الزنى أم الجهر بالزنى أيهما أعظم؟

الزنى أم الجهر بالزنى أيهما أعظم؟

التصنيف: ركن الشباب
الجمعة، ٢٦ جمادى الآخرة ١٤٤٦ هـ - ٢٧ كانون الأول ٢٠٢٤
53

كان النبيّ محمّدٌ  حريصاً على ألّا تشيع الفاحشة بين المؤمنين. فارتكاب فرد واحدٍ من أفراد المجتمع لهذه الفاحشة، حتّى إن أقيم عليه الحدّ لغرض الاتّعاظ والاعتبار للآخَرين، من شأنه، حين يَعلم الناس بأمره، أن يكسر في نفوسهم الحاجز النفسيّ والأخلاقيّ الذي كان يردعهم عن ارتكاب مثل هذه الخطيئة. وكلّما ازداد عدد المعترفين بارتكابها؛ ازدادت هشاشة هذا الحاجز في عيونهم، وازدادت أعداد المقترفين للجريمة، وبهذا ينتشر المرض في المجتمع أكثر فأكثر. إنّها ثغرةٌ حاول النبيّ أن يسدّها في مناسباتٍ عدّةٍ كما سنتبيّن.


ومن المهمّ، والمفيد جدّاً لأيّ منّا نحن أبناء هذا العصر، أن نستحضر ذلك الإيمان المنيع الذي كان يدفع بكثيرٍ من أولئك الخاطئين للاعتراف بذنبٍ لم يعرفه عنهم أحدٌ إلّا الله، ولكنّهم أبوا إلّا أن يُطهّروا نفوسهم ويقدّموا أنفسهم لعدالة السماء.


ومن المهمّ جدّاً، من جانبٍ آخر، أن نعيد لهؤلاء المذنبين، وقد طهّرتهم العقوبة من ذنوبهم، الاعتبار الذي استردّوه عند الله، وقد ضحّوا بحياتهم وبسمعتهم في الدنيا في سبيل ضمان الفوز بالآخرة.


لقد أعطى النبيّ  لنا ولمن حوله، وعلى مدى الدهر، دروساً عمليّةً في احترام هؤلاء الخطاة، أيّاً كانت خطيئتهم. وإذا لم يكن بدٌّ من إيقاع العقوبة بصاحب الذنب، كما تقتضي شريعة السماء، فإنّ هذا لم يكن يعني تعمّد إهانته أو تقبيحه أو لعنه. وتبعاً لأحكام الشريعة؛ فقد طهّرته العقوبة من ذنوبه كلّها مهما ساءت وعظُمت:


- عن أبي هريرةَ قال: "أُتِيَ النبيُّ  برجلٍ قد شَرِبَ خمراً، قال‏:‏ ‏اضرِبوه‏. قال أبو هريرة:‏ فمِنّا الضاربُ بيدِه، والضاربُ بنعلِه، والضاربُ بثوبِه‏.‏ فلما انصرفَ قال بعضُ القوم‏:‏ أخزاكَ الله. قال‏:‏ ‏لا تقولوا هكذا، لا تُعينوا عليه الشيطان‏"‏. [رواه البخاري]


- عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: "أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ اعْتَرَفَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ  بِالزنى فَقَالَتْ: إِنِّي حُبْلَى‏.‏ فَدَعَا النَّبِيُّ  وَلِيَّهَا فَقَال: أَحْسِنْ إِلَيْهَا – أي عامِلْها بالحُسنى – فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا فَأَخْبِرْنِي‏.‏ فَفَعَلَ. فَأَمَرَ بِهَا، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَجْمِهَا، فَرُجِمَتْ. ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب: يَا رَسُولَ اللَّه، رَجَمْتَهَا ثُمَّ تُصَلِّي عَلَيْهَا‏!‏ فَقَالَ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ شَيْئاً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّه". [رواه التِّرمِذي، وصحّحه الألباني]


