الخوف من الله تعالى -1-

الخوف من الله تعالى -1-

التصنيف: روضة المنابر
الأربعاء، ٣ ذو القعدة ١٤٣٨ هـ - ٢٦ تموز ٢٠١٧
1023

 

الخوف من الله تعالى عاطفة تنبع من حسن معرفته، وكمال العلم به، فهي ليست وجلاً مبهماً لا يدرى مأتاه أو نتائجه، بل الخوف شعور واضح بجلال الخلاق العليم، وما ينبغي إكنانه له من مهابة وإعظام.

 وكيف لا يُخشى جبار السموات والأرض الذي بيده ملكوت كل شيء، والذى لا تماسك شيء إلا بإيجاده وإمداده سبحانه، والذى لا يعترض غضبه شيء إذا أعلن غضبه على أحد [قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] {المائدة:17}.

 إنَّ الإنسان عادة يشعر بانتفاء ذاته أمام من تبهره عظمتهم، وهذا ما يسميه علماء النفس: الشعور السلبي بالذات، وهو شعور يشتبك مع انفعالات نفسية أخرى، فيكون عواطف الإعجاب والتهيب، وما أشبه ذلك.

 وأحق من يقف البشر بساحته وهم مفعمون بالخضوع والاستكانة، والزلفى، والاستجداء هو الله جلَّ شأنه الذي ترجع إليه أمورهم كلها فيبت فيها بتاً لا معقب عليه [أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ] {الملك:20-21}.

 وليس أساس الشعور بالخوف من الله تعالى هذا وحده، نعم إن المرء يفرق من الهزيمة ومن الفقر، ويقف قلقاً مضطرباً أمام من يستطيع أن يوقع به شيئاً من ذلك، لكن بناء الخشية على ذلك فقط لا يليق.

إنَّ الخوف يرتبط بالمعرفة، فإذا رأيت امرأً يتعرض لتيار كهربائي صاعق، أو يتوقف أمام قطار حديدي منطلق فهو إما جاهل أو مجنون، إن العلم بخصائص الأشياء يملي على صاحبه التصرفات المناسبة.

 ومن عرف الله سبحانه معرفة اليقين، انمحت من نفسه كل آثار الجرأة والبرود وساورته بين الحين والحين مشاعر الوجل والحذر، وهي مشاعر لا يستغني عنها حي في حكم نفسه وضبط سلوكه.

 ثم هي الباعث الدائم على استرضاء الله تعالى، وفعل ما أمر وترك ما نهي [إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ] {البيِّنة:7-8}.

 على أنَّ الأفراد والجماعات لهم في جنب الله زلات مخوفة، وكم يقترف البشر من الرذائل التي تجر عليهم الويل، لأنها محاداة لله تعالى واستهانة بحقه، وعمى عما يجب له.

 ولو أنَّ المعصية تلقى جزاءها العدل على عجل لخسف بآتيها، وذاق للفور عقبى جهله وغروره [وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ] {فاطر:45}.

ولكن الصبور جل شأنه يمنح الخطائين فرصاً واسعة كي يثوبوا لرشدهم ويعتذروا لربهم،[ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى] {فاطر:45}.

 من الجائز أن تنفجر في أجسادهم مراجل الغضب الإلهي بغتة، وهم سادرون في غيهم فلا تبقى منهم أحداً، ولا تدع لهم وسماً ولا رسماً...

 وقد قصَّ علينا المولى سبحانه في كتابه أخبار الأمم الأولى، وكيف هانت على الله تعالى لما أهانت أمره، وكيف نكَّل بها لما نكَلَت عن الصراط المستقيم [أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ(97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ(98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا القَوْمُ الخَاسِرُونَ(99) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ(100) ]. {الأعراف}..

 والخوف من الله تعالى عاطفة تدل على شرف النفس، ويقظة الحس، وامتلاك الزمام في الساعات الحرجة، وإنه لرجل جدير بكل احترام ومثوبة هذا الذي يستمكن مما يشتهي، ثم يمتنع عنه وهو خال لا لشيء إلا لأن الله سبحانه يراه.

 علام يدل هذا المسلك؟.

 إنه يدل على إيمان بالله تعالى عميق، وعلى أن ذلك الإيمان يقظان ليؤدي واجبه كالديدبان الحارس، وعلى أنه لما استثيرت النفس نهض إليها، وفرض وجوده وحده فحسم نوازع الشر.

 ولذلك جاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله، يوم لا ظل إلا ظله!. (... ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله).

