الذرائع بين الفتح والسد... قراءة سياسية في فقه الواقع

الذرائع بين الفتح والسد... قراءة سياسية في فقه الواقع

التصنيف: حاضر العالم الاسلامي
الاثنين، ١٧ رمضان ١٤٤٦ هـ - ١٧ آذار ٢٠٢٥
157

منذ أن انتصرت الثورة المظفرة في بلاد الشام على النظام الطائفي الباطني الخبيث كان أول نجاح سجل لها هو تفادي التورط في أعمال انتقامية هوجاء يحمل عليها الحقد الكبير المتراكم في نفوس الكثيرين على أفراد الطائفة التي كانت العمود الفقري للحكم البائد، وذلك نتيجة الممارسات الشنيعة للنظام المجرم الذي لم يترك جريمة ولا موبقة إلا ارتكبها بحق البلاد والعباد طيلة واحد وستين عاما.


وكان كل من يؤيد النظام المجرم أو لا يريد الخير لبلادنا من قوى الشر في هذا العالم المنافق يتمنى لو حصلت مثل هذه الأعمال الانتقامية على نطاق واسع في عموم البلاد الموتورة ليكون ذلك ذريعة للتدخل الخارجي وحجة لإجهاض انتصار الثورة أو على الأقل تقسيم سورية.


وكان النجاح في سد هذه الذريعة في البداية توفيقا من الله عز وجل، وخاب رجاء المفسدين الذين كانوا يخوفون الناس بأن شلالات الدم ستجري أنهارا متدفقة في سورية حال سقوط النظام.


وقد طالبنا وطالب الكثيرون من مختلف التوجهات، وبينا وأكدنا وبينوا وأكدوا على أن ضمان الاستقرار واستتباب الأمن وتحقيق السلم الأهلي في ربوع البلاد لا يكون إلا بتحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة كل مرتكبي الجرائم الصغيرة قبل الكبيرة في ربوع البلاد ومن جميع المكونات بلا استثناء، وبغير ذلك لا تستقر الأمور، ولا يمكن لأحد أن يسقط حقوق الناس الذين عذبوا أو قتلوا أو انتهكت أعراضهم وسلبت أموالهم وديست كراماتهم طيلة واحد وستين عاما (وليس 14 سنة، ولا خمسين أو خمس وخمسين كما يقولون)


وكان لابد من رفع لواء الحق والعدل عن طريق القضاء النزيه الذي هو أساس القوة في أي كيان.


لكن عدم المبادرة بفتح محاكم ثورية لها قوانين واضحة لمحاسبة هؤلاء المجرمين والاكتفاء بتسوية أوضاع الكثير منهم مقابل تسليم قطعة سلاح واحدة (مع أن بعضهم يملك مخازن ومستودعات للأسلحة في القرى الجبلية) أو الإعلان عن اعتقال آخرين بانتظار المحاكمة الموعود بها دون أن يتحقق شيء منظور من ذلك كان يعزز القناعة لدى كثير من الموتورين بأن الحق يجب أن يؤخذ باليد كما يقال.


وكلما كان يحصل اعتداء غادر في مناطق الساحل على رجال الأمن _ وقد تكرر ذلك مرارا - كانت هذه القناعة تقوى وتلتهب في صدور أصحابها منتظرين الفرصة السانحة لشفاء ما في الصدور.


وعندما حصلت الاعتداءات الأخيرة على نطاق واسع - وهي اعتداءات مخطط لها داخليا وخارجيا للانقلاب على الثورة وإعادة النظام الطائفي المجرم - فتحت أبواب الذرائع أمام فريقين:
الموتورن الهائجون المتعطشون للانتقام من جهة، والمجرمون الطائفيون أنفسهم - ومن وراءهم من قوى الشر الإقليمي والعالمي - الذين يريدون لعب دور المظلومية الطائفية بأن يظهروا بمظهر الضحية التي يعتدى عليها، ولو كان بأن يساهموا هم بهذه الاعتداءات على أفراد طائفتهم أو يضخموا صورتها ويتاجروا بها إعلاميا، لأن الغاية تسوغ الوسيلة في شريعة ميكيافيلي نبي السياسة القذرة.


