كلُّ من يسألني من الشباب: أودّ الدراسة في كليّة الشريعة؛ فإني أنصحه بالمبادرة إلى ذلك؛ لأنّ أغلب المجتمع وللأسف يُحاول أن يُهوّن ويُقلل من دراسة الشريعة؛ ويقولون كلاماً عامياً سخيفاً، ومن تعبيراتهم الغريبة:
- الشريعة بإمكانك تدرسها من خلال الدروس والمحاضرات والبرامج والدورات العلمية عبر الشبكة العنكبوتية!
- ممكن تأخذ بعض الدروس المسجدية وتكتفي !
- الشريعة لا يوجد لها مستقبل وظيفي لأنّ فرص العمل قليلة؛ وفي آخر المطاف؛ ستعمل نجّار، موسرجي، شركة توصيل، بنّاء، وهكذا !
- الجامعات لا تعطي علم، ولا يوجد في دراستها فائدة !
- الشريعة سهلة ليست بحاجة لأربع سنوات للدراسة؛ بإمكانك تدرس تخصص رئيس وممكن تجعل التخصص الثاني الشريعة لاحقاً !
- نحن في عصر التنكولوجيا؛ والأصل الواحد يدرس بشيء يواكب عصره.
- إذا درست الشريعة؛ سيقول الناس عنك شيخ!
- بعض الناس لا يكون متديناً بالحد الكافي؛ فإذا دخل كلية الشريعة قال له بعض الناس: أنت غير متدين أو أنت لست شيخاً فلماذا تدخل كلية الشريعة؟!
إلى غير ذلك من هذه العبارات التثبيطية والطاردة عن دراسة الشريعة.
والواجب الذي أعتقده شرعاً في هذا الوقت أنّه يجب تحضيض الشباب الصالح على دراسة الشريعة وطلب العلم الشرعي من خلال الارتباط بكليّة الشريعة بالإضافة للمشاريع العلمية الأخرى من خلال دروس المساجد العلمية الشرعية، وحِلق العلم التأصيلية، والارتباط بالبرامج العلمية الشرعية النافعة عبر الشبكة العنبكوتية، وذلك لعدّة أمور:
1. أنّ أشرف العلوم هو علم الشريعة؛ إذ شرف العلم بشرف المعلوم؛ فعلم يحمله صاحبه ومعه القرآن والسنة؛ ليس كأيّ علمٍ من العلوم، وهذا لا يمكن أن يُفهم منه التقليل من العلوم الأخرى الإنسانية أو الطبيعية أو التقنية، فكل علمٍ فاضل تحتاجه الأمّة هو مشروع، وقد يجب عيناً على فئةٍ محددة دراسة بعضها؛ لكنّ الحديث عن تفاضل العلوم ومراتبها؛ فلا ريب أنّ علم الشريعة هو المُقدّم.
2. أنَّ الجو المحيط يعيش جهلاً مدقعاً في علوم الشريعة؛ ومن يُخالط الناس في أحوالهم ويسمع سؤالاتهم، ويعاملهم بالمال والتجارة والمهن الحرّة؛ فإنّه سيجد عجباً من المفاهيم المختلّة في كثيرٍ من المبادي التي ينبغي فهمها لكل مسلم؛ فالمجتمع بحاجة ماسّة لفئام من البشر يقومون بإصلاح أنفسهم ثم إصلاح مجتمعهم بالمعروف.
3. أنّ الذي يدّعي أنّ علم الشريعة سهل، وليس بحاجة للجامعة؛ فإنّه جاهل وهو وللأسف قد لا يدري أنّه جاهل كذلك فيكون جاهلاً مركّباً؛ فإنّ علم الشريعة من السهل الممتنع، وهذا يعني أنّه يحتاج لحفظٍ وفهمٍ ورياضة فكرية وقوّة نظر في فهم معاني القرآن والسنة؛ ولهذا نجد من يقول ذلك يعجز عن شرح صفحة واحدة من كتب أصول الفقه، أو كثيرٍ من كتب الفقه المطوّلة، فضلاً عن الأشباه والنظائر، والقواعد والفوائد الأصولية، وعن كيفية استخراج العلّة الحديثية ونقد الحديث ودراسة طرقه وأسانيده؛ ثم يفهم اللغة التي أتى بها القرآن ويتعرّف على لسان العربية وفقه اللغة؛ فمن يزعم أنّ العلم الشرعي سهلٌ فإنّه لم يتعرّف إلا على المبادئ الأساسية للعلم الشرعي من أركان الإسلام وبعض الأحكام العامة المتعلقة بالصلاة والوضوء، ولهذا وجدنا عدداً من العلماء يستصعبون بعض الكتب الفقهية ولا أقول كتب الأصول؛ فليدخل هؤلاء إلى كتاب الطلاق والإيلاء واللعان والظهار والفرائض والصلح والإقرار وليتعرّفوا على ما فيه، وليحسنوا التفريق بين الخاص والعام، والمطق والمقيد، وليتعرّفوا على دقائق علم العقيدة وما فيه من متّصلات بعلم الكلام، وذلك كلّه يعطي المرء قاعدة أنّ الشرعي بحر زاخرٌ متلاطم وأنّ من يحاول أن الدخول فيه باعتباره سهلٌ عموماً فإنّه كساقية لاطمت بحراً !
