الخطاب العقلي في الإسلام

الخطاب العقلي في الإسلام

التصنيف: ركن الشباب
الاثنين، ١٤ رجب ١٤٤٦ هـ - ١٣ كانون الثاني ٢٠٢٥
77

بمثل هذه الواقعيّة الفريدة، ببساطتها، وصراحتها، وشفافيتها، كان محمّدٌ  يتعامل مع الناس، مسلمين وغير مسلمين.
لقد كان يحاول، ما استطاع، أن يشعرهم بأنّهم إنّما يتعاملون مع إنسانٍ لا يختلف عنهم، ولعلّ هذا هو أكثر ما كان يجتذبهم إليه، والذي ما يزال يجتذب الكثيرين إلى الإسلام حتّى يومنا هذا. إنّها الواقعيّة الإسلاميّة التي سبقت بقرونٍ عديدةٍ كلّ المدارس الواقعية "الأرضيّة" الأخرى التي عرفتها الإنسانيّة في القرنين الماضيين.
وهناك تناغمٌ إلهيٌّ-نبويٌّ عجيبٌ في تكريس هذه الواقعيّة. ومن السهل على القارئ العاديّ أن يجد روح هذا التناغم مبثوثةً، ليس في الحديث النبويّ وحده، بل في كلّ صفحةٍ من صفحات القرآن الكريم، كما يوضّح لنا هذا المقطع الذي اخترته من كتابي (مسلمون في مواجهة الإسلام، مسيحيّون في مواجهة المسيحيّة):
"لن نفاجَأ كثيراً إذا تصفّحنا القرآن الكريم فوجدنا أنّه تكاد لا تخلو صفحةٌ واحدةٌ فيه من دعوةٍ صريحةٍ مباشرةٍ إلى التفكير والتبصّر والتدبّر وإعمال العقل. فحيثما قلّبت عينيك في صفحاته ستجد عباراتٍ من مثل: ألم ترَ ـ أفلا ينظرون ـ أوَلا يرَون ـ أفلا يبصرون ـ أفلا يعقلون ـ أفلا يتفكّرون ـ أفلا تتذكّرون ـ فانظر كيف ـ إنّ في ذلك لآيةً لقومٍ يسمعون ـ إنّ في ذلك لآيةً لقومٍ يعقلون ـ إنّ في ذلك لآيةً لقومٍ يتفكّرون ـ وما يعقلها إلّا العالِمون ..
ولكنّ الخطاب العقليّ فيه لا يتوقّف عند هذه العبارات الصريحة، فهي لا تشكّل في الحقيقة إلّا جزءاً بسيطاً من عقلانيّة الخطاب القرآني، رغم أنني أحصيت منها في القرآن ما يزيد على سبعمائة عبارة. إنّ روح الخطاب القرآنيّ وقوامه ونسيجه، بغضّ النظر عن الألفاظ التي يستعملها هذا الخطاب، وعن الموضوع الذي يعالجه، حتّى إن كان موضوعاً غيبيّاً خالصاً، كوجود الله مثلاً، هي ذات طبيعةٍ عقليّةٍ تدعو باستمرار إلى التبصّر والتدبّر والتفكير.
وحسبنا أن نتوقّف عند صفحةٍ نختارها عشوائيّاً من القرآن الكريم لنرى أيّ نوعٍ من الخطاب تَوَجّه به الإسلام إلى أتباعه وإلى العالم. ولنقرأ معاً الصفحة 405 التي تضمّ الآيات (6 – 15) من سورة الروم:
- وَعْدَ اللَّـهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّـهُ وَعْدَهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٦﴾ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴿٧﴾ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّـهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ﴿٨﴾ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٩﴾ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّـهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ﴿١٠﴾ اللَّـهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿١١﴾ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ﴿١٢﴾ وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ ﴿١٣﴾ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴿١٤﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴿١٥﴾
لاحظ معي، أوّلاً، العبارات الخمس التي تخاطب العقل والتفكير الإنسانيّ مباشرةً (لا يعلمون – يعلمون ظاهراً من الحياة – هم غافلون – أوَلم يتفكّروا – أوَلم يسيروا في الأرض فينظروا). ولكنّ هذا ليس كلّ شيء.
إنّ الآية (6) تتحدّث عن وعدٍ من الله، ولكنّها لا تتوقف عند مجرّد ذكر هذا الوعد، إذ يأتي التذكير للعقل، الذي يمكن أن يكون قد غفل عن مصداقيّة هذا الوعد، بالقاعدة المنطقيّة الحتميّة، وهي أنّه (لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَه).
والآية (7) تضع أمام العقل صورتين يحار البشر بين إغراءاتهما: الأولى ظاهريّة تخدع الناظر إليها بغلافها الملوّن البرّاق (ظاهراً مِنَ الحياةِ الدنيا)، والثانية غير ظاهرة للعيان، وهي تحتاج لاكتشافها إلى إعمال التفكير والتدبّر اللذين يفتقدهما عادةً أولئك (الغافِلون) عنها.
والآية (8) تذكّر أولئك المتردّدين في الاختيار النهائيّ: هل هناك من شكٍّ لديكم في أنّ خلق السموات والأرض لم يأت عبثا،ً وأنّ كلّ أمرٍ كانت له بدايةٌ؛ لا بدّ أن تكون له نهايةٌ أيضاً (أجَلٌ مُسَمّى)، وأنّ لقاء الناس بربّهم، والذي ينكره كثيرٌ منهم، أمرٌ واقعٌ لا محالة؟
والآية (9) دعوةٌ صريحةٌ موجّهةٌ إلى العقل ليتّعظ ويعتبر بمصائر الأمم التي سبقت، وقد كانت أكثر قوّةً وأزهى حضارةً، ولكنّها انتهت، مع ذلك، إلى مصيرها المحتوم، ففيمَ الانتظار يا أصحاب العقول الكبيرة لاتّخاذ القرار الصائب والعودة إلى الله قبل فوات الأوان؟
وهكذا يستمرّ الخطاب العقليّ هو المسيطر على الآيات، مهما تشعّبت موضوعاتها، وتعدّدت محاورها، وتنوّعت ألفاظها وتعبيراتها.


فماذا حول الخطاب الإنجيليّ، مثلاً، على سبيل المقارنة؟
لكي أتمكّن من الخروج بمقارنةٍ علميّةٍ قابلةٍ للقياس بين الخطابين، القرآنيّ والإنجيليّ، فرّغت نفسي لإعادة قراءة العهد الجديد قراءةً خاصّةً غايتها الكشف عن عدد المرّات التي يتطرّق فيها لذكر العقل أو التفكير أو ما يشتقّ منهما أو يتّصل بهما.
ولم تكن دهشتي كبيرةً بنتيجة البحث، حين لم أعثر في أيٍّ من الأناجيل الأربعة على أيّ ذكرٍ، صريحٍ أو غير صريح، للدعوة إلى التفكير أو التبصّر أو إعمال العقل – لنتذكّر هنا أنّ هذا لا يقدح في المسيحيّة، لأنّها، كما أكّدنا، تمثّل مرحلةً فكريّةً معيّنةً مرّت بها الحضارة الإنسانيّة – وإنّما عثرتُ فيما أُلحق بهذه الأناجيل، من رسائل بولس وبطرس وآخرين، على ثمانية مواضع فقط فيها إشاراتٌ حييّةٌ، وأحياناً غير واضحة، إلى تلك الجوانب. وأوردُ فيما يلي الحالات الثماني حسب ترتيب ورودها في العهد الجديد:
- وصَلاتي لأجلِكم هي هذه: أن تزداد محبّتُكم عمقاً في المعرفة والفهم [فيلبي: 1: 9]
- .. ونسألُ اللهَ أن يملأكم بمعرفةِ مشيئته وبالحكمة والفهم الروحيّ [كولوسي: 1: 9]
- فما أعطانا اللهُ روحَ الخوف، بل روحَ القوّةِ والمحبّة والفطنة [تيموثاوس الثانية: 1: 7]
- وإذا كان أحدٌ منكم تنقصُه الحكمة، فليطلبْها من الله ينلْها، لأنّ اللهَ يعطي بسخاءٍ ولا يلوم [يعقوب: 1: 5]
- .. ومَن نَقَصَتْه هذه الفضائلُ كان أعمىً قصير النظر [بطرس الثانية: 1: 5- 9]
- ونعرفُ أنّ ابنَ الله جاء، وأنّه أعطانا فهماً ندركُ به الحقّ [يوحنّا الأولى: 5: 20]
- أمّا أولئك فهم يُهينون ما يَجهلون، في حينَ أنّ ما يعرفونه بالغريزة معرفةَ البهائمِ غيرِ العاقلةِ هو الذي به يَهلكون [يهوذا: 1: 10]
- من كان له أذُنان، فليَسمعْ ما يقولُ الروحُ للكنائس: "أَجعلُ الغالبَ يأكلُ من شجرةِ الحياةِ في فردوسِ الله" [رؤيا يوحنّا: 2: 7]
أمّا في الحالات النادرة التي يلجأ فيها الخطاب البولسي (رسائل بولس) إلى الحوار العقلي، بل لنسمّه (الفلسفيّ) لأنّه يفلسف أبسط الحقائق المتعارف عليها عقليّاً، فإنّه يلغي وظيفة العقل، والحكمة البشريّة، والذكاء الإنسانيّ، ويجعل منها حماقة:
- فالبشارةُ بالصليب حماقةٌ عند الذين يسلكون طريقَ الهلاك. وأمّا عندنا نحن الذين يسلكون طريقَ الخلاص، فهو قدرةُ الله. فالكتابُ يقول:"سأمحو حكمةَ الحكماء، وأزيلُ ذكاءَ الأذكياء" فأين الحكيم؟ وأين العلّامة؟ وأين المُجادلُ في هذا الزمان؟ أمَا جَعل الله حكمةَ العالِم حماقةً؟ فالعالِمُ بحكمتِه عجِزَ عن معرفةِ الله في أعمال حكمته، فشاء اللهُ أن يخلّصَ المؤمنين بحماقةِ البشارة! وإذا كان اليهودُ يطلبون المعجزات، واليونانيّون يبحثون عن الحكمة، فنحن ننادي بالمسيح مصلوباً [كورنثوس الأولى: 1: 18- 23]
وبعد أن يسوّغ بفلسفته "صَلب المسيح"، ويجعل منها حكمةً، ومِن رفْضِها حماقةً بشريّة، يعود في موضعٍ آخر، وبالفلسفة الخاصّة به نفسها، والتي لا نجدها في أيٍّ من الأناجيل الأربعة، فيلغي الإيمان، ويلغي أحكام الشريعة، ثمّ يجعل مَن عَمِلَ بها ملعوناً، بل، أكثر من ذلك، يجعل من الشريعة ومن المسيح نفسه (ع) لعنةً:
- أمّا الذين يتّكلون على العمل بأحكام الشريعة فهم ملعونون جميعاً. فالكتاب يقول: "ملعونٌ مَن لا يثابر على العمل بكلّ ما جاء في كتاب الشريعة!" وواضحٌ أنّ ما مِن أحدٍ يتبرّر عند الله بالشريعة، لأنّ "البارّ بالإيمان يحيا"، ولكنّ الشريعة لا تقوم على الإيمان، لأنّ "كلّ من عمل بهذه الوصايا يحيا بها"، والمسيح حرّرَنا من لعنة الشريعة بأن صار لعنةً من أجلنا، فالكتاب يقول: "ملعونٌ كلُّ من مات معلَّقاً على خشبة"، وهذا ما فعله المسيح.. [غلاطية: 3: 10- 14]
طبعاً، عقلنا البشريّ، كما قدّر بول نفسه، لن يتحمّل هذه الفلسفة الغريبة عن المنطق الإنسانيّ، والتي تجعل من الصلب نعمةً، كما تجعل منه لعنةً في الوقت نفسه، وتجعل من الخروج على قواعد الشريعة تحرّرا وتبرّراً واقتراباً من الله. وبغضّ النظر عن قبولنا أو رفضنا لهذه الفلسفة، فمن الواضح أنّها، وباعتراف بولس نفسه، ليست فلسفةً بشريّةً عقلانيّة، لأنّها خارج نطاق التفكير البشريّ." (1)
ولكنّ الواقعيّة النبويّة، في الوقت نفسه، لم تكن لتتخلّى عن طرح لقطاتٍ إعجازيّةٍ لصور "الحقيقة" السماويّة العليا التي قد ينظر إليها غير المؤمن على أنّها مجرّد "خيالاتٍ"، أو "أحلامٍ"، أو "هواجس" تتناقض مع الواقعيّة التي يحاول الرسول  أن يؤكّدها للناس في كلّ مناسبة.
