17 ـ
الشيخ مجد مكي
8 ـ ومن الآيات الكريمة التي يخوف الله تعالى بها عباده قوله سبحانه: [وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ] {إبراهيم:5}.
وقوله تعالى:[قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] {الجاثية:14}.
ففي الآية الأولى يُذكِّرهم بأيام الله تعالى التي مرَّت عليهم في الدنيا، وتمرُّ عليهم، وهي أيام نعمائه، وأيام بلائه، وأيام منحه، وأيام محنه، وأيام السرَّاء، وأيام الضراء، وأن يقابلوا النَّعماء والسرَّاء والرخاء بالشكر، ويقابلوا البلاء والضراء والشدائد بالصبر ليعظم لهم الأجر، ولذا قال الله تعالى:[ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ] {إبراهيم:5}.
ففي أيام الله العظمى آياتٌ دالات على أن الله عزَّ وجل يُمْهل المجرمين ثم ينتقم منهم، ويأخذهم أخْذَ عزيزٍ مُقتدر، وأنه يجازي أولياءه المؤمنين بالعز والنصر والتمكين في الأرض، ويمدهم بخيرات كثيرات ونعم جليلات، ينتفع من دلالات هذه الآيات الهاديات كلُّ كثير الصبر على طاعة الله، كثير الشكر بالعمل الصالح لأنْعُم الله تعالى عليه.
ومن لم يقابل النِّعم الإلهية والآلاء بالشكر لله تعالى فسوف يلقى الحساب الشديد، ومن لم يتلقَّ الشدائد بالصبر فسوف يلقى ما هو أشد.
وأما الآية الثانية: فقد أمر الله تعالى المؤمنين حين كانوا في مكة المكرمة قبل الهجرة، وكانوا يلقون من المشركين أذىً كثيراً، وظلماً كبيراً، فقد أمر الله تعالى المؤمنين أن لا يقابلوهم، بل أن يعفوا ويصفحوا عنهم، حتى يأتي الله بأمره، فلما هاجروا إلى المدينة نزل في السنة الثانية قوله تعالى:[أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ] {الحج:39}.
فقوله تعالى:[قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ] {الجاثية:14}. أي: لا يتوقَّعون مجيء أيام الله الجزائيَّة ووقائعه بأعدائه، ولا يؤمنون بأيام لقاء الله تعالى، وأيام حسابه وسؤاله، فهم لا يخافونها ولا يحسبون لها حساباً.
فالمراد بأيام الله تعالى في هذه الآية: أيام عقابه الجزائي بأعدائه، ويوم لقائه، ويوم جمعه لهم، ويوم العرض عليه، ويوم حسابه،ويوم سؤاله، ويوم جزائه، و أيام وعده ووعيده، وقد خوَّف الله سبحانه عباده من يوم القيامة، وهو يوم الوعيد، والتغابن، والحساب، والسؤال، والجزاء.
قال الله تعالى:[وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ] {ق:20}.
وقال سبحانه وتعالى:[وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ] {البقرة:281}.
وقال تعالى:[يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ] {التغابن:9}. ويوم التغابن ـ على وزن تَفَاعُل ـ يدلُّ على وقوع الغَبْن بين طرفين غَبَنَ كلٌّ منهما صاحبه، وهو يوم التَّناسي والذهول الذي يحصل بين الناس يوم القيامة من شدَّة الهول. يقال: غَبِن فلان الشيء غَبَناً ـ بفتح الباء ـ أي: نسيه أو أغفله أو جهله. كما قال سبحانه:[يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ] {الحج:2}.
ووصف الله سبحانه هذا اليوم في آيات كثيرة أخرى ، ومنها قوله سبحانه: [يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ] {غافر:16}.
وقال تعالى:[رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ] {إبراهيم:41}.
وقال تعالى:[يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ] {الحاقَّة:18}.
وقال تعالى:[وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ] {القصص:65}.
وقال تعالى:[يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ] {آل عمران:30}.
وقال تعالى:[يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ ـ أي: جزاؤهم ـ الحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ] {النور:25}.
الإيمان يوجب الخوف من الله سبحانه ومن عذابه وحسابه ومقامه
الخوف: الفزع. وفي الاصطلاح: توقع مكروه ، أو فوت محبوب. أو هو: اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف.
وقد بيَّن الله سبحانه أنَّ الإيمان به سبحانه يوجب على المؤمنين أن يخافوه سبحانه وتعالى، ويخافوا عقابه، وحسابه، و مقامه.
فهم يخافونه عزَّ وجل، قال الله تعالى:[ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] {آل عمران:175}.
وهم يخافون عذابه، قال الله تعالى: [وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ] {المعارج:27ـ28}.
وهم يخافون حسابه، قال الله تعالى:[وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ] {الرعد:21}.
وهم يخافون مقامه، قال تعالى:[وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى] {النَّازعات:40ـ41}.
ووصف الله تعالى السابقين من المقرَّبين بالخوف من مقامه، فقال:[وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ] {الرَّحمن:46}. وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ( ) ، ومسلم (180) أنهما: (جنتان من فضَّة آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم ، وبين أن ينظروا إلى ربهم عزَّ وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه سبحانه في جنات عدن ) وهؤلاء هم السَّابقون الذين أعد الله لهم جنتين من ذهب، ثم قال تعالى في أصحاب اليمين:[وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ] {الرَّحمن:62} . وهم الذين أعد الله لهم جنتين من فضة.
وقال تعالى:[مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ] {ق:33ـ34} فلما خافوه في الدنيا أمَّنهم وسلَّمهم يوم القيامة.
روى ابن حبان في صحيحه (640)، والبيهقي في الشعب (777) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عزَّ وجل أنه قال:«وعزَّتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين، إذا خافني في الدنيا أمَّنتُه يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة».
الخوف يحمل المؤمن على الطاعة:
والخوفْ من الله تعالى يحمل الإنسانَ على امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن خافَ عذابَ الله تعالى وغضبه وعقابه، أسرعَ إلى ما فيه طاعته سبحانه ومثوبته ورضاه.
وأما دعوى الخوف مع البقاء والإصرار على الذنوب والمعاصي فذلك أمر بعيد.
وإلى ذلك أشار النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، ونبَّه إلى وجوب الأخذ بالحذر قبل الوقوع في الخطر.
روى الترمذي (2450) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا وإنَّ سلعة الله غالية، ألا إنَّ سلعة الله الجنة».
يعني أن المسافر إذا أمسى وهو في الصحراء، وخاف البَيَات فإنَّه يُدلج ـ يسير في أول الليل حتى يصل إلى مأَْمنه ـ ومن أدلج بلغ المنزل، وهكذا المسافر إلى الآخرة والسائر إلى الله تعالى ـ وعلى قدر الخوف من الله تعالى يكون المانع عن المعاصي.
روى البخاري (620)، ومسلم (1712) وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله...) وذكر منهم: (ورجلٌ دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال: إني أخاف الله) (التقرُّب إلى الله تعالى) للشيخ عبد الله سراج الدين ص 152ـ157.
***
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


