لذوي الألباب سياسة مع الخلق تجردهم من فرائض النفس المحببة لانتزاع الأحقية في رد الأذى بالأذى و رد الظلم بمظالم أكثر منه..و رد الكرامة إلى مكانها المعتاد بضوابط النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف و اللاتسامح عند الخطأ.
يبدو أن الأمر ليس واضحا وضوح الشمس في عز لمعانها، لكن في سياسة ذوي الألباب منهج آخر و فكر مغاير تماما لفكر قابيل و هابيل في لحظة منافسة عن تقبل قربان أحدهما عن كلاهما.فكانت الخطيئة و كانت الحيرة في مواراة آثار الخطيئة ،تفسير عن عجز العقل البدائي بداية اختلاق الادمية على وجه الأرض في مواراة أثر الخطيئة.
في فكر سياسة ذوي الألباب أرجوحة تتمايل بين أن يقتص اللبيب حقه بقصاص حجم الألم الذي يتعرض له أو يفرض نفسه داخل مجموعته التي يتفاعل معها بشكل مستمر و لكن برادع أن لا يقترب أحد من احد في افتعال المظالم.
طيب ،يبدو أن عقلي و عقلكم بدأ يستوعب أبجديات هذه السياسة المميزة..أكثر توضيح ، بين مبدأ السن بالسن احتواء لصراع الحلبة بأكمله ، و بين العين و العين احتكار لمجال سوء الظن برغبة النظرات في التفاهم على أن الكل سواء كأسنان المشط، لكن فكرة البادئ أظلم فصلت في كل الأقوال و جعلت من البادئ هو الأظلم و الأسبق في اختلاق الظلم.
بصراحة انتابني شك و ظن كبيرين فيما إذا كانت الضغوطات سببا مباشرا في سن الظلم، أم أن المظالم على اختلاف أنواعها ليس لديها الشاهد ليشهد معها و ليس ضدها...ثم مخافة الظلم من انتصار الحق أضحت من المسلمات المعترف بها عن قناعة منذ وجود البشرية قاطبة على وجه الأرض، و لنضرب أمثلة عن ذلك.
في قضية أصحاب الكهف ، كانت لرفقة الكلب للفتية محل شك في تعدادهم ،فمنهم من يقول كانوا خمسة و سادسهم كلبهم و منهم من يقول كانوا سبعة و ثامنهم كلبهم ..لكن ما كان يهم أن للفتية شاهد على وضعيتهم داخل الكهف و هو كلبهم لما كان باسطا ذراعيه بالوصيد ..فهذا الوصف هو شهادة صريحة على الانبساط و النوم.
فهذه الرفقة و لو أنها لم تكن بشرية ،إلا أن فيها شهادة على فرار الفتية من ملكهم و ظلمه لهم.
و مثال آخر عن نسيج العنكبوت و ركون الحمامة على عشها في سكينة، شاهد آخر على أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يدخل إلى الغار و إلا لتمزق النسيج و لفارقت الحمامة عشها تاركة بيضها..هذا تخمين أهل قريش ..فهذه الشهادة لم تكن كاذبة بل كانت مضللة لقريش بإيعاز من الله عز وجل حتى لا ينكشف أمر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم و أبا بكر الصديق.
من هنا استنتاج أن للحق شاهد طالما كان مبنيا على فكرة الولاء لله عز وجل..و لنضرب مثالا آخر من سيرة الأنبياء عليهم السلام حتى تكون شهادتهم شهادة لمن لا شاهد له.
فقد كان دم الذئب على قميص يوسف مغايرا للدم البشري ،لأنه دم كذب أهدر في لحظة تمويه لسيدنا يعقوب من أن يوسف أكله الذئب،ثم في نفس السياق دائما ،قميص سيدنا يوسف عليه السلام قد من دبر فكان من الصادقين و كانت امرأة العزيز من الكاذبين..من هذه المشاهد الواقعية ، يتبين أن الشاهد ليس بالحتمية دائما أن يكون بشرا،لأنه من عمق المظالم يولد الشاهد لوحده و ليس لأحد من البشر أن يضبط امتداده أو تطاوله على الحق و لا حتى مجرد قياس يقاس على مقاس الحق ليفي بغرض التضليل.
لذلك كانت سياسة ذوي الألباب تتحرى بنفسها مسرح الظلم ،إذ لا شان للقانون و لا للفقه مساعدة في ذلك لأن هذه السياسة مجبولة على الحكمة و البصيرة الثاقبة ، يفكر صاحبها و يحلل بإشعاع متوقد في عقل لبيب يجعل في رحلة التفكير حرية بالدرجة الأولى ثم نقدا صحيحا على ترجمان اللسان، و لما لا حاكما في نهاية مطاف اللبابة.. طبعا الحكم بالحق و ليس حكم السلطة.
يبقى أني فضلت تسمية منطق ذوي الألباب و إقرانه بالسياسة ،لأن من يمارس السياسة بنجاح عليه أن يكون على قدر من الحنكة و الذكاء و الممارسة الجيدة لضوابط تحليل المشاهد و الأحداث.، و أظن أن ذوي الألباب لديهم سياسة البرهان على ما يشاهدونه بأعينهم و ما تفكر فيه عقولهم اليقظة و المتوقدة بشعلة النباهة ووقود الصدق.
لكن بودي أن أتقدم بنصيحة لذوي الألباب حتى و إن كان الله قد حباهم بنعمة العقل المفكر ،أن يحافظوا على نعمة العقل المتوقد في أن في الحياة حجارة كثيرة و متباينة الأحجام ، و على اللبيب أن يجمعها و يصنع منها جسرا ممتدا إلى آخر خلية مفكرة في عقول الناس،ثم عليه أن لا يعتبر نفسه مثل قمة الجبل يرى الناس صغارا ،فكم من جبال هوت بتدحرج حجارها و لو على مر الزمن.
سأسعد جدا بكل لبيب لو شعر يوما أنه شخص في هذا العالم ، في حين هناك من المحبين و الممتنين لجوهرة عقله من يرونه العالم كله..فهلا حافظت أيها اللبيب على شهادة محبيك؟ لتبقى محبة الناس لك شهادة من انك أجدر و اقدر، و حبذا لو تكون هذه الجدارة و القدرة امتداد للرسالة المحمدية ليتخذ الله منا و من أمثالنا شهداء على الناس و يكون الرسول علينا شهيدا.
تنويه:
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين