إياك والشياطين الناطقة:
يبرز عند كل خصومةٍ شياطين ناطقة، كأنها محبةٌ للحق عاشقة، وبالخير ناطقة، يقنعون المُحِقَّ ألا يعفو، وإلا كان ذليلًا، ضعيفًا كليلًا، ثم يُزهدونه في الصفح والمغفرة؛ لئلا تتآلف القلوب، وتتحد الكلمة !
وخسئَ أولئكم وربي؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم أن العفو سبيل لمزيد العزة، فاحذر –أُخَيَّ- ممن يظهر لك نصحًا وهو عند العقلاء عدوك، وإياك إياك أن يفتنك عما رغبك الله به من العفو، فَإِنَّ المتكلم بِبَاطِلٍ شيطانٌ نَاطِقٌ، كما أن الساكت عن الحق شيطانٌ أخرس !
وإليك هذا المثال:
جالستُ زوجين مُصلِحًا بينهما، ومع الزوجة خالُها، وعليه هيئة الصلاح والإصلاح، فَبَانَ أن الخلاف يسير، فَذَكَّرتُ الزوجين بالله، وإذا بِخَالِ الزوجة كلما شعر بقرب الصلح راح يعلن تُهمًا ساخرة من الزوج، ويَعُدُّ الزوجة من صحابيات زماننا، بل هي قبلة الخير التي تُشَدُّ الرحال إليها، فكيف تليق بزوجها؟!، فجلست وبعض إخواني مع كليهما منفردين، وتم إقناعهما، وردم الخلاف القائم بينهما، فلما جمعناهما وإذا بخالها يزهدها في إتمام الصلح، ويرغبها في الطلاق، واستفزَّ الزوج، واستنطقه الطلاق، وطلقت الفتاة التي لا يتجاوز عمرها [20] عامًا، وإذا بمن ظنناه مُصلِحًا يفسد نكاحًا قائمًا، فإنهم مفسدون، ولكن لا يشعرون !
ومن الملمات التي تجفف الحلق، وتخلع القلب، أن نجد شيطانًا ناطقًا في صورة {أب}، فإذا خاصم أحدًا بباطل فَجَر، بل يأمر أولاده بخصومة مخالفه، ثم إن رضاه عنهم متوقف على إعلان خصومتهم، وإلا أعلن غضبه عليهم، فيبقى الأبناء في حيرة من أمرهم، أينصروا الحق أم يؤازرون أباهم؟!
وقد سألني أحدهم عن ذلك، فأوصيته بطرائق الحكمة، ثم ذَكَّرتُهُ بما أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث عائشة ل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاس، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاس "(1).
أبي الفاضل.. والدي الكريم:
أَتَقْبَلُ أن ترحل إلى الله وسيئاتٌ جاريةٌ في عنقك؟! هلا أخبرتني عن حالك في قبرك، وأولادك يجنون مرارة خصامك من بعدك ! إن لم تكن لسان خيرٍ فلا تكن داعي شر، إذا لم تكن أبا عبيدة فلا تكن أباه، إذا لم تشبه مصعبًا فلا تشبه أخاه(2) !
الهجر خذلان في الدنيا، ونار في الآخرة:
أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تُفْتَحُ أبْوابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الإثْنَيْنِ ويَوْمَ الخَمْيِسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً، إِلاَّ رَجُلاً كَانَتْ بينهُ وَبَيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ فَيُقَالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ! أَنْظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ! أَنْظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصْطَلِحَا "(3).
وأخرج أبو داود في سننه بسند صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ "(4).
أفاد الحديث الأول أن العمل محجوبٌ عن قبول الله له، إلى أن يصطلح مع أخيه، وأفاد الآخر أنه إن هجر أخاه لأكثر من أيام ثلاثة ثم مات قبل مكالمته دخل النار !
آَهٍ آهٍ يا مسلمون ! آَهٍ آهٍ يا موحدون !
أين الألباب؟! هل ذهبت؟! أين البصائر؟! هل سُلِبَت؟! أما عندكم استعداد لفهم المنقول؛ لعدم خصوبة العقول؟! ما لي أراكم ساكتين في ذهول؟! أين إيمانكم العامر في القلوب؟! أين خشيتكم من علام الغيوب؟! أَوَصَّاكم الله بهذا؟! أم تأمركُم أحلامكم بهذا؟! لِتَحلُو لكم هجرة إخوانكم كما أردتم بعد هذا !
إخوتاه:
إن الهجرَ حرامٌ في قاموس العافين عن الناس؛ ذلك أنهم لا يقبلون أن تُحْجَب أعمالهم عن ربهم، أو يكونوا من أهل جهنم؛ لأجل إنسان لا يرتضونه أخًا حميمًا لهم، فيجدر باللبيب أن يوطن نفسه على لزوم العفو مع الناس كافة، شعاره مع مخالفيه:
تعالوا بنا نطو الحديث الذي جـرى ** ولا سمع الواشي بذاك ولا درى
لقد طال شرح القيل والقـال بيننـا ** وحتى كأنّ العهـد لـم يتغيـرا
تعالوا بنا حتى نعود إلـى الرضـا ** وما طال ذاك الشرح إلا ليقصرا
من اليوم تاريخ المحبة بيننـا عفـا ** الله عن ذاك العتاب الذي جـرى
إنما بغيكم على أنفسكم:
إن استوفى المرء حقه من خصمه كان عادلًا، وإن عفا كان محسنًا، وإن زاد عما له كان باغيًا، والعدل جائز، والإحسان مسنون مستحب، أما البغي فحرامٌ حرام، وقد آوى المراتب الثلاثة قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] !
وحرمة البغي قاطعة، تستوجب العقاب في الدنيا، والعذاب في الآخرة، بل قال ابن مسعود: لو بغى جَبَلٌ على جَبَلٍ؛ لجعل الله الباغي منهما دكًا ! وفي منثور الحكم: من سَلَّ سيف البغي أغمده في رأسه(5) !
وقد أخرج البخاري في تاريخه بسند صحيح من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اثْنَانِ يُعَجِّلْهُمَا اللهُ فِيْ الدُّنْيَا: البَغْيُ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ "(6).
قضى الله أن البغي يصرع أهله ** وأن على الباغي تدور الدوائر
وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
أما واللـه إنَّ الظُّلـم لـؤمٌ ** وما زال المسيء هو الظَّلوم
إلى دياَّن يوم الدّين نمضي ** وعند الله تجتمع الخصـوم
ستعلم في الحساب إذا التقينا ** غداً عند الإلـه من الملوم(7)
قال يزيد بن ميسرة: إن عكفت تدعو على من ظلمك، قال الله لك: إن آخر يدعو عليك بأنك ظلمته، فإن شئت استجبنا لك، وأجبنا عليك، وإن شئت أخرتكما إلى يوم القيامة؛ فَيَسَعكُمَا عفوي !
(1): رواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني كما في صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2250).
(2): الجملتان الأخيرتان لخالد أبو شادي في كتابه: صفقات رابحة ص (65).
وإنما جاء النهي عن مشابهة أبي أبي عبيدة، وكذلك أخ مصعب؛ لكونهما كافرين، نسأل الله تعالى أن يميتنا على التوحيد.
(3): صحيح مسلم، رقم الحديث: (6709)، (8/11)
(4): سنن أبي داود، رقم الحديث: (4914)، ص (737).
(5): الماوردي / أدب الدنيا والدين ص (440).
(6): البخاري / التاريخ الكبير (1/166)، وصححه الألباني كما في صحيح الجامع برقم: (137).
(7): ديوان علي بن أبي طالب ص (159).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


