السنن الربّانية (3-3) مقوِّمات بقاء الحضارة الإسلامية

السنن الربّانية (3-3) مقوِّمات بقاء الحضارة الإسلامية

 

مقوِّمات بقاء الحضارة الإسلامية

الحضارات والأمم كالبشر، تمر بحالات من الضعف والقوة، بل إن بعض الحضارات تموت، وتبقى أثرًا بعد عين، وخبرًا يروى في بطون الكتب، {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [سورة النمل: آية52]، والتداول بين الأمم من سنن الله الكونية {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [سورة آل عمران: آية١٤٠]، ولكلٍ من نشأة الحضارة وانهيارها أو اندثارها سننها وأسبابها.

إن الأمة الإسلامية ليست بدعًا من الأمم في خضوعها لهذه الدورات الحضارية من ضعف ومن ثم نهوض واسترجاع للقوة ثم ضعف تعقبه قوة، ولكن مما امتازت به هذه الأمة عن كثير غيرها أنها لا تموت، وهي باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل فيها بذرة الديمومة والبقاء والإصلاح الذاتي من خلال عوامل كثيرة سأذكر أهمها.. منها:

1- تكفل الله سبحانه بحفظ كتاب هذه الأمة: وهذا دليل على بقائها {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سورة الحجر: آية9]، إن هذا القرآن العظيم هو الذي يحفظ هذه الأمة، ولولاه لضاعت الأمة منذ آماد بعيدة، ولا أدلَّ على ذلك من أن هذه الأمة تتلاشى في آخر الزمان عندما يُرفع كتابُ الله، كما أشار إليه الحديث المروي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يَدْرسُ (1) الإسلامُ كما يَدْرسُ وَشْيُ (2) الثوب حتى لا يُدْرَى ما صيامٌ، ولا صلاةٌ، ولا نسكٌ، ولا صدقة، ولَيُسْرَى على كتاب الله (3) عز وجلّ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آيةٌ، وتبقى طوائف من الناس: الشيخُ الكبيرُ والعجوزُ يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها)، فقال له صِلَةُ: ما تُغْني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاةٌ، ولا صيامٌ، ولا نسكٌ، ولا صدقة، فأعرض عنه حذيفةُ، ثم ردها عليه ثلاثًا، كُلّ ذلك يُعْرِضُ عنه حذيفةُ، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صِلَةُ تُنجيهم من النار ثلاثًا) (4)، فالقرآن يوقظ فينا بواعث النهضة والعمل.

2- من طبيعة هذه الأمة أنها لا تجتمع على ضلالة: بشهادة الصادق المصدوق المؤيد بخبر السماء، إذ قال صلى الله عليه وسلم: (إن أمتي لا تجتمع على ضلالة) (5)، وقال أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه: (عليكم بتقوى الله ولزوم جماعة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى لن يجمع جماعة محمد على ضلالة) (6)، وهذه الميزة باقية في هذه الأمة لبقاء مصدر التشريع الكتاب والسنة، قال ابن عباس رضي الله عنه: (تضمن الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة) ثم تلا هذه الآية: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [سورة طه: آية123] (7). 

3- استمرار طائفة أهل الحق فيها: ستظل طائفة من هذه الأمة على الحق، يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، حتى يأتي أمر الله لا تأخذهم في الله لومة لائم، (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك) (8). 

4- عوامل التجديد باقية في هذه الأمة: وذلك برجال يرسلهم الله على رأس كل قرن ينتشلون الناس مما هم فيه من بعد أو ضياع، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد أمر دينها) (9).

5- حفظُ هذه الأمة من الهلاك: الله سبحانه وتعالى لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا يمحو به دولة الإسلام، ويذهب آثارهم، ويستبيح بيضتهم (10)، {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [سورة النساء: آية141]، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا) (11)، قال الإمام النووي: (أي لا أهلكهم بقحط يعمهم بل إن وقع قحط فيكون في ناحية يسيرة بالنسبة إلى باقي بلاد الإسلام فلله الحمد والشكر على جميع نعمه) (12).

والتاريخ يشهد أن هذه الأمة أصابتها نكسات ونكبات كبرى، منذ نشأتها وإلى اليوم، حتى ظن الظانون بها ظن السوء، وابتلي المؤمنون، وزلزلوا زلزالًا شديدًا، ولكن الأمة استطاعت أن تتغلب على عوامل الضعف من الداخل، وعوامل الغزو من الخارج، وأن تحول الهزائم المرة إلى انتصارات، وتصير إلى قوة بعد ضعف، وتتوحد الأمة بعد أن كانت شتاتًا وأشلاء ممزقة مبعثرة. 