 وهناك من يبتعد عن مثل هذه الجريمة حرضاً على سمعته، وقهراً لشهوته، وعلى لسانه قول القائل: 

ذكرت تعلة الفتيان يوماً وإسناد الملامة للمليم وهذا السلوك ـ 

وإن كان شرف نفس ـ إلا أنه ليس أثر الإيمان الذي يجب أن يملأ أرجاء النفس، وأن يسيطر على بواعث الفعل والترك فيها.

نعم، هو شرف لأن الذي يدع رذيلة ما، حتى لا يقفه الناس موقف تثريب وتقريع، أفضل ممن يغلبه هواه، فلا يبالي ما يلقى من ذم.

 إلا أن سيرة المؤمن الذي يخاف الله تعالى أشرف وأحق بالتنويه...

 إذ أنه ترك الإثم هنا لسبب أجل هو الخوف من جلال الله تعالى.

 ثم المؤمن الذي يعرف الخير والشر، والحسن والقبيح من لسان الشارع لن يضل في معرفة العيب الذي يتركه، والخير الذي يفعله.

 ولو أنه تلقى ذلك من أفواه الناس الذين يطلب ثناءهم ويخشى ملامهم لأمكنه في عصرنا هذا أن يسكر وأن يزني وهو مطمئن إلى أن مواهبه الأخرى ستجعله عظيماً محبوباً...

 إنَّ مخافة الله تعالى بترك ما حرَّم هي الأساس الأعظم في تكوين الشخص الشريف المأمون.

ومن الخطأ حسبان الخوف وحده هو الحاجز عن الشر، والدافع إلى الخير، إن الواقع في حياة المؤمن غير هذا، والمفهوم من طبيعة الإيمان غير هذا...

 فقد يترك المرء المعصية حياء من المنعم، أو رجاء ما عنده، أو شعوراً نفسياً وعقلياً بدمامتها، أو حباً غالبا لله تعالى الذي أمر ونهى.

 والمؤمنون ليسوا سواء في هذه البواعث، بل المؤمن الفذ تختلف أحواله في استقبال ما يعرض له، فقد يفعل الشيء أو يتركه بدافع الرغبة حيناً وبدافع الرهبة حيناً، وبدوافع أخرى حيناً آخر.

 والخوف من الله جل وعلا دافع بارز في حياته من غير شك، وهو دافع معقول، فمن ظن الخوف لا يعرض للبشر أصلاً فهو مبطل، ومن ظن الخوف من أي شيء أنفس معدناً، وأرقى دلالة من خشية الله تعالى فهو كاذب.

ومن ثم كان الخوف من الله ركنا في الإيمان به [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا] {الأنفال:2}.

 ويكاد الخوف يكون وحده العامل الحاسم في كثير من المواقف القلقة، والعاصم المنجى عن ثوران بعض الغرائز العنيفة وجماحها الشديد.

 سيما وقد نبهنا إلى أن الخوف وليد المعرفة، فكلما اتسعت معرفة المرء لله ازداد مهابة له، وحذرا من مخالفته، وإكباراً لحقه.

 عن عائشة رضى الله عنها قالت: (صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً فترخص فيه، فبلغ ذلك ناساً من أصحابه فكأنهم كرهوه، وتنزهوا عنه، فبلغه ذلك فقام خطيباً فقال: ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخصت فيه فكرهوه وتنزهوا عنه، فو الله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية ).

 وفى خوف الرسول صلى الله عليه وسلم من ربه، وفي تخويف المسلمين عامة من بطش الله وعذابه نقرأ قوله تعالى: [قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(13) قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي(14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ(15) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ(16) ]. {الزُّمر}..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر : كتاب الجانب العاطفي من الإسلام

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مدرسة الصيام - أخلاقيات الصائمين
الأحد، ٢٦ رمضان ١٤٣٦ هـ - ١٢ تموز ٢٠١٥مدرسة الصيام - أخلاقيات الصائمين
هذه خطبة جمعة ألقيتها في جامع السلام بحلب في رمضان 1398، وجدت أصولها بين أوراقي ،وقد قام ...
من آداب السفر - ـ
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩من آداب السفر - ـ
من آداب السفر للشيخ ناجي الطنطاوي   إن الإسلام يصبغ المسلم بصبغته ،ويرافقه في حركا...
مولد النور لفياض عبسو - الرحمة المهداة
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩مولد النور لفياض عبسو - الرحمة المهداة
مولد النور بقلم: فياض عبسو قال الله تعالى :{هو الذى بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليه...