أردت أولاً أن أجعل موضوع هذا البحث (البلاغة النبوية) فقط، ولكني رأيت ذلك لا يشمل الحديث عن مقاصد الكلام النبوي الكريم وما فيه من توجيه صالح وثقافة تهذيبية وإرشاد سام يشبه النفس العظيمة التي صدر عنها، ويرتفع بمستوى النفس البشرية عن كل رعونتها، حتى يصل بينها وبين السماء بأقوى وصلة وأحكم رباط، وذلك شيء يفوت علي وعلى القارئ الكريم فرصة حبيبة إلى كل نفس مسلمة، فإن الحاجة إلى التأنق بين رياض الإسلام ومقاصده الشريفة يتجلى في موضوعات حديث صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، ليست أقل من الحاجة إلى معرفة البلاغة النبوية على سمو هذه المحاولة فإنها ناحية فنية كمالية لا يتطرق العوز بها إلى كل شخص، فأما مقاصد الإسلام فإنها ضالة كل إنسان في الوجود، والتعريف بها ولو على وجه كلي مجمل توجيه إلى كل فرد وكل جماعة وكل أمة كيف تسلك سبل النجاة والرفعة في دينها ودنياها من أقرب طريق وعلى أصح وجه.
وأظن أن القارئ الكريم في غير حاجة أن يعلم أن معنى البلاغة النبوية شيء خاص يرجع إلى دراسة الألفاظ ومزاياها في دلالتها على معانيها وما فيها من صفات وجازة أو بسط، وتقديم في الأسلوب أو تأخير أو حذف وفصل بين الجمل أو وصل، وما إلى ذلك من أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال كما يقولون، وذلك شيء في ذاته يجري مع كل عرض سما أو نزل، ويقع في الهجر والإثم كما يتحقق مع الحق والحكم، ويكون مع الحطيئة والفرزدق أقوى مما يكون مع الحسن البصري، أو الحسن بن علي أحياناً.
لهذا جعلت موضوع هذه المحاولة (الحديث النبوي) من جميع نواحيه سواء منها ما يتصل بأغراضه ومقاصده، وما يتصل بألفاظه وبلاغتها، وما يتصل بمعانيه وامتيازها في لطفها مع بساطتها، وعلوها مع دنوها، ويسرها مع اعتياصها على محاولها، وسترى تصوير ذلك كله مقرباً ميسَّراً إن شاء الله تعالى.
فأما موضوع الحديث النبوي ومقاصده، فإنها رسالة الإسلام العظمى التي قامت على هداية الناس ودعوتها إلى ما يرفع مستواهم، ويصلحهم في دينهم وآخرتهم ودنياهم من أقرب الطرق وعلى أصح الوجوه ذلك هو سبيل الكلام النبوي الشريف: لا ينطق عن الهوى، ولا يلفظ العوراء، ولا يقرب الخنا حتى إنه كان إذا مزح لا يقول إلا حقاً، وإذا أراد إخفاء أمر عرَّض في قوله فكان صدقاً، يقول في بعض حديثه: (إن في المعاريض مندوحة عن الكذب).
لقد أدبه ربه فأحسن تأديبه، فكان الخير يتضوع من جميع جوانبه ونواحيه ويتمثل في قوله كما يتجلى في فعله، وكان يأبى إلا أن يكون مشرعاً أميناً وناصحياً مبيناً صلى الله عليه وسلم، فهو يتوقف عمَّا لم يوح به إليه في مقام التعليم ويقول لمن سأله عن الحج : أفي كل عام يا رسول الله ؟ (لو قلت نعم لوجبت ولم تستطيعوا إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم).
وليس معنى ذلك أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم كان وحياً كله، ولا أنه كان تشريعاً في جملته وتفصيله فإنه صلى الله عليه وسلم كانت له ناحية البشرية التي تحقق له بعض الملذات وتمتعه أحياناً بالطيبات، يقول القول أحياناً فلا يمضيه لأن الله تعالى يصرفه عنه إلى ما هو خير منه، وذلك هو معنى العصمة في جانبه صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم وغيره عن رافع بن خديج: (إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من دنياكم فإنما أنا بشر).