واليوم تجتاز الأمة مرحلة من أسوأ المراحل التي مرت بها، ويمكن أن نطلق عليها مرحلة الغثائية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها) فقال قائل: أو من قلة نحن يومئذ؟ قال: (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينـزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن)، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت) (13)، وهذه كسابقتها ستمر بلا شك، وسيمكن الله لدينه مرة أخرى في الأرض تحقيقًا لوعده {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [سورة الأنبياء: آية105]، والمطلوب منا في هذه الآونة أن نعرف حقيقة هذه الأزمة، ونبحث عن سبل الخروج منها.

إن الواجبات الملقاة على عاتقنا للخروج بالأمة الإسلامية من أزمتها الحالية كثيرة وجليلة، وإن أولها هو الجلوس أمام القرآن الكريم لنقرأه ونعيه كما أراد ربنا ونعمل به، فهو يرمي إلى بناء الإنسان والمجتمع والدولة وإعمار الأرض وبناء الحضارة.. وفيه بيان السنن الربانية، والقوانين الكونية عن قيام الحضارات وازدهارها وسيرها في طريق القوة والنضج، كما يحث المسلمين على التمسك بها لتكون قيادة العالم في أيديهم، ويبين لهم عوامل هلاك الحضارات واندثارها بعد القوة، ويهددهم بسوء العاقبة إن هم تساهلوا أو انحرفوا عن الجادة. 

أنزل الله هذا القرآن الكريم لينشئ أمة راشدة يسلمها قيادة البشرية، لتنأى بنفسها وبالأمم عن التيه والضياع، "لقد جاء النص القرآني - ابتداءً - لينشئ المقررات الصحيحة التي يريد الله أن تقوم عليها تصورات البشر، وأن تقوم عليها حياتهم، وأقل ما يستحقه هذا التفضل من العلي الكبير، وهذه الرعاية من الله ذي الجلال - وهو الغني عن العالمين - أن يتلقوها وقد فرغوا لها قلوبهم وعقولهم من كل غبش دخيل، ليقوم تصورهم الجديد نظيفًا من كل رواسب الجاهليات - قديمها وحديثها على السواء - مستمدًا من تعاليم الله وحده، لا من ظنون البشر، التي لا تغني من الحق شيئًا" (14)، ولعل من نافلة القول أن نذكر أن غياب التدبر القرآني والفقه القرآني هو السبب الكامن خلف الغياب الحضاري لهذه الأمة.

المصدر : العدد الرابع من مجلة مقاربات التي يصدرها المجلس الإسلامي السوري 

الحلقة الثانية هنا

========-

(1) يدرس الإسلام: درس الشيء والرسم دروسًا عفا وهلك، ومن درس الثوب درسًا إذا صار عتيقًا. راجع (لسان العرب) ابن منظور، مادة (درس)، 2/ 375

(2) وشي الثوب: وشي الثوب وشيًا، وشيةً: حسنه، ووشاه: نمنمه، ونقشه، وحسنه. (لسان العرب) ابن منظور، مادة (وشي)، 6/ 447 

(3) وليسرى على كتاب الله: أي يذهب بالليل، قال أبو إسحاق في قوله تعالى: {والليل إذا يسر} قال: سَرَى يَسْري إذا مضى. راجع (لسان العرب) مادة (سري)، 3/ 282-283

(4) رواه ابن ماجه في سننه: الفتن/ باب ذهاب القرآن، ح (4049)، والحاكم في المستدرك: الفتن، ح (8460)، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

(5) رواه ابن ماجه في سننه: الفتن / 8، ح (3950)، 2 / 1303، في الزوائد في إسناده أبو خلف الأعمى، واسمه حازم بن عطاء، وهو ضعيف، وقد جاء الحديث بطرق، قلت: وجاءت أحاديث صحيحة تؤكد هذا المعنى مثل حديث: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك).

(6) رواه الحاكم في المستدرك: الفتن، ح (8545)، 4/ 552، وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

(7) رواه الطبري، (تفسير الطبري): رقم (24400)، 8/ 479

(8) رواه مسلم في صحيحه: الإمارة / 53، ح (1920).

(9) رواه الحاكم في المستدرك: الفتن، 4/ 522. وسكت عنه الذهبي في التلخيص.

(10) الجامع لأحكام القرآن) القرطبي: 5/ 420

(11) رواه مسلم في صحيحه: الفتن/ 5، ح (2889)

(12 (صحيح مسلم بشرح النووي): 18/ 14

(13) رواه أبو داود في سننه: الملاحم / 5، ح (4297)، وفي سنده مجهول وروي عند أحمد من طريق آخر وسنده قوي: 5/ 271.. (جامع الأصول): 10/ 28

 

 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...