السنن الربّانية (1-3) سبيل المعرفة بالسنن الكونية

السنن الربّانية (1-3) سبيل المعرفة بالسنن الكونية

إن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون وَفق سنن، وهذه السنن هي القوانين التي أودعها الله في هذا الكون، وأخضعه لها بما فيه من مخلوقات؛ لتكون تلك السنن حاكمة لكل صغيرة وكبيرة، وتتصف تلك السنن بمجموعة من الصفات التي تعطيها صفة القانون الرياضي الصارم، فهي من جهة لا تتبدل ولا تتحول، ومن جهة أخرى مطردة، تتكرر على الوتيرة نفسها كلما توفرت الشروط، وانتفت الموانع {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [سورة الأحزاب: آية 62].

وهذه السنن والقوانين هي وفق إرادة الله ومشيئته النافذة، ولذلك لا تختل، ولا تتبدل، ولا تحابي أحدًا، {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [سورة القمر: آية 49]، ويعلمنا القرآن الكريم أن للتقدم قوانينه وسننه، وأن التخلف والتأخر ليسا إلا ثمرة لغياب هذه السنن والقوانين، فليس التقدم أماني وأحلامًا للكسالى والقاعدين، حتى لو حسنت منهم النيات، وصحت لديهم المعتقدات النظرية، فحتى الإيمان الديني لا يكتمل إلا إذا جاء العمل ليجسد التصديق، وشواهد القرآن الكريم على هذه الحقيقة تتعدى اقتران الإيمان بالعمل في آياته الكريمة الكثيرة - وهو ملحظ له دلالته الكبرى - وإنما نرى هذه الشواهد في مثل قوله سبحانه وتعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [سورة النساء: آية 123] (1).

إن معرفة هذه السنن جزء من معرفة الدين، وهي معرفة ضرورية، ومن الواجبات الشرعية؛ لأنها تبصرنا بكيفية السلوك الصحيح في الحياة حتى لا نقع في الخطأ (2)، ثم إن اكتشافها وحسن التعامل معها ضروري لعملية الاستخلاف وعمارة الأرض التي كلفنا الله تعالى بها، والعصبة المؤمنة مأمورة باكتشافها وحسن التعامل معها، فهذا ذو القرنين الملك المؤمن يسر الله له أسباب التمكن والملك والسلطان، فسلك الطريق الذي يسره الله له (3) {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [سورة الكهف: آية 84 و85].

سبيل المعرفة بالسنن الكونية

مما ينبغي التنبيه عليه أنه لا يوجد علم فلسفة التاريخ، وإنما هناك محاولات من الفلاسفة والمؤرخين والاجتماعيين لفهم أسباب قيام الحضارات واندثارها، وكلها محاولات لم تصل إلى حد وضع قواعد أو قوانين أو حتى خطوط عريضة واضحة تُعين أو تساعد على تعريفنا بالطريق الصحيح الذي ينبغي على البشر أن يسيروا فيه لبناء مجتمع يُوفّر أسباب السعادة للبشر، واختلاف المؤرخين والفلاسفة في ذلك هو دليل على عدم وضوح الرؤية، ورغم أن توينبي (4) هو أكبر من حاول فلسفة التاريخ في عصرنا، لم يقل قط إنه فيلسوف تاريخ، وأحسن ما قيل فيه إنه شاعر (5). 

والسبب في عدم إدراك هذه السنن يعود بالدرجة الأولى إلى أن العقل البشري لا يمكن أن يستقل بهذه المعرفة ابتداء، فلا بُدَّ من فهم القرآن الكريم أولًا باعتباره الكتاب المقروء الذي أخبرنا خالق الكون عن هذه السنن فيه، {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [سورة ص: آية 29] فهو مصدر لبيانها، وثانيًا: لا بد من إعمال العقل في الكتاب المرئي - الكون - لاستنباط السنن، ولذلك يدعونا القرآن الكريم إلى النظر والتفكر في تضاعيف السماوات والأرض لاستنباط السنن، {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [سورة الحج: آية46]، ويأمرنا بالسير في الأرض والتدبر في الحضارات وتقلبها، والاستفادة من تجربتها، ولو كانت حضارة كافرة حتى لا نقع في أخطائها، {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [سورة آل عمران: آية 137]، {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [سورة الروم: آية9]، فلا بد من العقل المستنير بنور الوحي أن يتبصر في تاريخ الأولين وسيرهم لاستنباط العبر والسنن الربانية (6)، بينما العقل المجرد البعيد عن نور الله تعالى يقع في أخطاء فادحة؛ لأنه يفسر الظواهر تفسيرًا سطحيًّا كما قال الحق عز وجل: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [سورة الروم: آية7].