فهو حين يصرّ في تصرّفاته وأحاديثه على أنّه بشرٌ مثلُنا، مؤكّداً لما جاء به النصّ القرآنيّ على لسانه "قُلْ إنّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُم يُوحَى إليّ"، فإنّه، في الوقت نفسه، يعرض أمام قومه، مَن أسلم منهم ومَن ظلّ على شِركه، المستقبَلَ غير المنظور، وربّما غيرَ المحتمل في نظرهم، لهذه الرسالة التي يحملها إليهم، بما فيه مِن أبعادٍ قد تبدو خياليّةً، أو "لا معقولةً"، في عيون قومٍ أمّيّين لم يَعرفوا إلّا حياة الصحراء، وكان أكثر ما يتعيّشون به هو التمر والماء.
لقد كانت هذه التوقّعات النبويّة، بأبعادها الجريئة، تلك التي تجاوزت حدود الزمان والمكان تجاوزاً خطيراً، مجرّد تهيّؤاتٍ" في نظر غير المؤمنين آنذاك. وسنعرض في حينه نماذج من تلك التوقّعات، أو الغيبيّات، وسنرى بجلاء أنّ بعضها قد تَحقّق خلال عقودٍ قليلةٍ، بل ربّما بعد سنواتٍ لا أكثر من وفاة النبيّ ، وتَجَسَّدَ حقائق على الأرض، وأنّ بعضها الآخر ما فتئ يتحقّق أمامنا يوماً بعد يوم، على مدى القرون المتوالية، وحتّى الآن.


بين مثاليّة السماء وواقعيّة الأرض
هذه المدرسة الواقعيّة النبويّة تجرّنا إلى السؤال الكبير الذي سيكون محور اهتمامنا في هذه الدراسة: هل هناك تناقضٌ بين تعاليم السماء والواقع الأرضيّ؟ وهل الابتعاد عن تعاليم السماء يعني الاقتراب من الواقع الأرضيّ؟ أم سيكون ابتعاداً عن الواقع الأرضيّ وعن تعاليم السماء معاً؟ ومَن أدرَى بطبيعة الواقع الأرضيّ، وطبيعة ما يصلح لهذا الواقع وما لا يصلح؟ هل هم أهل الأرض؟ أم هو صانع الأرض، وصانع السماء، وصانع من فيهما؟
عندما نَشْرع في قراءة رسالة السماء إلينا، أيّة رسالةٍ سماويّة، وفي أيّة شريعة، فهل نقرأها وفي أذهاننا بدائل أرضيةٌ جاهزةٌ نخطّط لفرضها، بطريقةٍ أو بأخرى، على النصّ السماويّ أو النصّ النبويّ، فنقول هذه آيةٌ لا بدّ أن تكون منسوخةً، مهما ادّعى المدّعون، وذلك حديثٌ لا بدّ أن يكون مكذوباً، مهما وثّقه الموثّقون؟ أم نقرأهما مُسَلِّمين سلفاً بأنها هي الحقيقة المطلقة وليس قبلها ولا بعدها حقيقةٌ أخرى؟


ماذا نكون قد هيّأنا في أذهاننا، على سبيل المثال، قبل أن نقرأ قوله تعالى في حدّ السّرقة:
- وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة: 38]
أو قبل أن نقرأ قوله تعالى في حدّ الزنى:
- الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: 2]
أو قبل أن نقرأ الأحاديث الشريفة في حدّ الزاني والزانية المُحْصَنَين:
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ قال: قالَ عُمَرُ بن الخطّاب: "لقَدْ خَشِيتُ أنْ يَطُولَ بالنَّاسِ زَمَانٌ، حتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لا نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَهَا اللَّهُ. إلّا وإنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ علَى مَن زَنَى وقدْ أحْصَنَ، إذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أوْ كانَ الحَبَلُ، أوِ الِاعْتِرَاف.. ألا وقدْ رَجَمَ رَسولُ اللَّهِ  ورَجَمْنَا بَعْدهُ". [رواه البخاري]
هل نَدخُل حين قراءتها وفي أنفسنا "شيء" من الاحتجاج الجاهز على هذه "القسوة" التي "لم يعد يتقبّلها إنسان العصر الحضاريّ الحديث"، مثلاً؟
إنّه الإنسان الذي يستفظع قطع يدِ سارقٍ واحدٍ، حتّى إن كان فيه حمايةٌ للملايين من السرقة، ثمّ يسمح لنفسه بعد ذلك بقتل الآلاف، وربّما الملايين من الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، وتشويههم في حروبٍ متتاليةٍ وممتدّةٍ، أو بقنبلةٍ هائلةٍ لا يستهدف بها إلّا تحقيق أهدافه الحربيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة، وربّما الشخصيّة.
