.jpg)
الرحمة: ابتسامة من نور في ثغر الوجود، وكوكبٌ دريٌّ في تاج الإنسانية، وصفحة بيضاء في تاريخ الجماعات، وهي بشير الخير للنفوس التي عضها الدهر بنابه، وأصابها بأوصابه.
هي كلمة قليلة الحروف، كثيرة المعاني، يمر صداها بالآذان فتهش للصدى، ويخترق اسمها أسجاف الأفئدة، فتحس له طمأنينة دونها طمأنينة الغريب آب إلى وطنه، وتمر بالصدور فتدع فيها انشراحاً يفسح أمامها باب الرجاء. وإن قلبا يحمل بين ثناياه هذه العاطفة لقلب خصه الله بخير المزايا، ومنحه أفضل السجايا.
والرحمة: قد تكون وضَّاحة الجبين باسمة الثغر، إذا كان أثرها إيجابياً ينجب الخير، ويلد البر، ويسدي المعروف، ويهب الصنيعة، وقد تكون عابسة الوجه كسيرة الخاطر مقطبة الأسارير، إذا كانت رضاً بالقضاء عند المصيبة، وصبراً في الشدائد والملمات، وهي في هذا الوقت أعزُّ منالاً، لأنَّها علامة سمو النفس وشجاعتها، وأبلغ أثراً عند العقلاء، لأنها تحمل بيدها الإيمان الذي لا يتزعزع، والعقيدة التي لا تؤثر فيها حوادث الدهر ونكبات الأيام، وفي طيَّات هذا كثير من خصال البر وخلال الإحسان، الإحسان إلى النفس والإبقاء عليها كادحة في هذا الوجود ما دامت تسبح في عجاجه، وما ظلت تلاطم أمواجه، وإحسان إلى الناس لأنها إذ ذاك توحي أن التراحم فضيلة بين الأنام، وأن التَّواد صلة قوية بين أفراد الجماعات، ولو تراحم الناس كما يقول بعض الأدباء، لما كان بينهم جائع، ولا عريان، ولا مغبون، ولا مهضوم، ولأقفرت الجفون من المدامع، واطمأنت الجنوب في المضاجع، ولمحت الرحمة الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام. وإليك مثالاً بارعاً وصورة ناطقة، لتلك الرحمة الأسيفة التي تحمل الصبر، وتسوق بين يديها الجلد.
كان لأبي طلحة رضي الله عنه، وهو من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولد مريض، وكان كلما قدم من عمله سأل أمه عنه، فتصف له حالته، وفي ذات يوم مات الولد وأبو طلحة رضي الله عنه في عمله، فلما قدم سأل عنه كعادته، فقالت له امرأته: إنه لم يكن بحال أحسن من حاله اليوم. ثم قدمت له طعامه وشرابه فطعم، فلما أخذ قسطه من الراحة، قالت له: يا أبا طلحة ألا تعجب لجيراننا: استودع بعض الناس لديهم وديعة فلما جاءوا يطلبونها غضبوا وسخطوا! فقال: بئس ما صنعوا، الوديعة مردودة شاءوا أم أبوا. فقالت له: إن ابنك كان وديعة لدينا، وقد استردها مولى البرايا ومالك الملوك!. فما زاد على أن استرجع. ثم ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فأثنى على امرأته وبشره بأنه سيولد له أولاد كثيرون. وقد حقق الله بشارة الرسول الكريم لأبي طلحة رضي الله عنه، فولد له عشرة أولاد كلهم حفظ القرآن.
ولعل مثل هذا الصبر الحازم، وذلك المنطق الحكيم البارع، هو الذي يعنيه الرسول الكريم حين يقول: (إن لله في أثناء كل محنة منحة).
فالرحمة كما ترى شعار الروح القوي، وخلة النفس الكاملة، وعنوان الإنسانية الفاضلة، تحوطها نجوى الخير، وتسوقها نوايا الإحسان. فلا غرابة إذا أنجيت الحب الصحيح، والود الخالص، وجمال الأحدوثة، وحسن التقدير في هذه الحياة التي لا يظفر امرؤ فيها برضا الجماعة إلا إذا خصَّه الله برحمته، ومنحه كمال نعمته. أما صاحب الرحمة فسيكون في دار الجزاء مع النبيين والصديقين والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
فهي إذا أضيفت إلى الله تعالى كانت منبع السعادة ومصدر الخير والبركة، وهي دائمة باقية عامة شاملة [وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ] {الأعراف:156}.