ومن جهة أخرى فإن الحياة البشرية تجري بمقتضى سنن أجراها الله في خلقه، ثبتها سبحانه وتعالى لتنظيم الحياة البشرية، وكثير منها تكون أطول مدى في تحققها من حياة الفرد القصيرة المحدودة، وخاصة ما يتعلق منها بالجماعات البشرية، ولما كانت السنن الإلهية طويلة المدى في تحققها وجب علينا ألا نستخرج النتائج خلال جيل أو جيلين؛ لأننا سنقع في أخطاء منهجية، لهذا وجهنا الله سبحانه وتعالى إلى تدبر التاريخ، واستخراج العبر منه؛ إذ التاريخ هو المجال الواقعي الذي تحققت فيه السنن الربانية من قبل، {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة العنكبوت: آية٢٠].

فما لايدرك الإنسان تحققه في فرصة عمره المحدود يستطيع أن يراه متحققًا في التاريخ، ونحن مأمورون بتدبر هذه السنن واتباعها، وهي متصلة بالعقيدة كما هي متصلة بالعوالم الإنسانية؛ لأن الله هو الذي أجراها، وهو وحده يستطيع أن يخرقها، ومن هنا تختلف حتمية السنن الربانية عن الحتمية المادية، أو الحتمية التاريخية التي اصطبغها ماركس (7)، أو الحتمية النفسية التي اصطبغها فرويد (8)، أو الحتمية الاجتماعية التي اصطبغها دوركايم (9)، التي تلغي كلها إيجابية الإنسان إزاء الضغوط الواقعة عليه خارج كيانه، أو من داخل كيانه، وتجعله عبدًا ذليلًا للأوضاع المادية، وفرق كبير بين حتمية السنن الربانية - على هذه الصورة - المؤكدة لإنسانية الإنسان، وإيجابياته، والاعتراف بوعيه، وحريته، وإرادته، {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [سورة الشمس: آية 7-10 ]، وبين الحتميات الزائفة التي أتت بها الجاهلية المعاصرة.

المصدر : العدد الرابع من مجلة مقاربات التي يصدرها المجلس الإسلامي السوري 

========-

(1) هل الإسلام هو الحل لماذا وكيف) محمد عمارة: ص 39

(2) راجع (السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية)، عبد الكريم زيدان: ص 16

(3) راجع (تفسير القرآن العظيم) ابن كثير: ص 1170

(4) أرنولد توينبي مؤرخ وفيلسوف إنكليزي معاصر، توفي سنة 1957م. راجع (مدخل إلى تاريخ الحضارة) شحادة الناطور وآخرون: ص 46

(5) راجع (الحضارة دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها) حسين مؤنس: ص 8-9

(6) لتوضيح هذه المسألة أقول إن العلماء الغربيين الذين حاولوا البحث في بدايات الإنسان أمثال (توينبي) نظروا إليه على أنه كان أقرب ما يكون إلى حيوان لا يعلم شيئًا، وهذه النتائج التي توصل إليها تخمينات، وتعارض نصوص الوحي التي تخبرنا أن الإنسان كانت تشمله عناية الله ورحمته منذ أن خلقه، وهذا مبحث جليل والأدلة عليه كثيرة، ومنها لما قتل أحد ابني آدم أخاه علّمه ربه عن طريق الغراب كيف يواري أخاه، {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِين} [ المائدة: 31] وعلى هذا المفهوم أنكر حسين مؤنس على ابن حزم قوله: إن هذه العلوم من ميراث علم النبوة، لاشك أن كثيرًا من العلوم أسس بنيانها الأنبياء ثم أضاف البشر على ذلك من خبراتهم، فنوح  أوحي إليه في كيفية صناعة السفينة، {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود: 37]، والدروع أول من صنعها داود ، {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80]، ولا شك أن الناس بعد ذلك طوروا صناعة الدروع.

(7) كارل ماركس (1818م - 1883 م) مفكر اقتصادي، ولد من عائلة يهودية تسكن ألمانيا، صاحب نظرية المادية التاريخية، وحاول تفسير أحداث التاريخ على أساس العوامل المادية وحدها، راجع (موسوعة الفلسفة) عبد الرحمن بدوي:2 /407-418

(8) فرويد (1856- 1939م) ولد من أسرة يهودية، وهو مؤسس التحليل النفسي، والفكرة الأساسية التي يقوم عليها مذهبه أن الغرض الأساسي من كل فعل يقوم به الإنسان هو تحصيل أكبر لذة، وجعل الألم أقل ما يمكن، ورأى أن السلوك الإنساني يتجه نحو السعادة بمعنى تحصيل أكبر لذة، أو إشباع الحاجات الحسية. راجع (موسوعة الفلسفة) عبد الرحمن بدوي: 2 / 122- 123

(9) دور كايم (1858- 1917م) فيلسوف اجتماعي ولد في فرنسا من أسرة يهودية، وتتلخص فلسفته في أن الواقعة الاجتماعية لا تفسر إلا بواقعة اجتماعية أخرى، وهذا يعني أنه لا يجوز رد الظواهر الاجتماعية إلى وقائع اقتصادية، وإلى أسباب أخرى جزئية. راجع (موسوعة الفلسفة) عبد الرحمن بدوي: 1 / 480- 482

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...