الحصون المهجورة

الحصون المهجورة

التصنيف: فقه الدعوة
الخميس، ١٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ - ٣٠ تشرين الثاني ٢٠١٧
2222

عندما كنا صغارا نصلي في المسجد كنا لا نفهم ولا نعرف كثيرا مما كان يفعله المصلون من هذه الأمور التي كنت لا أفقهها ، عندما كان يسلِّم الإمام عن يمينه وشماله من الصلاة كان المؤذن الذي أذن للصلاة وأقامها يبدأ بقراءة الأذكار التي لم أكن أحفظ منها شيئا ، فمثلا كان يصيح بأعلى صوته : (الله لا إله إلا هو الحي القيوم)، ثم يسكت ويتمتم في داخله هو وجميع المصلين، ثم بعد أن يكملوا ينفخوا في أكفهم ويمسحوا وجوههم وصدورهم بأيديهم ، وكنت في كثير من الأحيان أفعل الشيء نفسه دون أن أفهم أو أفقه شيئا. كان الأمر بالنسبة لي غريبا وعجيبا!! كان مفعوله عليّ كالسحر أـو كالحلم الجميل الذي لا تريده أن ينتهي .

وعندما كبرت بدأت أفهم ماذا يفعل المصلون أدبار الصلوات، وماهي الأذكار التي يقرؤونها ، ولماذا يمسحون بها وجوههم وأجسامهم، وما أثر ذلك عليهم في حياتهم ومعادهم .

نعم إنها الأذكار ، أذكار الصباح والمساء وأذكار أدبار الصلوات، وأذكار الخروج والدخول، أذكار لكل زمان ولكل مكان، أذكار تستوعب المكان والزمان حتى إنها لا تترك منهما شيئا أبدا . وفي هذا العجالة لا أريد أن أتكلم عن الأذكار ؛ أنواعها وأزمانها وأعدادها ولاعن أجورها وحسناتها وفضلها .

أريد أن أُجري مداد قلمي في تذكرة لي ولمن يقرأ كلماتي (لعله يتذكر أو يخشى) أريد أن أنفض غبار الهجران والبعد عن حصون مهجورة وقلاع متروكة وجدر فارغة ،تركها ساكنوها وغادروها إلى فلاة بلا زرع تتناوشهم ذئاب الإنس والجن لا يجدون ملجأ ولا فراراً. 

أريد أن أسلط الضوء على جانب ٍ عظيم الخطر من جوانب الذكر ألا وهو التحصين بالأذكار والأدعية الشرعية القرآنية والنبوية ، والتدرع بها، وخوض غمار هذه الحياة ونحن شاكين سلاح الأذكار، متهيئين للأعداء، متحصنين بحصن الله العظيم ..

إن كثيراً من الناس لا يقرأ الأذكار وإذا قرأها تلاها بقلب لاهٍ ساهٍ لا يفقهها، بل الكثير يتلو الأذكار يرجو فضلها ولا ينظر إليها أنها من أعظم ما تحصن به الإنسان واحتمى به من شرور أعدائه من الإنس والجن، ومن الأمراض والأسقام وأنواع الهموم والغموم وضيق الصدر والحسرة والعين والحسد.

فتراه يخرج من بيته كساع إلى الهيجا بغير سلاح مهيض الجناح متهدم الأركان تحيط به الهموم من كل جانب كإحاطة السوار بالمعصم يمشي يتلفت خائفا يترقب . 

ألا يعلم أن الأذكار والأدعية تحفظ المسلم من الضر والأذى بجميع أنواعه بإذن الله تعالى ..

قال تعالى: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) الرعد:11

روى عكرمة عن ابن عباس قال: ( يحفظونه من أمر الله ) ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء قدر الله خلوا عنه . 

