يتوهمُ بعضُ الناسِ أنَّ الحياةَ الصالحةَ تنافي متعَ المدنيةِ الصحيحةِ ، وتجعلُ الأممَ كجماعاتٍ منْ المتبتلةِ ، لا يتسعُ لهمْ الوقتُ لغيرِ القيامِ بالواجباتِ الدينيةِ ... وهذا لا يصحُّ مطلقاً أن يُوصَمَ بِهِ الإسلامُ بعدَ قولِهِ تعالى : [قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ] {الأعراف:32} الإسلامُ لم ٍ يحرِّمْ على إنسانٍ متعةًَ منْ متعِ الحياةِ الصالحةِ ، بلْ أباحَها بشرطِ أنْ لا تدفعَ بهِ إلى عالمِ الحيوانيةِ ، فهوَ يحرمُ الخمرَ والمقامرةَ ، ومنْها هذا اليانصيبُ الشائعُ منْ غيرِ نكيرٍ ، يحرمُ البغاءَ والتهتكَ وكلَّ ما ينافي كرامةَ الإنسانيةِ ، ويحطُّ منْ قيمتِها ، وهيَ صفاتٌ قررَ العلمُ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ أنها آفاتٌ يجبُ تجنُّبُها ، ؛ لما يبتني على شيوعِها منَ العللِ الاجتماعيةِ الخطيرةِ .
فإذا كانَ منْ الناسِ مَنْ يزعمُ أنَّ الحياةَ لا تكونُ هنيئةً سعيدةً إلا إذا أبيحتْ فيها هذِهِ المحظوراتُ ، فقدْ أخطؤوا خطأً كبيراً ، وضلوا ضلالاً بعيداً .
فإنَّ الذي يرى أنَّ هناءتَهُ لا تتحققُ إلا إذا أبيحَ لهُ أنْ يتعاطى السوائلَ السامةَ المضللةَ للعقلِ ، وأنْ يلقيَ بمالهِ جزافاً في اللعبِ بالورقِ وفي اليانصيبِ ، وأنْ يتركَ ما أُحِلَّ لهُ ، منْ الزوجيةِ الطاهرةِ ، ويجري وراءَ الساقطاتِ في الشوارعِ والأزقةِ ، وأنْ ينتهكَ حرماتِ الآدابِ ، ويغريَ فاسداتِ الأخلاقِ على انتهاكِها ، وأنْ يأتيَ كلَّ ما بدا لهُ محلولَ الرسنِ ، لا يبالي أحفظَ كرامةَ الإنسانيةِ أمْ أهانَها !... أقولُ إنَّ الذي لا يرى لهُ هناءةً إلا في هذهِ المقاذرِ المنكرةِ ، فهوَ ضالٌّ عنْ طريقِ الهناءةِ الصحيحةِ ، التي لا يشوبُها كدَرٌ مما يتمتعُ بهِ المؤمنونَ المتدينونَ ، وينعمونَ فيهِ .
إنَّ لصفاتِ الكمالِ الساميةِ لذاتٌ يشعرُ بها المحافظونَ عليها ، وينظرونَ على أهلِ الإباحةِ نظرَهمْ إلى المحرمينَ منْ مباهجِ الحياةِ ونعيمِها .
فاتقوا اللهَ أيُّها المسلمونَ ، ولا يغرنَّكم أنَّ للإباحيةِ دولةً في أرقى أممِ الأرضِ اليومِ ، ولا تغفلوا عنْ أنَّها السببُ المباشرُ لكلِ ما فيهِ هذهِ الأممُ من أزماتٍ اقتصاديةٍ ، وعللٍ اجتماعيةٍ ، عجزتْ مدنيتُها أنْ منْها إلى حلِّ حاسمٍ ، فمنْ كانَ ضارباً مثلاً فليضربْهُ بالسليمِ المعافى ، لا بالمريضِ الذي يتطلبُ العلاجَ فلا يجدُهُ ، فهوَ يعيشُ في جحيمٍ منَ الحياةِ ، ولعذابُ الآخرةِ أشدُّ .