الشاعر الأخ الكريم الأستاذ سليم زنجير ـ رحمه الله تعالى ـ

الشاعر الأخ الكريم الأستاذ سليم زنجير ـ رحمه الله تعالى ـ

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الأربعاء، ٢٦ رجب ١٤٣٤ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٣
765

 

بقلم محمد فاروق البطل
الأمين العام السابق لرابطة العلماء السوريين
قبل سبع سنوات شرعت في كتابة مذكراتي ثم توقفت لضيق الوقت وكثرة الأعباء، وكان مما ورد في هذه المذكرات؛ حديثي عن الطلاب الذين أحببتهم، فكان في مقدمتهم الأخ الحبيب الشاعر المبدع الأستاذ سليم زنجير رحمه الله تعالى الذي وافاه القدر المحتوم في 25/ من شهر رجب /1434ه الموافق لـ 4/ من شهر حزيران /2013م. ورأيت من المناسب أن أقدمها للقراء الكرام، وفاء للأخ أبي الخير، الذي طالما كنت أعده بإطلاعه عليها، لكن مشيئة الله كانت غالبة، والقدر أسبق، فلم أحقق أمنيتي، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
 
قلت يومها والأخ الكريم أبوالخير على قيد الحياة:
مرَّ بي آلاف الطلبة خلال الأربعين سنة التي أمضيتها في حقل التدريس والتعليم، ولكن الطالب الوحيد الذي لا زلت أذكره، وأذكر الثانوية التي كان يدرُس فيها، والفصل الذي كان يجلس فيه، بل ومكان جلوسه، هو الأخ أبو الخير سليم ـ رحمه الله تعالى ـ.
لقد كان ـ رحمه الله ـ رقيقاً وديعاً، خفيض الصوت، بالغ التهذيب، ذا مشاعر مرهفة، وأحاسيس رقيقة.
أُحِس أن الله خلقه ليكون شاعراً أديباً، درس في الفرع العلمي في المرحلة الثانوية، وحصل على شهادتها، وأراد أن يدرس الهندسة، وقضى في جامعة بغداد أكثر من سنة - على ما أظن - ثم غلبته شاعريته؛ فتفرغ لقريض الشعر، وبخاصة ذلك الذي يداعب مشاعر الطفولة، وينمِّي أحاسيسها، ويبني شخصيتها، ويفتِّح آفاقها، ويرسِّخ قيمها، و يصون فطرتها، ويعزف على موسيقاها، وينشد على براءتها، ويستنطق جمالها، ويحكي صفاءها، ويستثير عواطفها.
 
لقد كان الأخ سليم أبو الخير بحق شاعر الطفولة العذبة البريئة الوديعة الرقيقة، وإنه لميدان برع فيه وتألَّق، وتخصَّص فيه فأبدع، أعطاه جمال نفسه، ورقة مشاعره، ورهف أحاسيسه، ودَفْق عواطفه، وقوة تصويره، وروعة فنه، وعمق إيمانه، ورسوخ يقينه، وشدة اعتزازه بالإسلام والدعوة إليه، فكان فيما كتب وأنشد، شاعراً أديباً، وداعية مربياً، وفناناً مبدعاً، ورسَّاماً مدهشاً...
 
لم يقتصر فنه على قريض الشعر، بل أدخله الشعر عالم اللحن الجميل، والإنشاد المرشد، والعالم الإسلامي كله يذكر فرقة أبي الجود التي كان أبو الخير أحد أهم أركانها ومؤسسيها، فيما وضع من كلمات، وما أطرب من ألحان وإنشاد، وحين أقول العالَم الإسلامي فما أنا بالمبالغ، فقد كانت هذه الفرقة رائدة الإنشاد الأولى في العصر الحديث بألحانها الجديدة، وكلماتها الحديثة، ومعانيها التي تحاكي تطلعات الصحوة الإسلامية، وأهداف الحركة الإسلامية، وقيم الدعوة الإيمانية، بل وتدغدغ عواطف الشباب المؤمن الملتزم، وتستثير أحاسيسه ومشاعره، وتوقظ لديه قِيَم الرجولة والإيمان، والأخوة والإيثار، وتدفع به إلى ميادين العطاء والجهاد، وما يقتضيه ذلك من شجاعة وتضحية وبذل وفداء.
لقد كانت هذه الفرقة النواة لكثير من فرق الإنشاد التي نشأت في مختلف البلاد الإسلامية، وبمختلف اللغات. ومصدر هذا التأكيد أنني طوَّفت ـ منذ ثمانينات القرن الماضي ـ على كثير من بلاد العالم في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا وكندا، فسمعت الشباب المسلم ينشدها، ويطرب لسماعها، بل سمعتُ فرق إنشاد غير عربية تنشدها، وأذكر أنني كنت في مطار كراتشي ـ باكستان ـ وكانت مجموعة من الشباب الماليزي في المطار، فسمعتهم ينشدون أناشيد أبي الجود، وأذكر كذلك أنني كنت في فرنسا وخلال تنقلي بين مدنها ـ براً ـ كانت أشرطة أبي الجود تغذي أرواحنا، وتمتع أسماعنا، وتنشط عزائمنا؛ بل إن معظم المخيَّمات والمؤتمرات الإسلامية الدعوية السورية، والفلسطينية، والأردنية، والأوروبية؛ أضحت فقرة الإنشاد جزءا لا يتجزأ من برامجها، وما أجملها وما أمتعها من كلمات امتزجت فيها الفرنسية والعربية، وألحان غربية وعربية، وهتافات إيمانية، وأصوات عذبة جميلة.
 