وقال مجاهد : ما من عبد إلا وله ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال له الملك : وراك ، إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه (تفسير ابن كثير 4/ 438)

ألا يعلم المسلم أن الله خالقه هو خالق هذا الكون ومدبره ولا يكون شيء الا بإذنه ومشيئته ولا يتعوذ الا به وبأسمائه وكلماته قال تعالى : (قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون) الانبياء:42

وفي الحديث القدسي الذي يرويه الإمام أحمد : " من أعظم مني جودا وكرما وأنا الجواد الكريم عبيدي يبيتون يبادرونني بالعظائم وأنا أكلؤهم في مضاجعهم وأحرسهم في فرشهم".

يكفي الأذكار عزا وعظمة أنها تربطك بالخالق المدبر {فاذكروني أذكركم }.

ويكفيها أثرا في الإنسان عقلا وقلبا وجسدا قول النبي (صلى الله عليه وسلم) : " مثل الذي يذكر ربه والذي لايذكر ربه مثل الحي والميت " رواه البخاري.

وأعظم تشبيه للأذكار بالحصون والقلاع في الحديث الطويل الذي يرويه سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) عن نبي الله يحيى بن زكريا ونبي الله عيسى ابن مريم (صلى الله عليهما وسلم ) : {وآمركم أن تذكروا الله تعالى فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى إلى حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله } رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم. 

لذلك كانت الأذكار والدعوات والتعوذ بالله وبأسمائه وصفاته وكلماته من أعظم الحصون المانعة من الأعداء والأمراض والأسقام والهوام ..

لكن السؤال إنه بالرغم من أن حفظ هذه الأذكار وقراءتها ميسرة للصغير والكبير فهل يا ترى أنها تقرأ في الصباح والمساء مع استشعار عظمتها وفائدتها المرجوة .. 

أليس في قراءتها التمسك بأعظم أسباب الحفظ من الخالق العظيم ؟؟

أليس في هذه الأذكار من الأسرار والغيب وتأثيرها في المخلوقات حيها وجمادها ما لا يعلمه الا الله الخالق المدبر ؟؟

أنظر في دعاء النبي ( صلى الله عليه وسلم ) الذي كان يعلمه لأصحابه : "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ".

ما أعظم هذا الذكر والدعاء.!! وما أعظم أسراره وما أعظم أثاره ، فبأيِّ كلمات أنت تتعوذ والله عز وجل يقول : ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) الكهف:109

ويقول عزَّ من قائل : ( ولو أنما في الارض من شجرة اقلام والبحر يمده من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات الله أن الله عزيز حكيم ) لقمان:27

هل فقهنا بأيِّ كلمات نتعوذ؟؟ 

كلمات لها مبتدأ وليس لها منتهى.. إنها كلمات الله، كلمات التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم .

ولو نظرنا لدعاء الاستشفاء ( أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ) 

الله أكبر أنت تتحصن بعزة الله العزيز وبقدرته اللامتناهيه وسلطانه على كل شيء في هذا الكون .

بل الأعجب في دعاء الهم والغم :( اللهم أني أسألك بكل أسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أستأثرت به في علم الغيب عندك ) .

يعلمنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن نسأل الله ونرجوه ونتوسل إليه بأسمائه لكن بأي أسماء ؟! 

أسماء هي من الغيب والأسرار التي لا نعرفها ولا نعرف عظمتها ولا نعرف تأثيرها علينا وعلى كل ما حولنا إنها أسماء قد تكون أنزلت في الكتب السابقة للقرآن أو أسماء علمها الله عز وجل لمخلوقين لا نعرفهم أو أسماء تسمى بها الرب سبحانه وتعالى واختص نفسه بها وبمعانيها وأسرارها .

يكفي أن تعلم أن اسماً واحداً له من التأثير ما لا يعلم حده وحدوده الا الله ، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم ) : ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر - أقطع - أجذم ) رواه أبن حبان. 

فكيف إذا دعوت الله وتعوذته بأسمائه وصفاته وكلماته فما تأثير ذاك عليك وعلى ما حولك في عالمي الغيب والشهادة وعلى أنواع الشرور صغيرها وكبيرها وعلى الفتن ما ظهر منها وما بطن .