هل نقرأها حقّاً كذلك، أم نقرأها ونحن مسلِّمون، سلفاً، بأنّ مصدرها رسول الله، وهو الذي "مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ" [النجم: 3]، أو مصدرها الله، خالق الإنسان، وصانع الحياة، وحكيم الحكماء، وخبير الخبراء، ومنزّل الرسل بالحقّ، مؤمنين به حقّ الإيمان، ومقتنعين بأحكامه الأزليّة، ونحن سعداء ومطمئنّون إلى ما يصيبنا من خيرٍ عميمٍ في إقامة حدوده التي سنّها لنا من أجل حمايتنا من أنفسنا، كما يؤكّد لنا نبيُّه :
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "حَدٌّ – أي إقامةُ حدٍّ على مذنبٍ – يُعْمَلُ بِهِ فِي الأَرْضِ؛ خَيْرٌ لأَهْلِ الأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحاً". [رواه ابن ماجه، وحسّنه الألباني]
المسألة طبعاً ليست بتلك السهولة التي نصبو إليها، ففي النفوس دائماً "شيء" مما يوسوس به الشيطان، وهذا أمرٌ واقع، ولكن مِن المهمّ جدّا للمرء أن يراجع نفسه بين آنٍ وآخر ويُخضِع نفسَه لاختبارٍ دوريٍّ: أيّهما أقوى في نفسك الآن يا بسّام، وأكثر إقناعاً وقَبولاً عندك: الله، أم الشيطان؟ لا تتعجّل الإجابة في مثل هذا الاختبار المصيريّ، لا تفعل قبل أن تتأكد تماماً أنّك وصلت في النهاية إلى مرحلة التسليم المطلق بأنّ حكم االله في نفسك هو المنتصر، وليس حكم الشيطان:
- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال: 24]
إنّ دعوة الله، أو دعوة أنبيائه، إنما هي دعوةٌ لما "يُحْيينا"، ويحمينا، ويسدّدنا، ويؤمّن حياتنا من مخاطر الطريق الصعبة التي نقطعها منذ الولادة حتّى الممات. ولكنْ كثيراً ما يَميل بك قلبك، ويغويك شيطانك، فتبدأ قراءة القرآن الكريم، أو الحديث الشريف، أو أيّ كتابٍ سماويّ، وفي عقلك اعتراضاتٌ جاهزةٌ على ما لا ينسجم مع ميول قلبك وإغواءات شيطانك. وحين تَفيء إلى ضميرك، وتتذكّر أخيراً "أَنَّ اللَّـهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ"، وأنّ أحكام السماء لا يمكن أن تكون إلّا لصالحك، ولصالح البشريّة أجمع، حينئذٍ لا تملك إلّا أن تتراجع عن خطئك إلى الخيار الصحيح، وتشكر للهِ تعالى على أن حالَ بينك وبين ما كان يغريك به شيطانُ نفسك.
