الحركة الإسلامية والجرعات الزائدة

الحركة الإسلامية والجرعات الزائدة

التصنيف: فقه الدعوة
السبت، ١٩ شوال ١٤٣٧ هـ - ٢٣ تموز ٢٠١٦
874

 

لقد اتخذت الحركة الاسلامية قرارات تاريخية ومفصلية في العقود الأخيرة كثمرة لما يمكن ان نسميه التحفيز الهائل

 

والجرعات الزائدة من الامل بالنصر وتحقيق الاهداف

 

ان مصدر هذه الجرعات من التحفيز أمران

 

الاول

 

بعض المفاهيم الايمانية والتربوية المطلقة عن قيود الفقه والتي تقول بان الله تعالى ناصر المؤمنين ومجيب الدعاء ومع الصابرين

 

ورجوع الخلافة وانتصار الاسلام

 

الثاني

 

بعض المفاهيم التنموية المطلقة من اي قيود والتفات للظروف من مثل ايقظ العملاق الذي في داخلك ولا مستحيل في الحياة ولا يوجد فشل وانما تجارب وخبرات وغيرها مما انتشر في السنوات العشر الاخيرة

 

 

اما المصدر الاول فيغفل بعضنا افرادا وجماعات ان التحفيز من خلال المفاهيم الايمانية والتربوية لا بد ان يضبط بالفقه في الدين والا اصبح مغامرة!!!

 

ان علينا ان ناخذ بالكتاب كله ولا نفصل هذه المفاهيم عن اخواتها من الاعداد والاخذ بالاسباب وبذل الوسع لاقصى حد

 

كان ممكنا ان يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مكة على قريش ولما تحمل ما تحمل في البحث عن مكان جديد واناس جدد

 

ولما كان يوم بدر ان يبذل الجهد الاكبر في الاعداد ثم بعده يرفع يده داعيا اللهم ان تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الارض!!!!

 

ولكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اعلنها حربا على قريش في مكة متسلحا بالايمان ووعد الله بالنصر ولما انتظر الى ان هاحر للمدينة

 

ان السجدة الخاشعة ودموع الدعاء الحارة هي اللمسة الاخيرة للعمل الجاد والدؤوب حيث الدنيا ربطت اسبابها بالعمل وبذل الجهد وكلاهما العمل والدعاء هما جناحان للعبادة لكنهما صورتان مختلفتان

 

ولا ينافي ذلك طبعا الدعاء والتوكل قبل وأثناء العمل

 

ان التحفيز خطر وخطر جدا ما لم يضبط بالفقه في الدين ونعني فيه الفقه بمعناه الشامل السياسي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي لنتعامل مع قوانين الحياة التي وضعها الله تعالى فيها ونفهم الواقع كما هو لا كما نتمناه

 

ان الله يسخر لنا الاسباب وييسرها لكنه لا يخرقها لنا بحال من الاحوال والا لما كانت اسبابا وسننا لا تجد لها تبديلا ولا تحويلا

 

اما الكرامات والتيسيرات فهي استثناء فلا يبنى عليها حكم ولا تقصد بحد ذاتها بل يهبها الله لمن يشاء وقتما يشاء ولا يربط بها العمل والاجتهاد ولا خطواته المفترضة

 

ان خطورة التحفيز تكون في القفز فوق السنن مثل سنة التدرج وغيرها واستعجال النتائج ليحصل التشكك في دعاءنا وعبادتنا ومنهجنا حال عدم تحقق ما نريد وقد يحصل التسخط عند من ضعف ايمانه وقلت تربيته

 

اما المصدر الثاني فان خطورة التحفيز في المفاهيم التنموية المطلقة وغير المقيدة والتي طغت ربما على كثير من ابناء الحركة الاسلامية وغيرهم انه يعتقد انه يمكن القفز فوق الظروف واننا نحن الذين نصنع الظروف والمشكلة فينا نحن لا في الظروف وغيره مما يتكلم به اهل التنمية دون قيود او ضوابط !!!!!

 

لقد غفلنا ان هناك اوضاعا راسخة لا يمكن تجاهلها او تغييرها بامنية او حلم او تحفيز موهوم

 

ان هذه المفاهيم تقول لي باستطاعة الصومال مثلا ان يصنع طائرة لو اراد !!!!

 

وان صاحب الجسم البدين باستطاعته ان يفوز في الماراثون اذا وجد الحلم !!!!

 

وكل هذا صحيح لكن على الصومال ان يكون بلدا ناهضا سياسيا واقتصاديا واخلاقيا قبل ان يفكر بصنع طائرة

 

وعلى البدين ان يفوز بسباق الرشاقة قبل ان يفوز في سباق الماراثون

 

ان التنمية تقول ان الفقير البائس في غابات افريقيا باستطاعته ان يكون استاذا في جامعة هارفارد الامريكية لو توافرت العزيمة متجاهلة انه ربما يكون لم يسمع او ما قال له احد ان هناك بلدا اسمه امريكا أصلا!!!!!

 

لقد قال لي احد الاصدقاء لو كان فلان موجودا على قيد الحياة لما اصبح حالنا غير ما نحن عليه الان قلت له وما ادراك؟

 

ان الظروف التي اعجزت الحاضرين ستعجزه ايضا لو كان موجودا

 

يظن البعض ان شخصية كمهاتير او اردوغان لو حكم واحدا من بلداننا العربية فانه سينجح

وهذا من اسوء الظنون

 

حيث عوامل الضغط ذاتها واسباب الفشل ذاتها والبيئة ذاتها والتحديات ذاتها!!!!!

 

ذو القرنين ملك العالم واوتي من كل شيء سببا لكنه يقول فاعينوني بقوة ولو لم يعينوه لما استطاع ان يعمل شيئا

 

في جرعات التحفيز الزائدة مخاطر عدة ابرزها:

 

الاحباط

 

العيش في الوهم

الرجوع بعد الفشل لمواقع قد لا يمكن التقدم بعدها

قرارات غير مدروسة

تجاوز السنن والقوانين الربانية

التشكك في صلاحية المنهج

ان التحفيز ياتي كالطوفان الهادر ودور الفقه ان يوجهه لقنوات التصريف الصحيحة والا اغرق الحرث والنسل

ان تغيير الواقع خاضع لجملة من العوامل الغلابة التي تفرض شروطها مهما وجد المخلصون والموهوبون

ان هناك دورات تاريخية للامم والشعوب والدول والجماعات تفعل فعلها صعودا وهبوطا وما علينا الا فهمها والتعامل معها

 

ليس المطلوب الاستسلام لهذا الواقع ولا التعامل معه برومانسية حالمة وكلاهما تطرف مذموم

ان قوله سبحانه لا يكلف الله نفسا الا وسعها منهج للافراد والجماعات

اما كيف يعرف الوسع ؟

فهو ببساطة في:

معرفة الامكانات وتحديد مواقع التغيير المستطاع من الواقع بعد معرفته ودراسته

 

ليس المقصد الاستسلام للواقع والا كان تصرفا مقابلا للتطرف في التحفيز حيث ديننا دين الوسطية والتكامل في كل شيء

ليس هدف المقال التقليل من أهمية المفاهيم التربوية والتنموية بل الهدف جعلها في سياقها الصحيح وخشية الافراط او التفريط فيها

اننا لا نستطيع العيش من غير تحفيز وما حسن الظن بالله تعالى والدعاء والتوكل واليقين بوعده والتخطيط والطموح الا تحفيز في اعلى درجاته لكن قبوله بشرطين

ان لا يعزل عما يلازمه من مقومات نجاحه

ان لا يزيد عن حده ويوضع في غير موضعه

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...