وأنا إذ أتحدث في هذا الموضوع ـ تفصيلاً ـ فإنما أهدف إلى أمرين:
الهدف الأول: أن أبيِّن الدور الريادي الذي اطلع به الأخ أبو الخير ـ رحمه الله تعالى ـ في ميدان الإنشاد من خلال فرقة أبي الجود وغيرها، ثم من خلال مؤسسة سنا وقناتها المميزة، التي تعاون فيها مع إخوة كرام، وأعطوا هذه المؤسسة الدعوية الهادفة ما منحهم الله من مواهب وإبداعات، وقدَّموا لها من أوقاتهم وأعصابهم الشيء الكثير، أجزل الله مثوبتهم، وثقَّل بما قدَّموا موازينهم.
 
قد لا أكون مطلِعاً على ميدان كل منهم في مجال خدمة رسالة هذه المؤسسة الإعلامية الدعوية الرائدة (سنا)، ولكني أعلم أن الأخ الشاعر المبدع أبا الخير هو الذي أهدى الطفولة العذبة البريئة كل كلمات الأناشيد الإيمانية الهادفة؛ التي أنتجتها هذه المؤسسة من خلال الأشرطة (الكاسيت) التي بلغت العشرات... وقد وَفَّقَ الله الإخوة لاختيار منشدات صغيرات وأصوات عذبة وألحان جميلة، على أنني لا أعرف الملحِن يقيناً، لكني أظن أن الأخ سليم لم يكن بعيدا عن ذلك، فقد كان شاعرا بكل ما في هذه الكلمة من معنى، قريبا إلى أحاسيس الطفولة ومشاعرها وطبيعتها ورقتها وبراءتها، فأحسن مخاطبتها والتعامل معها.
ثم انتقل - رحمه الله تعالى - إلى مرحلة مبدعة جميلة مع فريق عمله، من خلال تأسيس قناة سنا الفضائية الخاصَّة بالأطفال فأنشد لها، وردد الأطفال كلماته بألحان جميلة، وحركة هادفة، في أحضان الطبيعة الساحرة، والمناظر الخلابة، ويا له من إخراج جميل، وفن رفيع، وجهد كبير، سَاناً بذلك أسلوباً في الدعوة جديداً، وطريقة مبدعة في الجذب والتأثير والتكوين. ومنهجاً فريداً في ترسيخ القِيَم والمُثَل وتكوين الشخصية الإسلامية الملتزمة...
وإنني إذ أثني على الأخ الحبيب سليم رحمه الله فلا أُقِلل أبداً من قَدْر وعطاء وجهد الإخوة المتعاونين معه، والفريق الفني، إلا أن حديثي هنا ينصبُّ بالدرجة الأولى على الذين سعِدت ذات يوم بتدريسهم... وسليم واحد منهم.
 