وهذا يذكرنا بالعديد من المكائد التي حصل من ورائها فتح للذرائع الشريرة:
فقد اندلعت الحرب العالمية الثانية التي حصدت عشرات الملايين ردا من ألمانيا النازية على اعتداءات من قبل بولندا قرب ممر دانزينغ اتضح فيما بعد ضلوع المخابرات الألمانية (الجستابو) في تدبيرها لإيجاد الذريعة لشن الحرب.


وشاركت المنظمات الإرهابية الصهيونية في أعمال قتل وتفجير ضد اليهود أنفسهم - ومنها تفجير سفن تقل مئات المهاجرين اليهود للاستيطان في فلسطين - وذلك لإيجاد ذريعة للتعاطف مع اليهود وغض النظر عن الفظائع التي يرتكبونها ضد الفلسطينيين.


وشكل تفجير برجي التجارة العالمية في نيويورك ذريعة قوية للولايات المتحدة الأمريكية لمحاربة المد الإسلامي وضربه في العالم كله.


ثم اخترعت الولايات الأمريكية قضية أسلحة الدمار الشامل المزعومة ذريعة لغزو العراق والقضاء الكامل عليه وتفكيكه وتحويله إلى كيان طائفي مهترئ، بعد أن فتح حكام العراق أنفسهم الذريعة لاستهداف بلدهم بغزو الكويت.


وانتهز حكام إسرائيل عملية طوفان الأقصى وما نتج عنها لإيجاد ذريعة ليس للقضاء على حماس والفصائل المقاومة في غزة فحسب بل لتدمير غزة بالكامل وإبادة شعبها أو تهجيرهم من أرضهم.


وفي الحالة السورية شكلت هذه الاعتداءات وبعض ردود الأفعال عليها التي طالت بعض المدنيين في بعض قرى الساحل من قبل بعض الموتورين غير المنضبطين بشريعة ولا قانون، أو من قبل المعتدين أنفسهم في بعض الحالات فتحا لذرائع لا تنتهي:


لإجهاض الثورة، وعودة النظام المجرم، من قبل الطائفيين ومن يقف وراءهم من دول شريرة.
ولضرب الإسلام السياسي، وإفشال الحكم القائم، من قبل اللادينيين (العلمانيين) ومن يؤيدهم.
وللترويج لتقسيم سورية، وانتهاك سيادتها من قبل الصهاينة ومن يوافقهم من الأقليات والمكونات.
وللاستمرار في معاقبة البلاد والعباد، من قبل أنظمة الاستكبار العالمي.


وكل هذا بحجة حماية الأقليات المظلومة المسحوقة من قبل الأكثرية المجرمة!


في حين أن قوى الشر العالمية لديها القدرة الكاملة على التغابي والتعامي عن رؤية المجازر والانتهاكات ولون الدماء ورائحتها عندما تشاء لها مصالحها بحسب ما قرره ميكيافيلي إذا كان المستهدف بها الإسلام والمسلمون فقط:
لم يسمعوا عن مجزرة تدمر ولا عن مجازر حلب وحماة وجسر الشغور في الثمانينيات.
ومن الطبيعي بعدها أن لا يسمعوا عن فظائع صيدنايا وفروع الخوف والإجرام، وأن لا يتفاعلوا مع قتل أكثر من مليون سوري بقذف البراميل من الطائرات على المدن الآهلة وخصوصا الأسواق والمشافي والمخابز، وأن لا يتحركوا لتهجير الملايين في الداخل والخارج بعد الثورة.
لم يعلموا بقتل المسلمين وتهجيرهم في بورما والصين والهند ولو كانوا من الأقليات!
لأن المهم عندهم الأقليات من غير المسلمين في بلاد المسلمين!


وهي الذريعة نفسها التي كانت الدول الاستعمارية الخبيثة تتدخل من خلالها بالدولة العثمانية يوم كانت تسمى الرجل المريض.


فكانت روسيا القيصرية تتدخل بحجة حماية الأرثوذوكس.
وكانت فرنسا الصليبية تتدخل لحماية الكاثوليك.
وكانت بريطانيا الاستعمارية حامية البروتستانت والدروز.