بينك وبين الجنّة أو النار كلمةٌ واحدةٌ أنت تختارها. إنّ مشكلة الإنسان مع الشيطان هي نفسها مشكلة آدم وحوّاء منذ أن خُلقا واستمتعا بالجنّة، فوسوس لهما الشيطان فأخرجهما منها، وأهبِطا إلى الأرض:
- فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف: 20]
الطريق إلى الله ليست معبّدةً بالزهور، ولا محفوفةً بما تحبّ في هذه الدنيا من أطايب، وهي أصعب بما لا يقاس من طريق الشيطان، فلا بدّ من اتّخاذ القرار الصحيح أوّلاً، ومن الثقة بأنّك في الطريق الآمنة ثانياً، ومن الثبات عليها ثالثاً:
- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَات – أي إنّ الطريقَ إلى الجنّةِ حافلةٌ بالصعاب، والطريقَ إلى النارِ حافلةٌ بالمُتَع والملذّات –". [رواه مسلم]
أقول في كتابي (نبويّون أكثر من النبيّ؟ إعادة قراءة النصّ الدينيّ):
"هناك وسيلتان ناجعتان لإلغاء أيّ دين، وتفريغه من محتواه الأصلي، وتجريده من كلّ مقوّماته الحقيقيّة:
الأولى: إلغاء دور اللغة التي نزل بها، وتجريدُها من وظائفها، ووضع العربة فيها أمام الحصان، فيقود المعنى اللغة، ولا تقود اللغةُ المعنى، بحيث نَحرف الكلمات عن معانيها المعروفة، ونقلب مدلولاتها البدهيّة والمنطقيّة لتكون تبعاً لما في رؤوسنا، وليس تبعاً لما في اللّغة، فيصبح الأبيض أسود، والأزرق أحمر، والجنّة هي النَّسخ، وجهنّم هي المَسخ، و و و.. وهكذا سيكون باستطاعتنا قلبُ هذا الدين ليكون أيَّ دينٍ آخر إلّا الدين الأصليّ.
ويدخل في هذا الباب، وبحسن نيّةٍ، ومع تفهّمٍ شديدٍ لمحدوديّة علومهم في تلك العصور، ما لجأ إليه المفسّرون القدماء من ليّ عنقِ عديدٍ من آيات الإعجاز العلميّ بحيث تتّفق معانيها مع سقف علومهم وحدود ثقافة عصرهم، كما سوف نفصّل القول فيما بعد.
والوسيلة الثانية: تجريد النبيّ، أي نبيّ، ومن غير التجرّؤ على التصريح بهذا غالباً، من صلاحيّات نبوّته، ومن قدسيّة أحكامه، ومن التنزّه عن الخطأ التشريعيّ، وإعارة ثوب النبوّة، بل ربّما الألوهيّة، لبديلٍ إنسانيٍّ غيره، فتطغى أحكام هذا "البديل الإنسانيّ" على أحكام النبيّ، وأقوالُه على أقواله، وصلاحيّاتُه على صلاحيّاته، وقدسيّتُه على قدسيّته، بحيث يرفض الأتباع المدّعون لهذا النبي قولَ نبيّهم، وربّما قول ربِّ نبيّهم أيضاً، إذا تعارض مع البديل الإنسانيّ الذي أحلّوه محلّهما. ويقطع بهذا الأمر نبيّ الإسلام (ص) حين يؤكّد أنّ هذه الممارسة ما هي إلّا عبادةٌ، حتّى إن سمّوها بأسماءٍ أخرى:
- عن عديِّ بنِ حاتمٍ: "أنّه قَدِم على النَّبيِّ  وهو نصرانيٌّ – أي قبل أن يُسلم – فسمعه يقرأُ هذه الآيةَ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إلّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 30]. قال: فقلتُ له: إنَّا لسنا نعبدُهم. قال: أليسَ يُحرّمون ما أحلَّ اللهُ فتحرِّمونَه، ويحلُّون ما حرَّمَ اللهُ فتحلُّونَه، قال: قلتُ: بلى. قال: فتلك عبادتُهم". [رواه ابن تيمية في (حقيقة الإسلام والإيمان)، وللتِّرمِذي روايةٌ شبيهةُ حسّنها الألباني]
كم منّا مَن يُلقي بكلمةِ خيرٍ فترفعه إلى أعلى علّيّين في الجنّة، وآخر يلقي بكلمةٍ شيطانيّةٍ هكذا على عواهنها، فتهوي به في قعر جهنّم:
- عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ  قال‏:‏‏ "‏إنَّ العبدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكلمةِ مِن رِضوانِ اللهِ تعالى – أي ممّا يُرضي اللهَ – ما يُلقي لها بالاً؛ يرفعُهُ اللهُ بها درجات، وإنَّ العبدَ لَيتكلَّمُ بالكلمةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تعالى لا يُلقي لها بالاً؛ يَهوي بها في جهنّم‏". [رواه البخاري]
إنّها نفسها مشكلة ابن نوحٍ وهو يقف أمام الخيارين المصيريّين: الاستجابة لنداء السماء، والانضمام إلى أبيه وهو يدعوه إلى النجاة والركوب معه في السفينة، أو الاستجابة لصوت شيطانه وهو يوسوس له بأنّ الجبل، وليس الله، سيعصمه من الغرق، فكان أن اختار، في لحظة ضعفٍ شيطانيّة، الطريق إلى الهاوية.