- عن أبي هريرةَ قال: "جاء الأسلميُّ – ماعزُ بنُ مالك – نبيَّ الله  فشَهِدَ على نفسِه أنّه أصابَ امرأةً حراماً، – وكرّر شهادتَه – أربعَ مرات، كلُّ ذلك يُعْرِضُ عنه النبيُّ . فأقبَلَ في – المرّة – الخامسة، فقال – له الرسول  –: .. فهل تدري ما الزنى؟.. قال: نَعم، أتَيْتُ منها حَراماً مِثْلَ ما يأتي الرَّجلُ مِن امرأتِه حلالاً. قال : فما تُريدُ بهذا القَول؟ قال: أُريدُ أنْ تُطَهِّرَني! فأمَر به رسولُ اللهِ  أنْ يُرجَم، فرُجِم. فسَمِع – الرسول رجُلينِ مِن أصحابِه يقولُ أحدُهما لصاحبِه: انظُروا إلى هذا الذي سَتَرَ اللهُ عليه فَلَمْ تَدَعْه نَفْسُهُ حتَّى رُجِمَ رَجْمَ الكلبِ. قال: فسكَت رسولُ اللهِ  عنهما، فمرَّ – بعد ذلك – بجِيفةِ حمارٍ شائلٍ برِجْلِه – أي انتفخَتْ جُثّتُه حتّى ارتفعتْ رِجلُه – فقال: أين فلانٌ وفلانٌ؟ فقالا: نحنُ ذا يا رسولَ الله! فقال لهما: كُلَا مِن جيفةِ هذا الحمار. فقالا: يا رسولَ الله، غفَر اللهُ لك، مَن يأكُلُ مِن هذا؟ فقالَ رسولُ اللهِ : ما نِلْتُما مِنْ عِرْضِ هذا الرَّجلِ آنِفاً أشدُّ مِن أكْلِ هذه الجيفة، فَوَالَّذي نَفْسي بيدِه، إنَّه الآنَ في أنهارِ الجنَّةِ". [أخرجه ابن حِبّان في صحيحه]


- عن بُرَيدَةَ بنِ الحُصَيبِ الأسلَميِّ "أنَّ مَاعِزَ بنَ مَالِكٍ الأسْلَمِيَّ أَتَى رَسولَ اللهِ  فَقال: يا رَسولَ الله، إنِّي قدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَزَنَيْتُ، وإنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي! فَرَدَّهُ – أي طَلَبَ منه الانصراف -. فَلَمَّا كانَ مِنَ الغَدِ أَتَاهُ فَقال: يا رَسولَ الله، إنِّي قدْ زَنَيْت! فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ. فأرْسَلَ رَسولُ اللهِ  إلى قَوْمِهِ – أي قومِ الأسلميّ - فَقالَ: أَتَعْلَمُونَ بعَقْلِهِ بَأْساً – أي عيباً أو حُمقاً -؟ تُنْكِرُونَ منه شيئاً؟ فَقالوا: ما نَعْلَمُهُ إلَّا وَفِيَّ العَقْلِ – أي سليمَ العقل والتفكير - مِن صَالِحِينَا فِيما نُرَى! فأتَاهُ الثَّالِثَةَ، فأرْسَلَ إليهِم أَيْضاً فَسَأَلَ عنْه، فأخْبَرُوهُ أنَّهُ لا بَأْسَ به وَلَا بعَقْلِهِ. فَلَمَّا كانَ الرَّابِعَةَ، حَفَرَ له حُفْرَةً، ثُمَّ أَمَرَ به فَرُجِمَ.


قالَ
– أي الراوي -: فَجَاءَتِ الغَامِدِيَّةُ – أي جاءت إليه بعد تلك الحادثةِ امرأةٌ مِن غامِد - فَقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي قدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وإنَّه رَدَّهَا – أي طلب منها النبيُّ  الانصرافَ أيضاً -. فَلَمَّا كانَ الغَدُ، قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، لِمَ تَرُدُّنِي؟ لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كما رَدَدْتَ مَاعِزاً، فَوَاللَّهِ إنِّي لَحُبْلَى! قالَ: إمَّا؛ لا – أي فإنْ كان الأمرُ كذلك فلن أردَّكِ هذه المرّة -، فَاذْهَبِي حتَّى تَلِدِي. فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بالصَّبِيِّ في خِرْقَةٍ، قالَتْ: هذا قدْ وَلَدْتُهُ. قالَ: اذْهَبِي فأرْضِعِيهِ حتَّى تَفْطِمِيه. فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بالصَّبِيِّ في يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقالَتْ: هذا يا نَبِيَّ اللهِ قدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ! فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إلى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بهَا فَحُفِرَ لَهَا إلى صَدْرِهَا – أي وُضِعَتْ في حُفرةٍ تَصِلُ إلى صدرِها -، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا. فيُقْبِلُ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ بحَجَرٍ، فَرَمَى رَأْسَهَا، فَتَنَضَّحَ الدَّمُ – أي وقعَ رَشاشُه - علَى وَجْهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللهِ  سَبَّهُ إيَّاهَا، فَقالَ: مَهْلاً يا خَالِد، فَوَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لو تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ – أي الجابي، وقد اعتاد العربُ أن يَضرِبوا به المثلَ في الفساد – لَغُفِرَ له. ثُمَّ أَمَرَ بهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ". [رواه مسلم]