وكان أول من رسخ الطائفية والمناطقية في البلاد السورية هو الاستعمار الفرنسي الذي قسمها إلى عدة دول:
لبنان الكبير تحت هيمنة النصارى الموارنة،
ودولة الدروز في جبل حوران (وهذا اسمه التاريخي الحقيقي) الذي سموه جبل العرب.
ودولة العلويين (النصيرية وهذا اسمهم التاريخي الحقيقي) في جبال الساحل التي سموها جبال العلويين، ودولة حلب، ودولة دمشق!


نعم... إن قتل الأطفال والنساء والرجال الأبرياء جريمة محرمة في الشريعة الإسلامية والقوانين الدولية من أي مكون أو طائفة كانوا...


قلناها سابقا ونقولها في كل زمان ومكان، وتحت سيطرة أي حكم كان.


لكن لن نكون شهود زور كما يفعل الكثيرون من المستغلين للذرائع والمتاجرين بها ليمكروا مكرهم... وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال.


ما حصل في الساحل من تجاوزات لا يعدو أن يكون واحدا من ألف أو أكثر مما فعله النظام الطائفي الفاجر، وهذا لا يعني قبوله أو تسويغه، لأن الاعتداء على النفس البشرية منازعة لخالقها عز وجل في اسمه المحيي والمميت، ولكنا يجب أن نقدر الأمور بقدرها، وأن لا تغيب عنا حقائق فقه الواقع المعاش والدماء التي لم تجف بعد.


وعلى الطائفيين من جميع المكونات أن يأخذوا على أيدي مسلحيهم ودعاة الفتنة والتقسيم والاستقواء بالخارج من أهل الرأي منهم... وأن يعلموا جميعا أنه لا عودة لهم إلى حكم بلادنا والتحكم بشعبنا من جديد حتى يدخل الجمل في سم الخياط.


وأن الشعب كله سيهب ويقوم قومة رجل واحد إذا أحس بالخطر من هذا الجانب.


وإن من النصيحة لحكام سورية الجدد - وفقهم الله لما فيه خير العباد والبلاد - أن يسدوا ذرائع الشر ويفتحوا ذرائع الخير، ويوازنوا بين الأمرين، وأن يبنوا أول ما يبنون سلطة القضاء العادل المستقل الحاكم على الجميع دون استثناء، وهو أهم ما يجب بناؤه وإيجاده على طريق النهوض والبناء.


وحين نرى المجرمين _ أيا كانوا _ يحاسبون على أفعالهم المتفلتة وجرائمهم الثابتة وفق محاكمات علنية وإجراءات موضوعية لا شائبة فيها تؤيدها سلطة حازمة قادرة فإننا سنطمئن إن شاء الله على مستقبل بلادنا ويطمئن معنا كذلك جميع أهلها المخلصين لها الحريصين عليها من جميع المكونات.


وسيكون الجميع بعد ذلك في خندق واحد للدفاع عنها ضد جميع من يريد بها سوءا في الداخل والخارج بكل ما يستطيعون.


وعند ذلك فقط نستطيع أن نقول إن الشعب السوري واحد، دون أن نضحك على أنفسنا وعلى التاريخ.


بقلم: عبد القادر الخطيب الحسني

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

الاسلام على مفترق طرق - محمد بن عمر بن سالم بازمول
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩الاسلام على مفترق طرق - محمد بن عمر بن سالم بازمول
يرى المسلم في هذا العصر اختلافاً كثيراً حيثما وجّه وجهه، سواء في باب مسائل الفقه من عبادات...
مرجعيّة - قيم الإسلام تناسب الإنسان ، وتلائم فطرته ، وتقدّم أساساً سليماً لتطوّره
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩مرجعيّة - قيم الإسلام تناسب الإنسان ، وتلائم فطرته ، وتقدّم أساساً سليماً لتطوّره
  مرجعيّة " القِيَم " عند المسلم   منذ القرون الإسلاميّة الأولى بحث...
تعريف بركن حاضر العالم الإسلامي - رسالتنا
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بركن حاضر العالم الإسلامي - رسالتنا
ركن : حاضر العالم الإسلامي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " مثل المؤمنين في تو...