من الأمراض التي أصابت كثيرا من الناس اليوم، إن لم نقل كل الناس، مرض التهور والتسرع في المواقف واتخاذ القرارات وردات الفعل، حتى كاد هذا المرض يحول حياة المجتمعات البشرية إلى جحيم.
وهذا المرض الاجتماعي ناجم عن فقد خلق الصبر والتأني والتروي والحٍلم والأناة. وهي أخلاق فاضلة كريمة تحول العلاقات البشرية إلى جنة للقيم الإنسانية الراقية. وعلى أقل تقدير تجعل صاحبها يكسب جولات الصراع مع من فقد هذه الأخلاق.
وفي الحديث: ( التأني من الله، والعجلة من الشيطان). / أخرجه الطبراني في مسند الشاميين عن أبي هريرة رضي الله عنه/.
وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).
وجزاءُ أن يملكَ المؤمنُ نفسَه ويكظمَ غيظه عند الله تعالى عظيم: فقد عدَّه القرآن الكريم من المحسنين الذين يحبهم الله تعالى، فقال: ) والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين(.
وبين النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن جزاءهم الجنة، فقال: (لا تغضب ولك الجنة) / متفق عليه/.
وحتى لو لم يكن مؤمنا يتمتع بالنجاة في الآخرة إلا أنه في الدنيا له الذكر الحسن والثناء الجميل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد قيس عندما جاءه مؤمنا: (إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ ) / أحمد/.
إذن التسرع والتهور وردات الفعل غير الشرعية تحرم صاحبها من مميزات المحسنين الذين يحبهم الله تعالى. هذا على الصعيد الفردي.
أما إذا كان الإنسان حاكما، أو قائدا وزعيما، فحينها للتأني والتروي أهمية أبلغ بكثير، ولا يمكن لزعيم أو حاكم أن يتروى في مواقفه إن لم يكن في نفسه متخلق بهذا الخلق.
يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " التروي في كل أمرٍ خيرٌ، إلا ما كان من أمر الآخرة".
ورضي الله تعالى عن الإمام الشافعي القائل:
اصبر على كيد الحسود ...... فان صبرك قاتله
فالنار تأكل بعضها ............إن لم تجد ما تأكله
والمعارك الفاصلة لا تحسمها الجيوش، ولكن يحسمها الصبر على الحق. قال الله تعالى:
)إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (.
هذا فرعون سيدنا موسى عليه السلام .. لم يكن في الأرض يومها أملك منه للقوة ، ويوم حشد جيشه من كل الأرض لمواجهة سيدنا موسى عليه السلام ومن معه .. ومن معه؟ مجرد مجموعة من الناس أكل الذل كبدها، وأذهب الخوف قلبها، كانت أحرص الناس على حياة، كيفما كانت الحياة، لا تثبت على قرار، تخاف من نسيم يأتي من ناحية فرعون رعبا من جبروته وسطوته، وهم الذين عانوا من قتل أبنائهم واستحياء نسائهم على يديه، يقول لهم نبيهم: ) اسنعينوا بالله واصبروا ( فيقولون )إنا مدركون(، ليست لهم ثقة بنصر الله تعالى، إلا سيدنا موسى عليه السلام ، لذلك قال: ) كلا ، إن معي ربي سيهدين(، معه وحده دون قومه، فحقيقة المعركة كانت بين موسى عليه السلام منفردا وبين فرعون وجنده. وماذا كانت النتيجة؟ لقد أغرق الله تعالى فرعون وجنده، أغرق القوة الطاغية التي ما كان أصحابها يخطر على بالهم أنهم يهزمون فضلا عن أنهم يهلكون عن بكرة أبيهم.
ويوم حصر المؤمنون بني قينقاع انتقاما لعرض مؤمنة ودم مؤمن، ما كانت نتيجة الحصار تخطر على بالهم ولا على بال يهود أنفسهم، حيث قال تعالى: )ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار(.
ففي ستة أيام فقط هي مدة الحصار انهارت منظومة عسكرية مكث اليهود عقودا في بنائها. فلا الصحابة رضوان الله عليهم كان يخطر على بالهم أن تنهار بهذه السرعة لمنعتها وقوتها، ولا يهود كانوا يظنون أن أهل المدينة عندهم القدرة على غلبتهم. وكان أمر الله قدرا مقدورا.