4. أنّ علم الشريعة مفتاح لكثيرٍ من العلوم المفيدة لإصلاح نظام المجتمع بالآداب الرفيعة، والأخلاق الفاضلة، والفضائل العالية، وهو مفتاحٌ لإصلاح الأسرة والبيت بما فيه من كنوزٍ ومعالم عظيمة، وهو غزير المعاني والألفاظ بما ينفع البيئة ويُساهم في نقاء المعايش، وأمّا إصلاحاته الاقتصادية فحدّث ولا حرج عن تلك القواعد والمفاهيم الجمّة التي يحملها؛ فكيف بحال الإدارة وإصلاح النظام السياسي، وهذا كلّه يحتاج لمن يقترب من هذا العلم ويتبحر فيه، ويحسن الفهم والاستنباط، ويقتدر على نقل ما في بطون الكتب إلى مسامع البشرية .
5. أنّه ما الإشكال في أن يتعلّم المرء الشريعة ويتخصص فيها بل يُكمل دراساته العليا؛ ويُمارس المهن الشريفة، أو يكون تاجراً، أو عاملاً في قطاعات الخدمة في البلاد؟!
إنّ مجتمعه يقترب أكثر من أهل الاختصاص وطلاب العلم، وطلبة العلم يقتربون أكثر من فهم مجتمعهم، وطالما سمعنا بأهل العلم الذي ما ضرّهم بل رفع قدرهم أن يكونوا إحدى هذه المهن أو الأعمال كما سمعنا عن بزاز، وكسائي، ونجّار، ولحّام، وخشّاب، وساعاتي، وإسكافي، وبنّاء، والآجري، والصوّاف، والقفّال.
ومن لطيف ما كُتب حديثاً كتاب للشيخ عبد الباسط بن يوسف الغريب حيث عنونه بـ: (الطرفة فيمن نسب من العلماء إلى مهنة أو حرفة) حاول استقراء المهن والحرف ومن نُسب إليها من العلماء؛ حتى أورد قرابة (400) مهنة أو حرفة قام بها مئات من العلماء الأجلاّء.
6. إنّ الزعم أنّ فرص العمل أمام دارسي كليّة الشريعة قليلة؛ ليست دقيقة على إطلاقها؛ ففرص العمل شحيحة بشكل عام في كثيرٍ من التخصصات الأدبية والإنسانية بل والعلمية كذلك؛ وطالما وجدنا مهندسين يعملون في غير مجالهم، وأطباء يشتغلون في أشياء مساندة لعملهم الطبي، والعمل أو الوظيفة تسخير ورزق ؛ فقد تتيسر لفلان ولا تتيسر لآخر، وقد وجدنا من كان يسعى ويلهث خلف الوظيفة التي بالكاد تكفي معيشته، حين حُرم منها أكرمه الله بما هو أفضل عليه دخلاً وحفظاً لوقته من تحكّم مديرٍ وتسلّط مالك.
7. أنَّ الدراسة في كليات الشريعة هي القلعة والحصن الأخير من حصون التعليم الشرعي؛ فإنّ كثيراً من بلاد المسلمين قد ضعفت فيها دروس العلم في المساجد، أو أنّها محصورة في مدينة محددة، أو على علماء محددين، وقد خفت أثر كثير من الخلاوي العلمية، ولا الكتاتيب الشرعية، ولا الأوقاف العلمية، ولا المعاهد العلمية الشرعية، ولا المراكز التعلمية للعلوم الشرعية، فأين الذهاب والحال كذلك؛ ثمّ إنّ هذه الكليات لا تزعم أنّها تعطي العلم كلّه، بل تعطي أسس العلم، وتبدأ بداية جادة في مسلك التأصيل، والجاد في طلبه سيسلك معها دروس مشايخه في المساجد، ويهتم بحضور الدورات العلمية، ويحرص على حفظ المتون وفهمها على أهل الاختصاص الشرعي، وإنّ ضرب إسفين بين العلم الأكاديمي والعلم الأصيل أو ما يسمى التقليدي فإنَّه ضعفٌ في فهم الطبيعة العلمية التي لها ظروفها في كل زمن أو بلد.
8. أنَّ دراسة الشريعة من أهم القضايا اللازمة والضرورية لمواكبة العصر؛ وذلك لأنَّ الفقه الإسلامي يُعالج كثيراً من النوازل والمستجدات، وكذلك لا يوجد شيءُ يمنع طالب الشريعة أن يأخذ دورات في التقنية، والذكاء الصناعي، ومسائل الاقتصاد المعاصر، وغيرها من القضايا العصرية.
9. أنَّ من درس الشريعة ولم يكن متديناً؛ فإنَّ هذا سيزيده إيماناً وعلماً؛ وهو كذلك من الأبواب التي تُفتح للعبد في حياته بالخير والهداية؛ ولا أعظم من ذلك منجاة عند الله تعالى.
10. أنَّ فلسطين من أكثر البلدان التي تحتاج للتعلم الشرعي؛ للتكثير من تديين الناس وربطهم بالله تعالى في ظل النكبات والأزمات ومعاناتنا مع الاحتلال، وهو كذلك ارتباط بسيرة العلماء المقادسة الذين نشروا علوم الدين في كافة الأرض؛ فأولى الناس باتباعهم والحرص على السير على منوالهم من عاش في بلادهم ومن كان يعيش في القدس، ونابلس، وطولكرم، وقلقيلية، وحجة وجمّاعيل، ومردا، وشويكة، وكفر اللبد، وسلفيت، وطبرية، وغزة، وحيفا، ويافا، وعكا، والرملة، واللد، وغيرها من المدن.
وأنتم يا طلبة الشريعة:
قوّاكم الله، وثبّتكم، وسدد على درب الهدى خطاكم، ولي معكم بإذن الله دوماً وقفات وتوجيهات علمية ومنهجية؛ نسأل الله أن يعينكم على طلب العلم والاجتهاد في تحصيله، والله معكم ولن يتركم أعمالكم.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


