الدنيا كبلل أصبع سرعان ما يتبخر

الدنيا كبلل أصبع سرعان ما يتبخر

التصنيف: ركن الشباب
الثلاثاء، ٥ رمضان ١٤٤١ هـ - ٢٨ نيسان ٢٠٢٠
1117

هل تشعرين بالحزن ، أختي المسلمة ، إذا طارت من بين يديك ورقة بيضاء صغيرة لا قيمة لها عندك ؟

هل تتحسرين على مغادرة جارة لك البلد نهائياً ، بسبب هجرتها إلى بلد آخر ، إذا اكتشفت أنها كانت تكرهك وتكيد لك ؟

هل تتمسكين ببيت قديم كثرت الأعطال في مرافقه الصحية ، وتشققت جدرانه حتى آلت للسقوط ، وانتشرت فيه الصراصير والحشرات المؤذية الضارة ؟

إذا كانت إجابتك عن الأسئلة الثلاث السابقة هي : لا ، فينبغي أن تكون إجابتك (( لا )) أيضاً عن سؤال : هل تستحق الدنيا أن تحزني من أجلها ، وتتحسري عليها ، وتتمسكي بها ؟

لقد أعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم بالقيمة الحقيقية للدنيا ؛ القيمة التي تجعلها غير مستحقة لتحزني عليها ، وتتحسري من أجلها ، وتتمسكي بها .

يقول صلى الله عليه وسلم (( ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما أخذ المخيط غُمِس في البحر من مائه )) حديث صحيح أخرجه الطبراني عن المستورد ومسلم في صحيحه ( الألباني 5522 ) .

وفي رواية أخرى (( ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم ، فأدخل إصبعه فيه ، فما خرج منه فهو الدنيا )) ( الألباني 5547 ) .

هل تأملت ، أختي المسلمة ، كم هي ضئيلة نسبة الدنيا إلى الآخرة .

إذا قلتِ إنها تكاد أن تكون لا شيء فأنت محقة ، فكم يمكن لإبرة الخياطة أن تأخذ من ماء البحر الواسع الكبير العميق ؟ أليس (( لا شيء )) ؟

وكذلك في الحديث الثاني : ماذا يمكن للإصبع أن يأخذ من ماء البحر ؟!

لو قال صلى الله عليه وسلم : أن يدخل كفه لربما خرج أحدنا بشيء من ماء البحر ، أما الإصبع فإنه لن يستطيع أن يحصل على شيء . إنه يبلل إصبعه فقط .. إذن فإن الدنيا إلى الآخرة لا تتجاوز بللاً إلى ماء البحر كله .

وتأملي ، أختي الغالية ، في هذا البلل : إنه سرعان ما يتبخر ويجف .. مثل الدنيا سرعان ما تمضي أيامها ، وتتبخر سنواتها ، وتجف لذّاتها .

إنها بلاغة نبوية تعطي الدنيا قدرها الحقيقي ، قدرها الذي لا تستحق معه ما نعطيها من اهتمام وما نوليها إياه من حب وتعلق وسعي .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( مالي وللدنيا ! ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ، ثم راح وتركها )) . أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم .

هذا تصوير بليغ آخر لهوان الدنيا وهوان شأنها عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه دعوة لنا لتهون الدنيا عندنا كما هانت عنده صلى الله عليه وسلم .

كم يدوم مكث الراكب المسافر حين يستظل تحت شجرة ؟ أليست دقائق قليلة قبل أن يمضي ويواصل سيره إلى غايته التي يسافر إليها ؟

هل يمكن لهذا الراكب أن يبني بناء في ظل هذه الشجرة ؟! أم تراه يحفر بئراً من أجل أن يستخرج منه ماء يشرب منه ؟! أم يحرث الأرض ويزرعها ؟ إنه لن يفعل شيئاً من هذا ، لأنه إنما أراد أن يرتاح قليلاً قبل أن يستأنف رحلته إلى بلده .

وهكذا ينبغي أن تكون الدنيا ، إنها محطة ، محطة قصيرة ، في الطريق إلى الآخرة ؛ حيث الخلود الأبدي الذي ينبغي أن يبقى هو الغاية الكبرى ؛ فلا يشغلنا عنه هذا التوقف القصير في ظل تلك الشجرة .

ولعل هوان الدنيا يتأكد حينما لا يرغب مغادِرُها في العودة إليها حتى وإن أُعطي جميع ما فوقها ؛ كما يخبرنا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح التالي :

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( ما على الأرض من نفس تموت ، ولها عند الله خير ، تحب أن ترجع إليكم ولها الدنيـا ؛ إلا القتيـل في سبيـل الله ؛ فإنـه يحب أن يـرجع فيـقتل مرة أخرى ، لما يرى من ثواب الله له )) أحمد والنسائي ( الألباني 5638 ) .

إذن ، لا تريد النفس المؤمنة أن تعود إلى الدنيا حتى ولو كانت لها الدنيا جميعها ، وهذا يشير إلى أن ما وجدته من خير عند الله سبحانه وتعالى خير عظيم وكبير ولذا فهي لا تتخلى عنه حتى مقابل الدنيا وما فيها .

ولم يستثن النبي صلى الله عليم وسلم إلا الشهيد ، لكنه استثناء يؤكد هوان الدنيا ، لأن الشهيد لا يريد العودة إلى الدنيا للاستقرار فيها إنما ليقتل من جديد في سبيل الله تعالى طلباً لنيل المزيد من الثواب الذي وجده بعد استشهاده عند ربه سبحانه .

وهذه رواية أخرى للحديث تؤكد المعنى نفسه : قال صلى الله عليه وسلم (( ما من الناس من نفس مسلمة يقبضها ربها ؛ تحب أن ترجع إليكم ، وأن لها الدنيا وما فيها غير الشهداء ، ولأن أُقتل في سبيل الله ، أحب إليًَ من أن يكون لي أهل الوبر والمدر )) أحمد والنسائي ( الألباني 5684 ) .

إن استحضارك ، أختي المسلمة ، هذا القدر الحقيقي للدنيا ، كما عرّفنا به النبي صلى الله عليه وسلم ، يمنحك ما يلي :

عدم الأسى على فوات نعيمٍ فيها ، أو متعة من متعها ، أو حاجة من حاجاتها .

قصر الأمل في الدنيا يعينك على إحسان العمل للآخرة ، لأن طول الأمل في الدنيا هو الذي يشغل عن العمل لما بعد الموت ، ويلهي عن الاستعداد للآخرة . قال الحسن : ما أطال عبدٌ الأمل إلا أساء العمل . وقال بعض الحكماء : الأمل سلطان الشيطان على قلوب الغافلين .

يسهّل عليك مسامحة الآخرين وعلى ألا تحملي عليهم في قلبك غلاً ولاحسداً ولاضغينة ؛ ذلك أنك ترجين ما عند الله تعالى ، وترين أن الدنيا بقصرها وقلة متاعها لا تستحق أن تؤاخذي الآخرين من أجل بعض ما فيها . قال الله تعالى (( قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ، ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون )) الجاثية

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...