وقد صور المصطفى صلوات الله وسلامه عليه سعة رحمة الله أبلغ تصوير حيث يقول «جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق جميعهم حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه». وسمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته أعرابيا يدعو فيقول: اللهم ارحمني وارحم محمداً ولا ترحم معنا أحدا!. فقال له الرسول: يا أخا العرب لقد ضيقت واسعاً. ورأى صلى الله عليه وسلم امرأة في السبي تحت ثديها وتسقي كلما سقت صيبا ألصقته ببطنها. فقال لأصحابه: أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ فقالوا لا يا رسول الله. فقال: «إن الله أرحم بعباده من هذه بولدها» فهو سبحانه رحيم بالخلائق عامة حتى العصاة يمهلهم رجاء التوبة. وفي ذلك يقول الله جل وعلا: [وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {الأنعام:54} .
ورحمته سبحانه وتعالى تارة تكون مادية كتسخير السموات والأرض للإنسان والحيوان، وتيسير الرزق للخلائق، كما تشير له الآيات الكريمة: [فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ...] {الرُّوم:50} . [وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] {الرُّوم:46} .
وتارة تكون رحمته معنوية، وهي إذ ذاك أرفع شأناً من الأولى، وأبلغ أثراً في تكوين الإنسانية. ومن مظاهرها إنزال الكتب وإرسال الرسل رحمة بالعباد، لئلا يكون للناس على الله حجَّة بعد الرسل. ويقول القرآن الكريم في محمد صلوات الله وسلامه عليه «[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] {الأنبياء:107}.
ولعل الحكمة في هذا التخصيص والتشريف أنه خاتم الأنبياء، وأن شريعته خالدة مؤبدة تعتمد الفطرة وتساير ما يطيقه الإنسان، وتظهر فيها آيات التخفيف واضحة جلية: «يريد الله [يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ] {البقرة:185}.
وقد صحَّ أنه عليه الصلاة والسلام «ما خير بين أمرين ألا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً».
وإنك لتجد نماذج كثيرة في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم هي عنوان الرحمة والتخفيف على العباد، فقد قضت الشريعة بإسقاط العبادة للأعذار كالحج إذا فقد أمن الطريق، ونقصت من المفروض كقصر الصلاة في السفر، وأقامت التيمم بالتراب مقام الوضوء، وما إلى ذلك من مظاهر التخفيف ودفع الحرج عن الناس. بل إننا لو بحثنا قليلا لوجدنا أن نفس التكاليف محدودة لا إرهاق فيها ولا إعنات، يقول الله سبحانه وتعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ] {المائدة:101} . ويقول الرسول للأقرع بن حابس حين سأله عن الحج أواجب في كل عام: «لو قلت نعم لوجب، ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم».
وبعد، فقد كان من شرائع الإسلام ما جعله الله تعرفاً لما بين جوانح الناس من رحمة وسبراً لغور استعدادهم لخلال البر، كالصوم فإنه ابتلاء الناس في أمانتهم وصدقهم وشجاعتهم، وهو فوق ذلك امتحان لهم في مقدار ما يحلون بين جوانحهم من مظاهر الرحمة والعطف على الضعفاء والمعوزين.
أما التراحم بين الناس، فهو خلق كما قلنا جميل، وعاطفة نبيلة، ومن مظاهره إغاثة الملهوف، وإعانة المنكوب، والرفق بالضعفاء، حتى بالحيوان الأعجم الذي يبكي بغير دموع، ويتوجع ولا يبين، والذي عنى الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر الإحسان إليه والرحمة به، حتى عند ذبحه والانتفاع به كنعمة من نعم الله تعالى، حيث يقول «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحة». وإنَّ الله الذي خلق الناس جميعاً من طينة واحدة، هو الذي خلق فيهم غريزة الرحمة وأسكنها بين جوانحهم، يحسون بها ويطبعون عليها، وتبدو آثارها في صور شتى وأشكال متنوعة. فالرحمة هي التي تجعلك ترحم الأرملة الضعيفة التي نكبها الدهر في عائلها ولم يترك لها غير صبية صغار ودموع غزار، موقناً أن اليد التي تصون الدموع خير من التي تريق الدماء، والتي تشرح الصدور أفضل من التي تقصم الظهور. والرحمة هي التي تجعلك تمسح دموع اليتيم بما يخفف عنه آلام اليتم والعوز. والرحمة هي التي تجعلك تضحي بمالك وجاهك في سبيل تعليم أولاد الفقراء وتنشئنهم تنشئة حسنة، فقد قيل:
كم طوي البؤس نفوسا لورعت منبتا خصبا لكانت جوهرا
والرحمة هي التي تحملك على إنقاذ الغريق مع ما في ذلك من التعرض للخطر الجسيم. والرحمة هي التي تسير بك سراعاً لتساعد الشيخ الفاني، وتعين العاجز المسكين.
وقصارى القول وحماداه: أن الرحمة هي التي تحمل الشخص على التضحيات في النافع المفيد، والإيثار في كل الأمور. فها هي ذي أم رءوم تضحي براحتها وتسهر ليلها بجوار طفلها المريض، تتعهد تطورات المرض، والنفس والهة، والقلب خفاق. وهذه ممرضة تقوم بواجبها تخاصم الكرى، وتحالف السهاد، لتنقذ نفوساً مشفية على التلف، وأرواحاً برحتها الأسقام.
وبعد، فهذه الرحمة على سمو مكانتا لها حدود لا يصح أن يتجاوزها. ولها أفق لا يجوز أن تتعداه. فعقاب المجرم الجاني وإقامة الحد عليه رحمة حقيقة به، ورحمة بأمته أيضاً، وترك الحد والعقوبة جريمة كبرى، لأن الله تعالى يقول:[ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ] {النور:2} . ورسوله الكريم يقول: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».
وإن تَعجب فعجب لأولئك الذين يخطئون خطأ فاحشاً تفسير معنى الرحمة وتفهم مغزاها الحقيقي، ويسيئون تطبيقها على حوادث الأفراد، ويضعونها في مواضع لا ترضاها، لشرف مكانتها وسمو منزلتها، ويزجون باسمها الجميل في مظَّان الشر والفساد، فنراهم ينسبون لفعل من الأفعال صدوره عن الرحمة، والرحمة منه براء.
فأولئك الذين يرون اللص وقد قُبض عليه متلبساً بجريمته مساقاً إلى المحاكمة، وإذا بألسنتهم تصم آذانك منادية بإخلاء سبيله رحمة به وإبقاء على أطفاله الصغار- مخطئون في فهم معني الرحمة. وأي رحمة تلك التي تغرس في الأفراد الشر وتمهد لهم سبيل الفساد! إنها رحمة زائفة، وإنها عاطفة شريرة، يجب أن يقضى عليها رحمةً بالمجتمع واحتفاظاً بسمعة الجماعة، لستود الطمأنينة ويعم الأمان. وأولئك الذين يعطفون على المريض بإعطائه الطعام الذي يضره ويقرب ما بينه وبين الموت، مع علمهم بتحذير الطبيب وإنذاره بسوء العاقبة إن أقدموا على ذلك-لا يسدون إليه عطفاً ورحمة، وإنما يسيرون به قدماً إلى الفناء. وأولئك الذين يغضون عن هفوات الأطفال في نشأتهم، ويتركون حبلهم على غاربهم بدعوى الرحمة والعطف هم مجرمون في حق الأطفال، وفي حق البلد الذي يعيشون بين جوانبه. وللّه در المتنبي حيث يقول:
فقسا ليزدجروا، ومن يك حازما فليقس أحياناً على من يرحم
وعجب أيضا أمر أولئك الذين يقدمون على بعض الأمور التافهة، فيظنون أن ذلك من الرحمة، ولا يدرون ما تلده أفعالهم من صفات الشر وخصال الفساد. فهذا راكب في الترام يريد النزول فيعطي تذكرته لراكب آخر عطفا منه عليه ورحمة به وإبقاء على دراهمه، ولا يشعر أنه جان أثيم حتى على نفسه ففتح لها باب الخيانة، ومهد له طريق المران على الكذب والزور، وحرمه الصدق والأمانة، والكرم والجواد.
ومرد كل هذا الذي سردنا من الحوادث إلى ضعف الوازع الديني، ومرض الضمائر، وطغيان العاطفة على سلطان العقل، وغلبة الميول الفاسدة، والغرائز الجامحة على نوايا الخير، وسوء التقدير في الموازنة بين المقدمات والنتائج.
خطب الحجاج يوما في الناس فأطال حتى كاد يفوت على الناس صلاتهم، فقال رجل: أيها الأمير! إنَّ الوقت لا ينتظرك! فأمر به فحبس، فجاء قومه يستشفعون له وقالوا للحجاج: إنه مجنون ونطلب إخلاء سبيله رحمة به. فقال الحجاج: إن أقر بذلك أطلقت سراحه. فلما عرضوا هذا الموضوع على السجين رفضه بإباء فقال: بئست هذه الرحمة! معاذ الله أن أقول: إن الله ابتلاني مع أنه قد عافاني!. فعظمت مقالته عند الحجاج وخلي سبيله.
هذه كلمة عجلي من الرحمة ومظاهرها، وخطأ الناس في فهمها وتطبيقها، قصدت بها إيقاظ الضمائر وتنبيه ذوي الغفلة، والخير أردت، وما توفيقي إلا بالله، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
المصدر: مجلة الأزهر المجلد العشرون : ربيع الثاني 1368هـ العدد الرابع.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


