الرداء الأحمر ضج من الصمت

الرداء الأحمر ضج من الصمت

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
السبت، ٢٣ جمادى الأولى ١٤٣٣ هـ - ١٤ نيسان ٢٠١٢
1613

 

عبد العظيم عرنوس
العلماء ورثة الأنبياء ، ورثوا عنهم العلم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والصبر على الأذى في سبيل البلاغ المبين ، والصدع بالحق مهما كلفهم ذلك من ثمن ، ولو أدى ذلك إلى اعتلائهم عرش الشهادة في سبيل الحق لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى .. فقد قتل كثير من الأنبياء بغير حق ، وضمخوا بدمائهم الطاهرة عرين الدعوة .
فالعلماء ليسوا ورثة علم بارد لا فاعلية له في الأمة والمجتمع والأفراد ؛ وإلا كانوا كما قال الله : مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ..
وعالم بعلمه لم يعملن *** معذب من قبل عباد الوثن
وإن المرء ليحار حقا وهو يرى الأحرار من عامة الشعب يبتكرون أساليب يعبرون فيها عن رفضهم للظلم والقتل وانتهاك الأعراض والحرمات وهدم المساجد وتدمير البيوت فوق رؤوس أصحابها ؛ كما ابتكرت تلك الحرة الأبية حية القلب والضمير صاحبة الرداء الأحمر ( ريم الدالي ) التي وقفت في وسط دمشق أمام أحد معاقل الطاغية وبالتحديد عند مجلس الشعب تحمل لافتة صارخة بالحق ( أوقفوا القتل نريد أن نبني وطنا لكل السوريين ) .. أقول إن المرء ليحار من أصحاب العمائم الذين لا يحركون لسانا ولا ساكنا ، ولا يدفعون ظلما .. إن المرء ليحار وهو لا يرى أصحاب العمائم يقودون المظاهرات السلمية التي تخرج من المساجد تنادي بالحرية السليبة .
حسبوا بأن الدين عزلة راهب *** واستمرؤوا الأوراد والأذكارا
عجبا أراهم يؤمنون ببعضه *** وأرى القلوب ببعضه كفار
والدين كان ولا يزال فرائضا *** ونوافلا لله واستغفارا
والدين ميدان وصمصام وفرسا *** ن تبيد الشر والأشرارا
والدين حكم باسم ربك قائم *** بالعدل لا جورا ولا استهتارا
أليس الأجدر بكم يا سادة يا من تعلمنا منكم أن تكونوا في مقدمة الصفوف تنصرونوتثبتون وتؤيدون .. ألستم أنتم القدوة للناس بعد الأنبياء والمرسلين .. ألستم تدلون الناس إلى طريق الجنة ، فهذه الجنة قد ازينتوتفتحت أبوابها ، وفجاج الجنة ليست مفروشة بالورود والرياحين والسجاد الأحمر ؛ بل بالدماء والدموع والأشلاء والأذى والصبر والتحمل .
ومن كانت العلياء همة نفسه *** فكل الذي يلقاه فيها محبب
يا أصحاب العمائم : هل أتاكم نبأ الفراسة الإيمانية ؟ فإن لم تقع أسماعكم عليها فخبرها عند العالم الصالح أبي بكر بن يزداينار لما سئل عنها فأجاب : نظر الصالح ، بالصلاح الذي فيه نور التقى والإيمان والحقائق والصدق ، بالزهد بالدنيا ، والرغبة في العقبى ، فينكر على أهل المنكر منكرهم .
يا ورثة الأنبياء : ألم يكن النبي صلى الله عليه وسلم دائما في المقدمة في كل المواقف .. ألستم تبتغون حب الله .. قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم
وورثة الأنبياء حقا موقعهم دائما في المقدمة يحرسون أبناء أمتهم من البغاة والطواغيت ولو كانوا في حالة المرض المقعد ، والآلام المبرحة الممضة ، كما هو حال الداعية مصطفى السباعي الذي كان يتحرق لدرء الخطر الداهم على دين الله ، نسمعه يقول :
فإن تكن الأيام أودت بصحتي *** وعاقت خطى عزمي بكل مسدد
فما كنت خوارا ولا كنت يائسا *** ولست بثاو في فراشي ومقعدي