وقد "يَقُولُ الْقَائِلُ: وَمَا مَعْنَى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَتَلَهُ أَعْدَاؤُهُ، وَمَثَّلُوا بِهِ، .. وَمِنْهُمْ مَنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ قَوْمُهُ، فَكَانَ أَحْسَنُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَخْلُصَ مِنْهُمْ حَتَّى فَارَقَهُمْ نَاجِيًا بِنَفْسِهِ، ... فَأَيْنَ النُّصْرَةُ الَّتِي أَخْبَرَنَا أَنَّهُ يَنْصُرُهَا رُسُلَهُ، وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَهَؤُلَاءِ أَنْبِيَاؤُهُ قَدْ نَالَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَمَا نُصُرُوا عَلَى مَنْ نَالَهُمْ بِمَا نَالَهُمْ بِهِ؟
قِيلَ: إِنَّ لِقَوْلِهِ: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وَجْهَيْنِ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ مَعْنَاهُ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إِمَّا بِإِعْلَائِنَاهُمْ عَلَى مَنْ كَذَّبَنَا وَإِظْفَارِنَا بِهِمْ، حَتَّى يَقْهَرُوهُمْ غَلَبَةً، وَيُذِلُّوهُمْ بِالظَّفَرِ ذَلَّةً، كَالَّذِي فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ بِدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، فَأَعْطَاهُمَا مِنَ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ مَا قَهَرَا بِهِ كُلَّ كَافِرٍ، وَكَالَّذِي فَعَلَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِظْهَارِهِ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهِ.
وَإِمَّا بِانْتِقَامِنَا مِمَّنْ حَادَّهُمْ وَشَاقَّهُمْ بِإِهْلَاكِهِمْ وَإِنْجَاءِ الرُّسُلِ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ وَعَادَاهُمْ، كَالَّذِي فَعَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِنُوحٍ وَقَوْمِهِ، مِنْ تَغْرِيقِ قَوْمِهِ وَإِنْجَائِهِ مِنْهُمْ، وَكَالَّذِي فَعَلَ بِمُوسَى وَفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، إِذْ أَهْلَكَهُمْ غَرَقًا، وَنَجَّى مُوسَى وَمَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
أَوْ بِانْتِقَامِنَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ مُكَذِّبِيهِمْ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِنَا مِنْ بَعْدِ مَهْلِكِهِمْ، كَالَّذِي فَعَلْنَا مِنْ نُصْرَتِنَا شَعْيَاءَ بَعْدَ مَهْلِكِهِ، بِتَسْلِيطِنَا عَلَى قَتْلِهِ مَنْ سَلَّطْنَا حَتَّى انْتَصَرْنَا بِهِمْ مِنْ قَتَلَتِهِ، وَكَفِعْلِنَا بِقَتَلَةِ يَحْيَى، مِنْ تَسْلِيطِنَا بُخْتُنَصَّرَ عَلَيْهِمْ حَتَّى انْتَصَرْنَا بِهِ مِنْ قَتْلِهِ لَهُ وَكَانْتِصَارِنَا لِعِيسَى مِنْ مُرِيدِي قَتْلِهِ بِالرُّومِ حَتَّى أَهْلَكْنَاهُمْ بِهِمْ". / الطبري/.
فالأمر يحتاج إلى صبر وتأنٍ، وما أجمل ما قيل في شأن يوسف عليه السلام وإخوته:
أرادوا قتله فلم يمت، ثم أرادوا أن يُمحى أثرُه فارتفع شأنه، ثم بِيْعَ ليكون مملوكا فأصبح ملكا، ثم أرادوا مَحْوَ محبته من قلب أبيه فازدادت.
ويوم كان في السجن، كان الأحسن بشهادة من معه ( إنا نراك مِن المُحسنين) لكن الله أخرجَهم قبله، وظلّ هو - رغم كل مميزاته - بعدهم في السجن بضعَ سنين.
أما الأول فخرج ليُصبح خادماً، والثاني خرج ليُقتل. وانتظر يوسف عليه السلام كثيراً، لكنه .. خرج ليمكن الله تعالى له في الأرض، وخرج ليجمعه الله تعالى بوالديه وعائلته، وليفرح حد الاكتفاء ..
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