الهدف الثاني: بعد أن فرضت الإذاعات وأجهزة التلفاز نفسها، وبثَّت الأغاني الفاحشة، والكلمات البذيئة، حين هيمنت العلمانية على بلادنا بشكلها المدني والعسكري، الديمقراطي والديكتاتوري، وبسطت سيطرتها على أجهزة الإعلام المسموع و المرئي والمكتوب، أطلقت للمفسِدين الزمام مطربين وممثلين وكتاباً، فكان الفن الهابط، والمسلسلات الخليعة، والأغاني العاهرة، والكلمات الماجنة، والبرامج التافهة... فلم يعد ثَمةَ لهو بريء ولا فن عريق، ولا برامج هادفة، ولا أغاني راقية، ولا كلمات بانية... كان المخطط هو تدمير الأمة، وقتل قِيَمها، وإفساد أفكارها، وترسيخ الميوعة في أبنائها، ونشر الفجور في ربوعها، وقد قال أحد المستشرقين: «كأس وأغنية تفعلان في بلاد العرب ما لا تفعله آلاف المدافع والطائرات» وهذا الذي حدث بكل أسف، وهو ما تبنَّى تنفيذه الحكام العلمانيون في بلادنا.
ومِن ثَمَّ كان لابد من بديل، وإن كان متواضعاً، فكانت هذه الأناشيد الإسلامية بديلاً عن الأغاني الهابطة، بحيث أضحت البديل لعناصر الصحوة الإسلامية ـ رجالاً ونساءً، شباباً وشيوخاً ـ في السفر وفي الحضر، في البيت وفي السوق، بل كانت هذه الأناشيد هي الحافز والمحرك والمنشط لحركة الجهاد، ومن أجل ذلك حوصرت هذه الأشرطة ومُنِعت، وأضحت قرينة على الاتهام لدى الطواغيت وعناصر المخابرات، بل لقد سمعتُ أحد الحكام بنفسي يهاجمها عبر التلفاز ويبرر مصادرتها ومنعها. ومن ثمَّ فقد أصبحت ممنوعة كالمخدرات، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وبالتالي فقد أُغلقت محلات بيعها، أو أُخذ على أصحابها التعهد: أن لا تبيع كذا، ولا تبيع كذا. ووالله لم تكن أكثر من أناشيد إيمانية حماسية، لكن كما قال الله سبحانه في شأن الطواغيت:[ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ] {المنافقون:4}. وهكذا تخوّفوا من الشريط والكاسيت، بل خافوا من الكلمة الجميلة، والمعنى الصحيح، والشعر المعبِّر، واللحن المثير.
وأذكر أن الأخ سليم دعاني ذات يوم إلى حضور ليلة إنشاد في حلب، مع مجموعة من أساتذة كلية الهندسة أواخر السبعينات من القرن الماضي، حضرها عالم فاضل، وطُلب إليَّ وإليه أن نلقي كلمة، فتحدثتُ بما فتح الله عليَّ. وأذكر أنني قلت فيها: هذه الأناشيد سيكون لها دور فعَّال ومؤثر في حركة الصحوة الإسلامية وبناء الشخصية الإسلامية وحياة الأمة... وقد كان ما توقَّعت ـ بحمد الله ـ فقد أعطت هذه الأناشيد للحركة الإسلامية حرارة وحيوية ونشاطاً واتساعاً... كما أفسحت المجال للمواهب والقدرات الفنية الكامنة أن تبدع وتتألَّق. وهكذا أضحى للنشيد الإسلامي حضوره في كل مكان، وفرقه في كل دولة، وتنوعه في كل بلد وألحانه وأنغامه من كل طرب، بل وأضحى له مؤتمرات ومنافسات.
وأخيراً فإن أنس لا أنسى الأخ سليم ذلك الكاتب والمخرج والممثل المسرحي في مدينة حلب أيام الستينات والسبعينات من القرن الماضي. قد يكون الإنتاج يومئذ بدائياً، لكنه كان معبراً، ويشكِّل بديلاً في المناسبات والأعراس، وثارت يومئذ أسئلة: هل يجوز عرض المسرحية في المسجد؟ وأظن أن الإجابة كانت سلباً، ولذلك اقتصر عرض المسرحيات في البيوت الضيقة، حيث لم يمكن الاستعانة بمسارح الدولة البعثية، وأعتقد أن الأخ سليم لو أتيح له أن يتابع فنه المسرحي: كتابة نص، أو تمثيلاً أو إخراجاً، لأضاف فناً إبداعياً في عطائه، ولقدَّم موهبة أخرى من مواهبه المتنوعة، لكن الظلم الذي طغى وبغى، والاستبداد الذي فجر وتعالى، والسجن والتعذيب الذي لا يوصف مما نزل بالأخ سليم قد حرم الأمة إبداعاته المتنوعة والمتعددة.
 
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
جدة في 26/7/1434ه

5/6/2013 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...