يقول أبن القيم في تعليقه على دعاء : "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق " :"أي من كل شر في أي مخلوق قام به الشر من حيوان أو غيره إنسيا أو جنيا أو هامة أو دابة أو ريحا أو صاعقة أو أي نوع من أنواع البلاء في الدنيا والاخرة."

إذا النتيجة العظمى التي لا محيص عنها ولا حيدة ولا مهرب "أنه لا يستطيع أن يعصمك من الشر الذي لا يقدر عليه إلا الله سوى الله ."

والعجيب في هذه الحصون والقلاع أقصد الأذكار والأدعية أن لها تأثيرا عجيبا في منع وصد أذى الاعداء من الإنس والجن ، ثم لو أن الأذى وقع فإنه لا يؤثر أثرا بينا فهي تدفعه وتخففه، وكذلك إنها تزيل آثار ذلك الأذى والاعتداء.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عن العين وعن تأثير الاذكار والتحصن بها : "وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين، تصيبه تارة وتخطئه تارة فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه أثرت عليه ولابد، وإن صادفته شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه وربما ردت السهام على صاحبها وهذا بمثابة الرمي الحسي " زاد المعاد 4/68

ويقول ايضآ : " واعلم أن الأدوية الطبيعية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يقع وقوعاً مضرا وإن كان مؤذيا ، والأدوية الطبيعية إنما تنفع بعد حصول الداء ،فالتعوذات والأذكار إما أن تمنع وقوع هذه الاسباب وإما أن تحول بينها وبين كمال تأثيرها بحسب كمال التعوذ وقوته وضعفه فالرقى والعوذ تستعمل لحفظ الصحة وإزالة المرض " زاد المعاد 4/149

السلاح بضاربه ...

وتبقى هنا قضية مهمه جدا فقد يشكو الكثير أنه يتلو هذه الأذكار ويتعوذ بالمأثور من قرآن وسنة ثم لا يجد آثاراً عظيمة مما يتلو ويقرأ !! 

فجواب ذلك أن المؤثر النافع هو الذكر على الدوام مع حضور القلب، فأما الذكر باللسان والقلب لاهٍ غافلٍ فهو قليل الجدوى كما قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : "واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافلٍ لاهٍ " رواه الترمذي والحاكم وابن حبان .

يقول الإمام ابن القيم : " وكل قول رتب عليه الشارع ما رتب عليه من الثواب إنما هو القول التام كقوله (صلى الله عليه وسلم ) : "من قال في يوم : سبحان الله وبحمده مائة مرة حطَّت عنه خطاياه أو غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر " .

وليس هذا مرتبا على قول اللسان فقط ، نعم من قالها بلسانه غافلاً عن معناها معرضاً عن تدبرها ولم يواطئ قلبه لسانه ولا عرف قدرها وحقيقتها ، راجيا مع ذلك ثوابها حطت من خطاياه بحسب ما في قلبه ، فإن الاعمال لا تتفاضل بصورها وعددها إنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب فتكون صورة العملين واحدة وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض ، والرجلان يكون مقامهما في الصف واحد وما بين صلاتهما كما بين السماء والارض )تهذيب مدارج السالكين ص 188

ويقول رحمه الله تعالى : ( ومن جرب هذه الدعوات والعوذ عرف مقدار منفعتها وشدة الحاجة إليها، وهي تمنع وصول أثر العين وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها وقوة نفسه واستعداده، وقوة توكله وثبات قلبه فإنها سلاح والسلاح بضاربه ) (زاد المعاد 170/4)

لكل ما تقدم أقول: لنعد بصدق لحصوننا المهجورة وقلاعنا المتروكة ، ولنزل عنها تراب الزمن الماضي، ولنعمرها بترانيمنا وتراتيلنا وأذكارنا، ولنحقق فينا قول نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) : " احفظ الله يحفظك ."

ولنتدبر بكل جوارحنا قول الإمام ابن القيم : ( حاجة العبد للمعوذتين أشد من حاجته للطعام والشراب واللباس) 

المصدر : موقع رؤية

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...