الحروب وتراجع الإنسانية

الحروب وتراجع الإنسانية

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الأربعاء، ٨ ربيع الأول ١٤٣٨ هـ - ٧ كانون الأول ٢٠١٦
818

 

ساحات الحروب فرصة الأشرار كي يتمكنوا من تفريغ خزانات الكراهية التي تملأ نفوسهم، وهي المجال المفتوح على كل مايمكن أن يبدعه ذهن الإنسان من أذى، و حقل مكشوف تجرب فيه الأطراف المتحاربة أحدث آلات الدمار و أدوات القتل!

و ليست هنا كل البشاعة، الأبشع هو ماتحدثه من تغيرات لدى عموم الناس إذ يتحللون من ضوابط إنسانيتهم، فيبدون وكأنهم ضاقوا ذرعا بجميل الأخلاق وحسن السلوك، ينزعون عنهم رداء الرحمة، فتتحجر قلوب كانت تخفق عطفا، وتجف دموع كانت تترقرق رأفة..وتتمزق العلاقات وتتقطع الروابط.

لايشذ عن هذا الحال إلا قلة قليلة !

يصف أحدهم ماجرى في البوسنة على لسان صربي استطاع قتل جاره الذي كان يشاركه فرحته وألمه، يقول : هو نفسه الذي رافقني منذ طفولتي في لعبي ورحلاتي، هو نفسه الذي شاركني مغامراتي، هو الذي كان أول الحاضرين في كل سهراتي ومناسباتي!

ماذا جرى إذن؟!

وكيف استطاع قتله؟!

كيف استطاع السجان أن يعذب ذاك المعتقل الذي استضافه يوما في بيته فأكرمه و أحسن وفادته؟!

كيف، وكيف؟!

هناك من يقول إن الناس تخضع لقانون فيزيائي يجعلها تتكتل مع من يماثلها بدون أن تشعر فتصنع لنفسها تجمعات بشكل لا إرادي،  وفي الحروب تجد نفسها مندفعة في انسجام مع من يشبهها لاتشذ ولا تقوى على المخالفة!

قرأت هذا في كتاب لم أعد أذكر عنوانه..دلل كاتبه على  نظريته تلك بقوة وثبات، ومع نفوري من النظريات التي تتناول تحليل الإنسان وكأنه مادة جامدة لا إرادة لها ولا روح، إلا أن هذا لايعني إلغاء قوانين علم الاجتماع! 

واضح جدا أن الحروب تجرف الإنسان  إلى منحدر سحيق و تجعله كالواقع  تحت تأثير قوة تعيقه من إبصار الحقيقة، وتعميه عن رؤية السلامة، ينظر باتجاه واحد لا يكاد يرى سواه، وتختفي البدائل من أمامه، و يتحول كل خارج عن الصندوق إلى عدو له لايختلف عن عدوه الذي يحارب..

ويركز كل طرف على إظهار وحشية الطرف الآخر، لكن الحقيقة أن الجميع يتبنون لغة واحدة هي لغة القتل والتعذيب والتنكيل، إنما يظهر الفرق نتيجة الفارق في امتلاك أدوات الفتك بالآخر..

يتجرد البشر من أخلاقهم في الحروب  و يتلوث سلم القيم لديهم، لاينتبهون إلى ذلك إلا بعد أن تعود الحياة إلى طبيعتها، حينها تبدأ اعترافات المقاتلين و يبدأ وخز الضمائر و تشرع العقول بالمراجعات..

هكذا سارت الأمور دوما و مازالت!

و مازال السلام غاية لم يبذل الإنسان في سبيل تحققها ذات الجهود التي يبذلها في اختراع الحروب وأدواتها.

 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...