الرد على مَن نفى اشتمال صحيح البخاري على جملة (تقتله الفئة الباغية) في حديث أبي سعيد الخدري

الرد على مَن نفى اشتمال صحيح البخاري على جملة (تقتله الفئة الباغية) في حديث أبي سعيد الخدري

التصنيف: مقالات شرعية
الاثنين، ١٧ محرم ١٤٤٦ هـ - ٢٢ تموز ٢٠٢٤
2104

هناك جوانب عدة يمكن من خلالها الرد على من جزم بنفي جملة "تقتله الفئة الباغية" من رواية البخاري في صحيحه لحديث أبي سعيد الخدري، وأن البخاري روى الحديث بدونها جزمًا، بل تجرأ بعضهم وأساء وظلم - فجَزم بأنها مدسوسة في صحيح البخاري: 

1. معظم الذي نفوا هذه الجملة في حديث البخاري كان غرضهم إبطال هذا الحديث بالكُلِّيّة، بغض النظر عن كونه في البخاري أو خارجه، كما هو ظاهِرٌ، وهذا كلامٌ مَردُود، فسيأتي بيان مَن صَحَّحَه مِن العلماء غيرِ البخاري.

2. وقضية مهمة أيضًا غفل عنها من نفى وجود هذه الجملة في حديث البخاري، وهي أن عددًا من نسخ البخاري قد ثبتت فيها هذه الجملة في الحديث، وهذا ما أشار إليه اليونيني الذي توفرت لديه معظم نسخ البخاري، وكذلك أشار إليه ابن تيمية وابن حجر، فقد ذكر ابن حجر أنها ثابتة في نسخة الصغاني التي ذكر أنه قابلها على نسخة الفربري التي بخطه، والفربري هو أحد تلامذة البخاري، وهو ثابت كذلك في رواية كريمة المروزية (وروايتها عن الكشميهني عن الفربري عن البخاري) وابن السكن (وروايته عن الفربري عن البخاري)،  وهذا كافٍ في ثبوتها، ولهذا نجد ابن تيمية حينما جزم بثبوتها في بعض نسخ البخاري نجده في مواضع أخرى يجزم بأن البخاري أخرجها، فقال مرة: رواه البخاري في صحيحه عن خالد الحذاء، وقال مرة أخرى: وفي «الصحيحين» عن عمَّار أنه قال: «تقتله الفئة الباغية». وقال في موضعٍ من منهاج السنة: وظَنّ البيهقي وغيرُه أن البخاري لم يذكر الزيادة.

3. ثم إن معظم الذين نفوا هذه الجملة في صحيح البخاري اقتصروا على ذكر بعض العلماء الذين نفوا هذه الزيادة في صحيح البخاري، وهؤلاء العلماء لم تقع لهم أصلًا إلا روايةٌ واحدةٌ، وهي إما رواية أبي ذَرّ الهروي، وإما رواية الأصيلي، وقد جاء في النسخة اليونينية فوق هذه الجملة الرمز: لا... إلى، وبينهما أُثبِتَ الرمزان: (ه، ص) - إشارة إلى أبي ذر الهروي والأصيلي-  في الموضع الأول من صحيح البخاري، والرمز (ه) فقط - إشارة إلى أبي ذر الهروي - في الموضع الثاني من صحيح البخاري، وهذا يعني سقوط جملة "تقتله الفئة الباغية" في روايتي أبي ذَرّ الهروي والأصيلي فقط في الموضع الأول، وفي رواية أبي ذَرّ الهروي فقط في الموضع الثاني.

ومفهوم ما رُمز له في اليونينية ثبوتُها في سائر الروايات الأخرى لصحيح البخاري، وهي عديدة، كما يدل عليه رموز الروايات المثبت في أوائل أجزاء مطبوع اليونينية، سواء ما توفر لدى اليونيني نفسه من نسخ وروايات البخاري، أو مما وقعت الإشارة إليه في النسخ التي بين يَدَيه، ولولا أنها ثبتت في معظم نسخ وروايات البخاري لما أثبتَها اليونيني في متن البخاري في الموضعين؛ لأن مِن عادته أن ما كان ثبوته في قليل من النسخ والروايات يثبته على هامش نسخته، لا في متن الكتاب.

4. البخاري أسمَعَ صَحِيحَه مراتٍ عديدةً، فما دامت هذه الجملة قد ثبتت في الحديث في بعض نسخ البخاري كما يظهر من إشارة اليونيني، وكما يقول ابن تيمية، وكما يقوله كذلك ابن رجب الحنبلي وابن حجر في شرحيهما البخاري وغيرهما، فهذا يعني أن البخاري أثبتها في بعض إسماعاته، فلا ندري هل استقر الأمرُ عنده على حذفها أم على إثباتها، وما دام حصل هذا الإبهامُ وتلك الجهالة، فالأصل أن المثبِت مُقدَّم على النافي، كما تقرر عند العلماء.

5. ثم إن عددًا من شراح البخاري قد أثبتوا تلك الجملة في الحديث وشرحوها، مثل:

- أبي العباس القرطبي.

- شمس الدين الكرماني.

- بدر الدين العيني.

- أحمد بن إسماعيل الكوراني.

- زكريا الأنصاري.

- القسطَلّاني في الموضع الثاني.

- محمد أنور شاه الكشميري.

وعليه فاقتصار بعض المعاصرين على الشُّرّاح الذين نَفَوا وجود هذه الجملة في حديث البخاري عملٌ غير صالح!!