سأمشي إلى الغايات مشي مكافح *** ألوذ بعز الله من كل معتد
وأحمي لواء الحق من أن يدوسه *** طغاة غدوا حربا على كل مرشد
إن العلماء في الأمة هم ضميرها الحي المعبر عن إيمانها ونبضها الدافق المحقق لتطلعاتها وغاياتها وآمالها ، وهم السد المانع من نفوذ الظلم والطغيان ، وهم الذي يتعبون لراحتها ، ويجاهدون لتحريرها ، هذا هو شأنهم ودأبهم .. ولقد حفظت ذاكرة التاريخ نماذج فذة من أولي العزم من العلماء في سوريا ، منهم الشيخ بدر الدين الحسني ، فقد ذكر السيد الحمزاوي أنه لما قامت الثورة على الاحتلال الفرنسي في سورية : كان الشيخ يطوف المدن السورية ، متنقلا من بلدة إلى بلدة ، حاثا على الجهاد وحاضا عليه ، يقابل والثائرين ويغذيهم برأيه ، وينصح لهم بالخطط الحكيمة ، فكان أبا روحيا للثورة والثائرين المجاهدين .
ويتحدث الشيخ علي الطنطاوي عن هذه الرحلة بقوله : وأنا أحب أن أعرض للقراء صفحة مطوية من تاريخ الشيخ بدر الدين هي رحلته في سنة 1924 م مع الشيخ عي الدقر والشيخ هاشم الخطيب ، من دمشق إلى دوما إلى النبك إلى حمص وحماة إلى حلب .. هذه الرحلة التي طافوا بها لبلاد الشام "سورية" كلها ، وكانوا كلما وصلوا قرية أو بلدة خرج أهلها عن بكرة أبيهم لاستقبالهم بالأهازيج  و المواكب، ثم ساروا وراءهم إلى المسجد، فتكلموا فيه ووعَظوا وحمّسوا، وأثاروا العزة الإسلامية في النفوس، وحثّوا على الجهاد لإعلاء كلمة الله، فكانت هذه الرحلة هي العامل الأول والمباشر لقيام الثورة السورية ضد فرنسا، وقد امتدت سنتين منذ عام  1925م،وأذهلتببطولاتهاأهلالأرض.
وكان مما قاله الشيخ علي الدقر في مسجد السنانية في دمشق للمصلين محرضاً على الجهاد :
ياإخواننا : اللص دخل الدار، وهو يطلب منكم ثلاثة أشياء: دينكم ومالكم وعرضكم.
فقال الناس : من هو هذا اللص يا شيخنا؟
فقال : إنه فرنسا !!
وقد خلف من بعد اللص الفرنسي من هو أشرس وأفتك ، فمن لهذا اللص يا ترى؟
إن وراثة الأنبياء ليست هي وراثة العلم المجرد - كما هو المفهوم التقليدي الجامد - بل هي الوراثة الحقيقية الشاملة لسيرتهم العلمية والعملية والحياتية والجهادية والتحريرية والدعوية ، ولعمرو الحق إن هذه هي الوراثة الحقيقية ، وكل ما عداها فإنما هي وراثة زائفة مهما ادّعى المدّعون وتشدق المتشدقون .
يا أصحاب العمائم : ألا تستحون من ربكم ثم من أمتكم ، ألم تعلموا أن الصمت قد ضجر من سكوتكم ؛ حتى اضطررتم الحرائر أن تخترق جدار الصمت كصاحبة الرداء الأحمر .. ألم يأتكم نبأ الدم النازف في وطنكم ؟! ألم تسمعوا صرخات المسجونين المعذبين ؟! ألم تبصروا كيف تدمر المساجد وتهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها ، وكيف تنتهك الحرمات والأعراض ، أو ما طرق سمعكم وبصركم ما يُفعل ببلادكم ، أو ما احترقت قلوبكم على الثكالى والأيامى والأطفال المكلومين .. فإن علمتم وسكتّم فما هو جوابكم عندما توقفون لتُسالوا بين يدي ربكم يوم القيامة ، أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ؟! وإن لم تعلموا شيئاً فأنتم أموات في صورة أحياء ، وما أنت بمسمع من في القبور، وقد سئل حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء؟ قال : هو الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولابقلبه

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...