وإنّها نفسها مشكلة الوليد بن المغيرة، مرجع قريشٍ الذي لا يُبارى في اللغة والأدب والبلاغة، وقد طلبوا منه أن يُبدي لهم حُكمه في لغة القرآن الكريم، فقالت له نفسه السليمة، في لحظة قوّةٍ أتاحتها له السماء، أن يقول الحقيقة، ولا شيء إلّا الحقيقة:
- "واللهِ ما فيكم رجلٌ أعلمُ بالأشعارِ منّي، ولا أعلَمُ برَجَزِه ولا بقصيدِهِ منّي، ولا بأشعارِ الجِنّ، واللهِ ما يُشْبهُ الذي يقولُ شيئاً مِن هذا، وواللهِ إنّ لِقولِه الذي يقولُ حلاوةً، وإنّ عليه لَطُلاوةً، وإنّه لَمُثمرٌ أعلاه مُغْدِقٌ أسفلُه، وإنّه لَيعلو وما يُعلَى، وإنّه لَيَحْطِمُ ما تحتَه" [رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين]
ولكنّ نداء الأرض، وصوت الشيطان في داخله، تغلَّبا في اللحظة الأخيرة على نداء الحقّ، فتراجع في لحظة ضعفٍ مستدركاً ما سبق أن قال:
- ثُمَّ نَظَرَ ﴿٢١﴾ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴿٢٢﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ﴿٢٣﴾ فَقَالَ إِنْ هَـٰذَا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿٢٤﴾ إِنْ هَـٰذَا إلّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴿٢٥﴾ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴿٢٦﴾ [المدّثّر: 21-26]
وكانت هي نفسها مشكلةَ أبي طالب، عمّ النبيّ ، ومربّيه وراعيه بعد وفاة أمّه وجدّه، والمدافعُ عنه أمام أذى المشركين واعتداءاتهم عليه، وذلك عندما وجد نفسه أخيراً وجهاً لوجهٍ أمام لحظة الموت. إنّها لحظة الصدق، والنبيُّ يدعوه، وهو في غرغرته الأخيرة، إلى النطق بعبارةٍ واحدةٍ لا أكثر (لا إله إلّا الله) تسمح للرسول بأن يشفع له أمام الله، ولكنّ نداء الأرض، والضعف الإنسانيّ، وكبرياء الجاهليّة، تغلّبت في النهاية على صوت الحقّ ونداء السماء، فهوت به في العذاب الأبديّ". (2)


* * *


عندما ترافقونني في رحلتي مع هذا الكتاب؛ ضعوا في أذهانكم وفي وعْيكم باستمرار؛ هذا الميزان الذي من شأنه أن يحافظ في داخلكم على المعادلة المصيريّة بين السماء والأرض، لتُمسكوا بين طرفَي المعادلة بشكلٍ سليمٍ، وآمنٍ، ومتوازن،ٍ وعقلانيّ.
اسألوا أنفسكم وأنتم تبدأون قراءة كلّ فصل: هل أنا جاهزٌ/جاهزةٌ لسَماع حُكم السماء؟ أم سيتغلّب عندي حُكمُ الأرض؟ هل سيكون الله معي فيَحُول بيني وبين شيطان قلبي؟ أم إنّ قلبي وشيطاني سيَحُولان بيني وبين الله؟



(1) Legacy Publishing. London. 2008. P. 187-191.
(2) (نبويّون أكثر من النبيّ؟ إعادة قراءة النصّ الدينيّ). دار السلام، القاهرة: 2017. ص: 305-308.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...