرب ( كوباني ).
أما حزبا الاتحاد و الحزب الديمقراطي فالثقل الأساسي لهما في العراق و يمثلهما في سوريا منطقة القامشلي و الريف الكردي في الحسكة بشكل عام لقربه من المناطق الكردية في شمال العراق .
وتقوم معظم الأحزاب الكردية على فكرة القائد الأوحد تماما كما هو الحال مع حزب البعث العربي الاشتراكي مع اختلاف نسبي إذ لا يمكن لأحد أن يصل إلى مرتبة حزب البعث لأن هذه القيادات الكردية على الرغم أنها تستأثر بالسلطة إلا أنها تعمل بدرجة كبيرة لخدمة شعوبها و لها إيجابيات محددة .
وسنركز الحديث هذه المرة على حزب العمال الكردستاني لدوره السلبي إلى اليوم في الثورة السورية .
ولا بد لنا من مقدمة بسيطة نفهم من خلالها طبيعة هذا الحزب :
يتمثل حزب العمال الكردستاني بأفكار القائد الأوحد عبد الله أوجلان و نظرياته و أقواله و أفعاله و الامتثال لأوامره حتى مع وجوده داخل السجون التركية .
هذا القائد الذي يعتبر رمزا لا يجرؤ أحد من أنصاره على توجيه انتقاد واحد لأفكاره
ويتصف حزب العمال الكردستاني بضعف في الكوادر العلمية فهم مجموعة من الناس البسطاء ( العمال – الفلاحين – بعض المتعلمين ) يخضع معظم هؤلاء إلى دورات إعداد حزبية من اجل الدعوة إلى أفكار الحزب بين الناس و فئات المجتمع الكردي لذلك يتساوى الإنسان المتعلم وغير المتعلم في هذه الناحية فهم يتحركون ضمن ما تعلموه في هذه الدورات الحزبية التي تكون غالبا في جبال كردستان في تركيا على جبهات القتال .
ولعل هذا الضعف الشديد في الكوادر العلمية يعود إلى تركيز الحزب على الناحية القتالية منذ تأسيسه في جبال كردستان وحتى الآن
ويرتكز الحزب على قاعدة شعبية بين عامة الشعب يؤمّنها له أعضاء الحزب من الرجال و النساء ( خاصة النساء ) الذين يقومون بالنشاط الدعوي السياسي داخل المجتمع الكردي بالإضافة إلى جمع التبرعات التي تشكل القاعدة الأساسية لميزانية الحزب بالإضافة إلى ما يحصل عليه الحزب من مساعدات الدول المعادية لتركيا .
كما يركز أعضاء الحزب في نشر دعوتهم على الجانب العاطفي تماما كما يفعله الشيعة فهم كثيرو الحديث عن الظلم الذي يتعرضون له داخل تركيا وغايتهم في كل ذلك كسب التأييد الشعبي و الحصول على الدعم المادي ويلاحظ من كلامهم النظرة العنصرية تجاه العرب خاصة دون الإيرانيين والترك  و العزف على الوتر القومي المتعصب والعداء الشديد لكل التوجهات الإسلامية والدين الإسلامي مع دعوة للعودة إلى ديانة الأكراد الأصلية الآيزيدية ( المجوسية ).
كما يلاحظ من كلامهم ومبادئهم التركيز على القيم والمثاليات الثورية التي تدعي رفض الظلم و الدعوة إلى التمرد على الظلم والشمولية في الأفكار أي أنهم يدّعون أن أفكار القائد الثورية هي لكل الشعوب وليست للأكراد فقط .
ونتيجة لهذا الضعف العلمي و التركيز المتعصب على شخصية القائد الأوحد أوجلان والطبيعة القتالية لهؤلاء الناس يجد الإنسان من التيارات الأخرى صعوبة في التحاور أو التعامل مع أعضاء و ممثلي هذا الحزب .
إلا أن النظام السوري العدو التاريخي لهذا الحزب استطاع أن يكسب هذه الجماعة إلى صفه من خلال الصفقة القذرة التي عقدها معه .
فقد نظر النظام في أول الأزمة البعثية إلى أعدائه وخصومه فوجد أن هناك عدوا واحدا له شعبية كبيرة داخل الحدود السورية وبيده السلاح وهو قادر على استخدامه ضد النظام فعقد معه الصفقة التي تقوم على مبدأ " عدو عدوي صديقي "
فعدو حزب العمال و عدو النظام الآن هي تركيا فعقدت الصفقة التي تنص على : تسليم حزب العمال الكردستاني المناطق الكردية داخل سوريا بالكامل و انسحاب الأمن و الجيش منها و إلغاء كافة مظاهر الدولة داخل هذه المناطق مقابل عدم مشاركة حزب العمال في الثورة السورية بالإضافة إلى قيامه بأعمال التشبيح ضد الأحزاب و الشباب الكرد المشاركين في الثورة وقد قام حزب العمال بضرب العديد من المظاهرات التي قامت في المناطق الكردية بالسلاح أو الضرب .
وكان آخرها ضربه للجيش الحر عندما قام بمهاجمة فرع الأمن الجنائي و الجيش الشعبي في الأشرفية و نتيجة القصف المروحي للنظام لجأ شباب الجيش الحر إلى مقابر الأرمن المتاخمة لمنطقة الشيخ مقصود الذي يسيطر عليها حزب العمال في حلب فرد عليهم حزب العمال بالرصاص ليبعدهم عن هذه المنطقة و الحوادث كثيرة من هذا النوع في غالبية المناطق الكردية و يمكن أن نذكر المناطق التي يسيطر عليها الآن حزب العمال الكردستاني:
مناطق من القامشلي - منطقة عفرين بالكامل - منطقة عين العرب بالكامل - المناطق الكردية داخل مدينة حلب ( الشيخ مقصود – الأشرفية ) - المناطق الكردية داخل ريف حلب الشرقي وكذلك ريف الباب الكردي
ويقوم حزب العمال الكردستاني بوضع أعلامه على كافة الدوائر الرسمية ( مدارس – بلديات – مستشفيات .....) كما يقوم بطلاء أعمدة الكهرباء بأعلام الحزب اللون ( أحمر – أصفر – أخضر ) وهي عبارة عن إشارة أو شيفرة بينه وبين النظام لتمييز المناطق التي سلمها النظام للحزب كما يقوم بوضع حواجزه المسلحة على مداخل كافة المناطق التي يسيطر عليها وكأنها دولة مستقلة وقد قام بعدة أعمال عنصرية تجاه العرب حيث قام في بعض المناطق بطرد العرب منها بدعوى أنها مناطق كردية
و أخيرا لا بد لنا من القيام بعرض ملاحظة صغيرة نلخص فيها واقع هذا الحزب ليستفيد منها كل الذين يفكرون أو يأملون بالحوار أو التعامل معه :
يشكل بشار الأسد القائد الرمز للدولة في نظر النظام السوري .
ويشكل عبد الله أوجلان القائد الرمز لحزب العمال الكردستاني الذي لا يمكن تغييره أو تبديله بأي شكل من الأشكال .
كما يشكل حزب البعث القائد الأوحد للدولة والمجتمع .
 ويشكل حزب العمال في نظر كل مؤيديه و أعضائه القائد الأفضل و الأنسب لقيادة المجتمع الكردي و ما عداه مجموعة من السذج لا يصلحون لذلك .
يقوم حزب البعث على تصفية معارضيه و عدم القبول بهم جملة وتفصيلا .
و يقوم حزب العمال الكردستاني على نفس المبدأ لكل من يعارض أفكاره أو يتعرض لقائده الرمز بالانتقاد أو السباب وحالات التصفية من هذا النوع كثيرة.
وما المحاكم الميدانية التي بدأنا نراها في الشوارع التي يقوم بها حزب العمال بين الحين والآخر وسجونه التي يسجن فيها الناس إلا دليلا على أن الدكتاتوريات قد تختلف من مكان لآخر إلا أن الأفكار و المبادئ واحدة لا تتغير .
و أخيرا أحذر شعبي الكردي ككل أننا أمام مشروع بشار أسد جديد باسم أوجلان جديد وحزب بعث جديد باسم حزب العمال الكردستاني تعددت المسميات و المضمون واحد .ٍ

أبو عبيدة الغريب

 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...