الشجاعة -2-

الشجاعة -2-

التصنيف: ركن الشباب
الثلاثاء، ٩ محرم ١٤٣٥ هـ - ١٢ تشرين الثاني ٢٠١٣
2372

 نتابع معا ما وفقني به ربي تبارك و تعالى مما كتبت عن الشجاعة في العدد الماضي فأوجه نفسي و أوجهكم متوكلا على الله ..ولذلك كله فالأنبياء هم أشجع الناس لأنهم أعلى الناس إيماناً، و أما نبينا فهو أكمل الخلق، خلقاً، وعلماً، وعملاً، وهو أشجعهم.

 عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ـ وهو من أبطال الأمة وشجعانها ـ قال: (إنا كنا إذا اشتد بنا البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله ، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ، وهو أقربنا إلى العدو) فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ رَاجِعًا وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ: ((لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا)) رواه البخاري ومسلم.

وفي غزوة حنين، حينما انكشف المسلمون، وولى كثير من الصحابة عن رسول الله ، وأحاط به المشركون، إذا به يقف موقف الأسد الهزبر، ينادي بكل ثبات ورباطة جأش: ( انا بن العواتك من قريش أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) ،حتى عاد إليه أصحابه، والتفوا حوله، فتحولت الهزيمة إلى نصر مؤزر.

ومن أعجب ما ذكر في قصص الشجاعة أن شبيب بن يزيد الخارجي كان من أشجع الناس، فقد قاتل الحجاج وهزمه بستين رجلاً، وكان جيش الحجاج ثلاثة آلاف ثم تتبع الحجاج في كل غزوة، كان من شجاعته ينام على البغلة في المعركة وذلك من قوة قلبه.

قيل لعنترة: كيف تغلب الأبطال؟ قال: أبدأ بالجبان فأضربه فأقسمه قسمين، فإذا رأى الشجاعُ الجبانَ مقسوماً فرّ مني، وقيل له: كيف تنتصر على الناس؟ قال: بالصبر.

وبعد:إن الإسلام دين ودولة، وعبادة وقيادة، ومصحف وسيف، واعلم أن الدين بغير قوة نظرية محضة، والدين بغير قوة مجرد فكرة مضيئة قلّ ما يعطيها الناس اهتماماً كالحصن من غير جنود يكون عرضة للنهب والسلب والاحتلال.

عباد الله، لا يظن ظان أن الشجاعة أمر فطري، لا سبيل إلى اكتسابه، بل إن الأخلاق كلها يمكن أن تكتسب، وإلا لما رتب الله عليها ثواباً ولا عقاباً، وقد قال النبي : ((إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه))[1].

 وهاهنا نذكر بعض الأسباب التي تعين على اكتساب الشجاعة وتنميتها:

 أولاً: ترسيخ عقيدة القضاء والقدر، وإدراك أن الإنسان لا يصيبه إلا ما كتب الله له، ((وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف))، ومن علم ما قاله الله جل وعلا: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَـ?باً مُّؤَجَّلاً و قال تعالى : فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ "

ثانياً: التوكل الصادق على الله جل وعلا، وانظر إلى حال هود عليه السلام حينما واجه قومه كلهم، بدعوتهم إلى عباد الله سبحانه وتعالى، ومعرفته أنهم سيكذبوه، إذا به يقول: إِنّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ?للَّهِ رَبّى وَرَبّكُمْ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبّى عَلَى? صِر?طٍ مُّسْتَقِيمٍ [هود:56].

 ثالثاً: الاقتناع بأن معظم مثيرات الجبن والخوف لا تعدو كونها أوهاماً لا حقيقة لها، فمن عرف حقيقة الخلق لم يخش إلا الله، وما تخافه من دون الله إنما هم أولياء الشيطان كما قال تعالى:إِنَّمَا ذ?لِكُمُ ?لشَّيْطَـ?نُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، ومما يتصل بذلك استصغار شأن العدو، وأنه يخاف منك إن أنت أظهرت الشجاعة أمامه، واستبسلت في قتاله، وأظهرت حبك للموت ، قال تعالى: إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ?للَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ [النساء:104].

 رابعاً : الإعداد والتدريب العملي: كأنواع القتال والسلاح والرماية والسبق والرياضة والسباحة، وغيرها وهي جزء أصيل من منهج الإسلام في إعداد الرجال وإخراج الوهن والخوف من قلوبهم، قال حبيبنا الرسول صلى الله عليه و سلم : ( ألا إن القوة في الرمي )

خامسا : القدوة الحسنة والتمثل بالنبي في شجاعته، وقد بعث قدوة للناس في كل شيء، وكان أسرعهم إلى مكامن الخطر وصوت المنذر، وكان الصحابة يحتمون برسول الله إذا حمي الوطيس والتقى الشجعان.

سادسا: قيام الليل وصف الأقدام بين يدي الكبير المتعال في جوف الليل البهيم، فإن شجرة الشجاعة تسقى بدموع السحر، وإذا طال التهجد أينعت ثمرته جهاداً وبطولة . في الليل رهبان وعند جهادهم لعدوهم من أشـجع الشجعـان فيا أيها الإخوة الأبطال: إن مما يقوي القلب، ويشحذ الهمم ويربي في النفس الشجاعة، ما يراه الإنسان من البطولات التي يخطها إخواننا في أراضي الرباط في فلسطين وفي بورما و كشمير فقد امتدت معاركهم لسنوات و هم ثابتون ، و ما نراه من بطولات جيشنا الحر البطل ، تلك البطولات التي أزاحت وستزيح عن الأمة كابوس الرعب من العدو، وتدفعه دفعاً نحو العلياء، و الحرية. 

 نسأل الله أن يتقبل شهداءنا و يكتب لنا النصر المؤزر القريب

المصدر: فقه الثورة ، جريدة أوراق الشام العدد السادس 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...