6. على أن عددًا من العلماء (من غير شراح البخاري) قد نَسبوا هذا الحديث للبخاري متضمِّنًا جملة "تقتله الفئة الباغية"، ومن هؤلاء:

- أبو القاسم ابن عساكر في تاريخ دمشق.

- جمال الدين ابن الجوزي في جامع المسانيد.

- النووي في تهذيب الأسماء واللغات.

- ابن تيمية في مجموع الفتاوي وجامع المسائل.

- أبو الفضل العراقي في المغني عن حمل الأسفار.

- تقي الدين المقريزي في إمتاع الأسماع.

- مجير الدين العليمي في التاريخ المعتبر.

- الملا علي القاري في شرح الشفا.

- محمد بن محمد بن سليمان بن الفاسي بن طاهر السوسي الردواني المغربي المالكي في جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد.

- محمد بن عبد الباقي الزرقاني في المواهب اللدنية.

- الأمير الصنعاني في توضيح الأفكار.

7. هذا، وقد صحح هذا الحديث جماعةٌ من العلماء، منهم:

- أحمد بن حنبل فيما قال يعقوب بن شيبة السدوسي في مسند عمار من "مسنده"، حيث قال: سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ"، فقال أحمد: كما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قتلتهُ الفئة الباغِيَة، وقال: في هذا غَيرُ حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

تنبيه: الذين نفوا هذا الحديث بالجملة من المعاصرين ذكروا عن أحمد بن حنبل روايةً واحدةً ضعف فيها أحمدُ الحديثَ بالجُملةِ، وقد نقلها ابنُ رجب الحنبلي في فتح الباري عن الخَلّال، يقول فيها: سمعت عبد الله بن إبراهيم يقول: سمعت أبي، يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: روي في عمار: "تقتله الفئة الباغية" ثمانية وعشرون حديثًا، ليس فيها حديث صحيح. فتعَقَّب ذلك ابنُ رجب الحنبلي بقوله: وهذا الإسناد غير معروف، وقد روي عن أحمد خلافُ هذا. ثم ذكر رواية يعقوب بن شيبة الحافظ الثبت. وفي هذا ردٌّ على من اقتصر على رواية الخلال التي تضمنت تضعيف الإمام أحمد، للحديث!!!

- وقال صالح بن محمد المعروف بصالح جزرة: سمعت يحيى بن معين وعلي بن المَدِيني يُصحِّحان حديث الحسن، عن أمه، عن أم سلمة: "تقتل عمارًا الفئة الباغية".

- وصححه الترمذي من حديث أبي هريرة.

- وصححه أبو عوانة الإسفراييني، حيث رواه في مستخرجه على صحيح مسلم، عن جماعة من الصحابة.

- وممن صحَّح الحديث كذلك أبو بكر الإسماعيلي، حيث روى حديث أبي سعيد في مستخرجه على صحيح البخاري.

- وصححه أيضًا أبو بكر البرقاني، حيث روى حديث أبي سعيد في مستخرجه على صحيح البخاري أيضًا.

- وصححه ابن حبان عن أم سلمة وأبي سعيد.

- وصححه كذلك الحاكم في مستدركه عن أبي سعيد وعمروبن حزم وعمرو بن العاص.

- وقال ابن عبد البر: تواترت الأخبار بذلك، وهو من أصح الأحاديث.

- وصححه أبو محمد البغوي في شرح السنة وفي مصابيح السنة.

- وقال ابن دحية: لا مطعن في صحته، ولو كان غير صحيح لرده معاوية وأنكره.

- وصححه الضياء المقدسي في بلغة الطالب الحثيث في صحيح عوالي الحديث عن أم سلمة.

- وقال ابن تيمية في منهاج السنة: قد صححه الإِمام أحمد وغيره من الأئمة، وإن كان قد روي عنه أنه ضعفه، فآخِرُ الأمر منه أنه صححه.

- وقال الذهبي في تذهيب تهذيب الكمال: وتواترت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية". وقال في سير أعلام النبلاء: وفي الباب عن عدة من الصحابة، فهو متواتر.

- وصححه ابن كثير في البداية والنهاية عن أم سلمة على شرط الشيخين.

- وقال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: روى حديث «تقتل عمارًا الفئة الباغية» جماعة من الصحابة، منهم قتادة بن النعمان، وأم سلمة عند مسلم، وأبو هريرة عند الترمذي، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي، وعثمان بن عفان وحذيفة وأبو أيوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو اليَسَر وعَمّار نفسه، وكلها عند الطبراني وغيره، وغالب طرقها صحيحة أو حسنة، وفيه عن جماعة آخرين يطول عدُّهم.

- وصححه أيضًا محمد بن إبراهيم المعروف بابن الوزير في إيثار الحق، فقال: صحيح متواتر.

وصححه كذلك غير هؤلاء من الأئمة يطول سردهم، ونكتفي بهذا القدر.

وكتبه أفقر العباد إلى ربه العليِّ

محمد كامل قره بللي

في ماردين، بتاريخ 25/ذو القعدة/1445 هـ

الموافق 2/حزيران/2024 م.

 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
إعداد: د. إبراهيم محمد الحريري الخبير بمعلَمَة القواعد الفقهية (مجمع الفقه الإسلامي بجدة)...
الأخذ بالرخصة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١الأخذ بالرخصة
            كتبه: طه محمد فارس   الرخصة في اللغة: اليس...
(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
  التأصيل الشرعي: إنَّ مقولةَ ( لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) ليست مِن القواعد الفقهية، أو ال...