ورغم كلّ هذه القواعد التسامحيّة، ورغم نظام التوبة الفريد في الإسلام، فمن المؤكّد، كما تشير مناسباتٌ عدّةٌ من السيرة النبوية، وكذلك من سيرة الخلفاء الراشدين، أنّ تشديد الإسلام على خطيئة الجهر بالزنى، جاء أكثر من تشديده على خطيئة الزنى نفسها.


ولو استقرينا النصّين القرآنيّ والنبويّ، لوجدنا أنّ عقوبة الرجم أو الجلد للزاني أو الزانية في الإسلام أقرب إلى أن تكون، حقّاً، عقوبةً على الجهر به، منها إلى أن تكون عقوبةً على واقعة الزنى نفسه.


فمن شأن الجهر بهذه المعصية أو التصريح بارتكابها، حتّى أمام الحاكم طلباً لإقامة العدالة فيها، أن يعوّد الناس على التعايش معها، وأن يَرُوضهم على تقبّلها، وأن يجعلهم يشعرون، شيئاً فشيئاً، أنّها جزءٌ لا يتجزّأ من بنية المجتمع، ومن ثمّ، تغدو أمراً شائعاً، وربّما سائغاً وعاديّاً. من أجل هذا يؤكّد الإسلام على أهمّية "الاستتار" عموماً في المعصية، أيّة معصية، وعدم الإعلان عنها، كما يحذّر من فداحة ارتكاب الإثم سرّاً في الليل، ثمّ التصريح به والإعلان عنه في النهار:


- عن أبي هريرةَ قال‏:‏ سمعتُ رسولَ اللهِ  يقول: "‏كلُّ أمّتي معافًى – أي ناجٍ مِن عذابِ النار – إلّا المُجاهِرين – أي الذين يُعلنون عن ذنوبهم –، وإنّ مِنَ المُجاهَرَةِ أنْ يَعمَلَ الرجلُ بالليلِ عملاً، ثمّ يُصْبِحُ، وقد سَتَرَهُ اللهُ عليه، فيقول‏:‏ يا فلان، عَمِلْتُ البارحةَ كذا وكذا، وقد باتَ يسْتُرُهُ ربُّه، ويُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عنه‏"‏. [متّفق عليه]


وإذا كان على من وقع في الزنى أن يختار بين أن يخفي جريمته، ويستر نفسه، ويتوب عن ذنبه، وبين أن يمشي إلى الحاكم ليعترف أمامه بما اقترف، فيقام عليه الحدّ، فإنّ الخيار الأوّل هو الخيار الأرشد في الإسلام. ولهذا نجد النبيّ ، والخلفاء الراشدين من بَعده، وفي مناسباتٍ عديدةٍ، كثيراً ما يحاولون أن يُثنوا من جاء ليعترف لهم بالزنى وليطلب إقامة الحدّ عليه، وأن يقنعوه بعدم التصريح أمامهم بذلك، فينصحوه بكتمان الأمر، حتّى إن كان في هذا الكتمان تعطيلٌ لحدٍّ من حدود الله، ما دام في هذا التعطيل اتّقاءٌ ودرءٌ لإثمٍ أعظم من الزنى، وهو التسبّب بإشاعة تلك المعصية في المجتمع المسلم، مثلما يحدث اليوم حقّاً في كثيرٍ من مجتمعاتنا غرباً وشرقاً. ولدينا من الحقبة النبويّة العديد من مثل هذه الإجراءات الوقائيّة التي تشهد على ذلك، كما رأينا فيما مضى من وقائع، وفيما يلي من هذه الوقائع:


- عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ قال: "بينما أبو بكرٍ في المسجد؛ جاءَ رجلٌ وهو دَهِشٌ – أي حائر -، فقال أبو بكرٍ لعمر: قمْ إليه فانظرْ في شأنه، فإنّ له شأناً – أي لا بدّ أنّ عنده مشكلة -! فقام إليه عمرُ، فقال – أي سأل عمرُ الرجلَ عن أمرِه فأجاب -: إنّه ضافَه ضَيفٌ – أي نام عنده ضيفٌ – فوقَعَ بابنتِه – أي واقَعَها -. فصَكَّ عمرُ في صدرِه – أي نَحرَه بقبضتِه في صدرِه – وقال: قبَّحَكَ الله، ألا ستَرْتَ على ابنتِك! فأمَر بهما أبو بكرٍ فضُرِبا الحدّ – أي ثمانين جَلدة -، ثمّ زَوّجَ أحدَهما بالآخَر، وأَمَرَ بهما فغُرِّبا عاماً". [رواه البيهقيّ، ولم أجد من خرّجه]


- عن هَزّالِ بنِ يزيدَ الأسلَمِيِّ: "أنّه كان استأجَرَ ماعزَ بنَ مالكٍ، وكانتْ له – أي لهَزّال - جاريةٌ يُقالُ لها فاطِمة، قد أُملِكَتْ – أي أُعطيَتْ الحقّ في أن تُعتِقَ نفسَها -، وكانتْ تَرعى غَنَماً لهم، وأنَّ ماعزاً وَقَعَ عليها – أي واقعَها -، فأخبَرَ – أي ماعزٌ - هَزَّالاً فخَدَعَه – أي لم يحذّره من أنّه سيُرجَم لو أَخبَرَ به النبيَّ - فقال: انطلِقْ إلى النَّبيِّ  فأخبِرْه، عسى أنْ يَنزِلَ فيك قُرآنٌ – أي قد يَنزلُ فيك ما يُعفيك من الرجم -. فأَمَرَ به النَّبيُّ  فرُجِمَ، فلمَّا عَضَّتْه مَسُّ الحِجارةِ؛ انطلَقَ يَسعى – أي هارباً مِن لَسعِ الحجارة -، فاستَقبَلَه رَجُلٌ بلَحْيِ جَزورٍ – أي واجهَه بفكِّ ناقةٍ - أو ساقِ بَعيرٍ، فضَرَبَه به، فصَرَعَه. فقال النَّبيُّ  – أي بَعد أن عَلِمَ بذلك -: وَيلَكَ يا هَزَّالُ، لو كنتَ سَتَرتَه بثَوبِكَ – أي لو سترتَ عليه فِعلَتَه بدلاً من أن تُرسِلَه إليّ - كان خيراً لك. وزادت روايةٌ أخرى لأحمد: فقال - أي النبيّ  أيضاً -: هلَّا تَرَكتُموه، لعلَّه أنْ يَتوبَ فيَتوبَ اللهُ عليه!". [رواه أحمد، وصحّحه شعيب الأرناؤوط لغيره]


- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: "أَنَّ رَجُلاً اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزنى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ  بِسَوْط، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُور، فَقَالَ: فَوْقَ هَذَا.‏ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ – أي ما زال رطباً -، فَقَالَ: دُونَ هَذَا‏.‏ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ – أي قديمٍ كَثُرَ استخدامُه – وَلانَ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  فَجُلِدَ – مائةَ جَلدة –. ثُمَّ قَال: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ، مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئاً فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّه – أي لا يَفْضَحْ نَفْسَه –، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ – أي الحدَّ المقرّرَ في سورة النور [24: 2] –". [رواه مالك وابن عبد البَرّ، حديثٌ مرسل]


- عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت: "أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ – أي مجموعةٌ – مِنْ أَصْحَابِه: ‏بَايِعُونِي عَلَى ألّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُم – أي لا تفتروا الكذبَ على أحدٍ، قولاً أو عَمَلاً، كاتّهامِه زُوراً بالزنى مثلاً –، وَلا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ – أي لا تَرفُضوا عمَلَه –، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ؛ فَهُوَ إِلَى اللَّه، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَه‏‏.‏ فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك". [رواه البخاري]


- عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ: "أنّ رجلاً مِن أسلمَ جاءَ إلى أبي بكرِ الصدّيق، فقالَ له: إنّ الآخَرَ – عن نفسِه – زنَى. فقالَ أبو بكر: هل ذكرتَ هذا لأحدٍ غيري؟ فقال: لا. فقالَ له أبو بكر: فتُبْ إلى الله، فإنّ اللهَ يَقبَلُ التوبةَ عن عبادِه". [رواه مالك في الموطّأ، ولم أجد مَن خرّجه]


لقد أكّد النبيّ ، وفي أكثر من مناسبة، قاعدة "الاستتار" والتوبة، وعفوَ الله عن المستتر التائب، لأنّه تعالى أوسع مغفرةً وكرماً، وقد ستر عليه ذنبه في الدنيا، من أن يعاقبه عليه يوم القيامة، كما رأينا في الحديث الأخير، وكما في أحاديث أخرى:


- عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ قال: قالَ رسولُ اللهِ : "‏مَن أَذنَبَ في الدُّنيا ذَنْباً فعُوقِبَ به فاللهُ أَعدَلُ مِن أنْ يُثَنِّيَ عُقوبَتَه على عبْدِه، ومَن أَذنَبَ ذَنْباً في الدُّنيا فسَتَرَ اللهُ عليه وعَفَا عنه، فاللهُ أَكرَمُ مِن أنْ يَعودَ في شيءٍ قد عَفَا عنه‏"‏.‏ [رواه أحمد، وصحّحه أحمد شاكر]


- عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ قال: قالَ رسولُ اللهِ : "يُدنَى المؤمنُ يومَ القيامةِ مِن ربِّه حتّى يَضَعَ كَنَفَهُ عليه – أي يَستُرُه ويَحجُبُ الآخرين عن رؤيتِه وهو يحاسبُه –، فيقرّرُه بذنوبِه، فيقول: أتَعرِفُ ذنْبَ كذا، أتعرفُ ذنْبَ كذا؟ فيقولُ: ربِّ أعرِف! قال: فإنّي قد سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفِرُها لك اليومَ..". [متّفق عليه]


فإذا ما أصرّ الزناة على الاعتراف بالزنى، وعلى إقامة الحدّ عليهم لتطهيرهم من ذنوبهم، وهو ما وعدتْ به الأحاديث النبويّة العديدة كما رأينا، فإنّ الحدّ ينزل بهم، ولكن من خلال أقصى ما يتوفّر من شروط العدالة، والموضوعيّة، والتحقّق، والاستقصاء، مع الحفاظ على كرامتهم ومكانتهم الإنسانيّة من أن يمسّ بها أحدهم في المستقبل.


وفي بعض التجارب المخبريّة الحديثة، وضع العلماء خمسة قرودٍ في قفصٍ كبير، وعلّقوا في سقفه عنقوداً من الموز، فبدأ بعض القرود بالقفز لاقتطاف الموز. وعَمَد المشرفون على التجربة، كلّما قفز قردٌ واختطف موزةً، إلى رشِّ زملائه بالماء البارد، فأصبح القرود بعد ذلك يقومون، وبشكلٍ جماعيّ، بضرب كلّ قردٍ يحاول أن يقفز لتناول الموز.


ولا شكّ أنّ "المسؤوليّة الجماعيّة" تأتي أوّلاً من حقيقة إذاعة الخير، أو إشاعة الشرّ، بين الناس. وحين يستمرئ الشرّير ارتكاب الخطأ، ويعتاد الناسُ من حوله تداوُلَ سيرة هذا الخطأ وهو يتكرّر بين ظهرانَيهم بين يومٍ وآخر، حتّى مع إنزال العقوبة في حقّ مرتكبيه، فسيغدو لهم، مع الزمن، أمراً عاديّاً، بل ربّما مقبولاً في مراحل متأخّرة. ومن هنا تأتي ضرورة المشاركة الجماعيّة في تصحيحه والمعاقبة عليه، كما أقرّتها الشرائع السماويّة، لمحاولة التخفيف من الآثار الجانبيّة المحتملة على المدى الطويل


أحمد بسام ساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...