ورد ذكر الحظ في كتاب الله تعالى في غير ما آية، من ذلك قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 176]، وقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، وقوله تعالى عن قارون: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص: 79]، وقوله تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35].
قال أبو حيان الأندلسي: "الحظ هو البخت والسعد". وقال ابن عاشور: "وأصل الحظ القسم الذي يُعطاه المقسوم له عند العطاء"، وقال أيضًا: "الحظ: النصيب من شيء نافع". قال ابن عطية: "والحظ إذا لم يقيد فإنما يستعمل في الخير، ألا ترى قوله تعالى: وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ". ومعنى الحظ في هذه الآيات هو القسم أو النصيب، سواء قسم الكفار ونصيبهم يوم القيامة، أم قسم الأنثى من الميراث، أم قسم قارون من الدنيا. فإن كان ذلك القسم أو النصيب شيئًا حسنًا قيل فيه: له نصيب وافر من السعادة وهو الحظ العظيم، وإن كان غير ذلك قيل نصيب سيء ومصير هالك وعُبّر عنه بـ: ليس له حظ.
الذي يعرف أن فلانًا له حظ عظيم أو حظ وافر سعيد، أو غير ذلك؛ هو الله سبحانه وتعالى، ذلك أن معرفة ذلك من الغيب الذي استأثر الله تعالى به، ولا يمكن للبشر معرفة ذلك مهما أوتوا من قوة وعلم، ولم يجعل الله تعالى للبشر إذ سخر لهم الكون وأمرهم بالنظر في ملكوته؛ أن يصلوا من وراء ذلك إلى معرفة الغيب الذي أخفاه عنهم، وإنما أراد من وراء ذلك أن يستدلوا به على عظمة الخالق إذ يروا آثار قدرته وأنه وحده المستحق للعبادة، فيزداد بذلك إيمانهم به، ويذعنوا له بالعبودية والانقياد.
ضلَّ في ذلك طوائف من البشر ممن نظر في ملكوت السماوات والأرض، وأطلعه على الله تعالى على بديع آياته فيهما؛ فراح يزاحم الله تعالى في خصائص ألوهيته بدل أن يصرف الألوهية كلها لله تعالى، فيدعي أن ما عرفه ورآه من آيات الله تعالى إنما هي علم ودليل يهديه لمعرفة أسباب الغيب، فراح يخبر بما وراءه من أحداث ستكون للبشر أو للكون، ومن ذلك من نظر فيما يعرف بالأبراج.
والأبراج هي مواقع فلكية لها أسماء معينة، وهي اثنا عشر أو ثلاثة عشر برجًا (الحمل، والثور، والتوأمان، والسرطان، والأسد، والعذراء، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، وحواء). يظهر كل برج منها في وقت من أوقات السنة، فراح هؤلاء الذين عرفوا ذلك يربطون بين طلوع البرج في وقت ما ومَن ولد في نفس الوقت بأنه سيحدث له كذا، وستكون صفاته كذا، وسيموت في وقت كذا، ثم في هذه الأزمان التي انتشرت فيها وسائل التواصل الاجتماعي ذاع صيت الأبراج والرجوع إليها، وتتبع أخبارها أيضًا.
وكل ذلك من التنجيم والكهانة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه، وبين إثم من يعتمد عليها ويأتي أهلها لمعرفة الغيبيات فقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أخوفَ ما أخافُ على أمَّتي في آخرِ زمانِها: النجومُ، وتكذيبٌ بالقدر، وحَيْفُ السلطانِ» رواه الطبراني. وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَرَّأَ هَذِهِ الْجَزِيرَةَ مِنَ الشِّرْكِ وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تُضِلَّهُمُ النُّجُومُ» رواه أبو يعلى. وعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ» رواه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم: «من أتى كاهنا، أو عرافا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد» رواه أحمد.
والتنجيم هو: "التنبؤ بالمستقبل والتكهن بما سيقع من أحداث، بواسطة النظر إلى الكواكب والنجوم، ورصد حركاتها ومنازلها المقسمة على مدار الأشهر والسنة، وأن لها تأثيرًا على مصائر الناس، وقراءة الأبراج تطمح إلى هذه الغاية، فهي تربط مصائر الناس بتاريخ ميلادهم وبأسمائهم، وبعلاقاتهم مع الكواكب والأبراج، وبالتالي فالأبراج نوع من التنجيم المحرم". وليت الأمر اقتصر على ما كان عليه قديمًا من الاكتفاء بمعرفة أن فلانًا برجه كذا وسيحدث له كذا، فهذا ربما ينساه الشخص، أو يحدث في حياته ما يتوب منه أو يغفر له.
ولكن الأمر في زمن وسائل التواصل تفاقم كثيرًا جدًا، وجعل هذه العقيدة ملازمة لكثير من الناس في كل يوم، وذلك عن طريق تربصهم الإذاعة الصباحية، أو الإعلان الصباحي عبر الصحف والمجلات والمنصات الإلكترونية كل يوم التي يُذاع فيها أخبار الأبراج، وما سيحدث لصاحب كل برج في هذا اليوم، ويقال له: حظ سعيد، أو حظ سيء، أو صاحب برج الحوت ستصيبه نوبة غضب، ويُقال لصاحب برج الجدي لا تضغط نفسك اليوم، وصاحب برج الميزان ستغضب من زوجتك، وغيرها مما هو مذاع في تلك الصحف أو المنصات وغيرها، وربما حمل ذلك البعض على التوقف عن عمله ذلك اليوم، أو إلغاء سفره، كما كان أهل الجاهلية يفعلون من الطيرة، وسواء كان الرجل يعتقد ما يفعله أم لا؛ فهذا الحال خطير على عقيدته وتوحيده لأن الغيب الذي يخبرون به لا يعلمه إلا الله تعالى.
يقول الشيخ الشثري: "كتاب الأبراج ثلاثة أصناف، فمنهم من يعتقد أن الأبراج لها تأثير في الكون، وهذا شرك في الربوبية، ومنهم من يعتقد أنه يجوز أن نتوجه إليها طالبين إصلاح أحوالنا، وهذا شرك في الألوهية والعبودية، ومنهم من يعتقد أن هناك ارتباطاً بين النجوم والحوادث الكونية، وهذا الاعتقاد خاطئ، وهو من أنواع الشرك الأصغر؛ لأن فيه نسبة للحوادث والوقائع لغير ما ثبت تسببه في وقوعها".
وإن من السفه أن يعتقد العاقل في الأبراج ما يُقال عن أصحابها مما سيحدث لهم، أو عن صفاتهم ونحو ذلك؛ والبشر مختلفو الطبائع والعادات والتقاليد والشرائع أيضًا، وكل ذلك يؤثر في تصرفاتهم اليومية ويكسبهم مهارات وخبرات وتصورات للحياة، مما يجعلهم مختلفين في تعاملاتهم اليومية؛ فكيف يُقال: من كان برجه كذا فصفته كذا وسيحدث له كذا، وأصحابها يعيشون في بلدان مختلفة، ويعملون أعمالًا مختلفة، وهم في أعمار مختلفة أيضًا! وصدق الله إذ يقول: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 36].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أخوفَ ما أخافُ على أمَّتي في آخرِ زمانِها: النجومُ، وتكذيبٌ بالقدر، وحَيْفُ السلطانِ» رواه الطبراني.
1. شاع بين الناس هذه الأيام التعلق بالأبراج، وادعاء معرفة الغيبَ من خلالها، وذلك من التنجيم الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2. التنجيم هو: "التنبؤ بالمستقبل والتكهن بما سيقع من أحداث، بواسطة النظر إلى الكواكب والنجوم، ورصد حركاتها ومنازلها المقسمة على مدار الأشهر والسنة، وأن لها تأثيرًا على مصائر الناس".
3. "وقراءة الأبراج تطمح إلى هذه الغاية، فهي تربط مصائر الناس بتاريخ ميلادهم وبأسمائهم، وبعلاقاتهم مع الكواكب والأبراج، وبالتالي فالأبراج نوع من التنجيم المحرم".
بقلم: د. عبد المعين الطلفاح
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