وهذا شيء لا أريد أن أخوض في تفصيله ولا هو من شأني الآن، إنما أريد أن أصور أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوانب الخير ونواحي الإصلاح وأنه لم يكن يتناول من الموضوعات إلا ما يتفق مع سموِّ شخصه، ويتناسب مع رسالته، وإنه وصف في التوراة والإنجيل بما يحقق فيه الأسوة الصالحة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر: ( ليس بفظ ولا غليظ ولا صخَّاب في الأسواق، لا يقابل السيئة بمثلها ولكن يعفو ويصفح)، ووصف في القرآن الكريم بقول الله سبحانه، [وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ] {الأعراف:157}.
ووصف في السنة بأن مجلسه لا تؤْبن فيه الحرم، وأنه لا يسمع القبيح، ولا يقره، فمحال أن يصدر عنه، ومن شاء فليتابع كل ما نقل عنه الناقلون في أخباره وسيرته، هل يرى فيه إلا ما يشبه رسالته ويناسب صفته، من قول صالح وعلم نافع.
موضوع السنة النبوية الكريمة إذاً هو كل ما تشتهيه النفوس السليمة مما يدعو إلى تقوى الله تعالى، وصلاح المجتمع، ومقاومة كل رعونة في الأرض من ظلم وبغي، أو حسد، أو مكر أو سقم في العقل، تقع فيه روضات فيح وجنات، وتزكية من الضلالات، فإنك في حديثه ومع سنته كصاحب المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد ريحاً طيبة.
وإليك بعض الصور من تلك من المقاصد السامية والأغراض الكريمة:
من أغراض السنة الكريمة: بيان دعوة المرسلين جميعاً من عبادة المستحق للعبادة ، وهو الله تعالى وحده، وإفراده سبحانه بكل مظاهر التعظيم، وإخلاص الأعمال كلها لوجهه.
فما جاء في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً)، (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان).
وعن مالك بن عوف الأشجعي قال: (كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تبايعون رسول الله؟ فبسطنا أيدينا وقلنا: علام نبايعك يا رسول الله ؟ قال: على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وتصلوا الصلوات الخمس (وأسر كلمة في خفية) قال: ولا تسألوا الناس شيئاً، فلقد رأيت أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه)... وهذا الغرض أساس الإسلام ومحور الدين الكريم.
ويتصل بذلك الدعوة إلى عزة الإسلام، وعدم الخضوع والذلة لمخلوق أيَّاً كان.
وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم لابن عباس: (يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو أجمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك).
ومن أغراضه الكريمة: مقاومة خرافات الجاهلية وجهالاتها، من التفاوت بين الناس، ونظام الطبقات، واعتداء القوى على الضعيف، وما إلى ذلك مما أشاعته الفوضى والجهالة بلا عقل سليم، ولا منطق مفهوم، وما أكثر هذا الغرض في السنة، كقوله صلى الله عليه وسلم: (أنهاكم عن قيل وقال، وإضاعة المال، ووأد البنات، ومنع وهات، إن الله تعالى قد رفع عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بالآباء، دعوا دعوة الجاهلية ذميمة، لا حمى إلا الله ورسوله، لا عدوى ولا طيرة ولا هامة، من أتى منجماً أو كاهناً أو عرافاً فقد كفر بما أنزل على محمد، من حلف بغير الله فقد كفر بما أنزل على محمد، من حلف بغير الله فقد أشرك، الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.
ومن أغراضه الكريمة: الدعوة إلى مكارم الأخلاق، من العدل والإحسان بين الأخ وأخيه وبين الراعي والرعية، وتعهد بعض الناس لبعض بمعونة الضعيف وإغاثة اللهفان، وإطعام الجائع وكسوة العاري، ومن بسطة الوجه وحسن الخلق وتوطئة الأكناف وكل ما يبعث على المحبة ويغرس الألفة والمودة، حتى يعيش الناس إخواناً متصافين يشيع فيهم السلام والوئام فيعبدوا الله، ويسعدوا في هذه الحياة، مما لو أخذ العالم ببعضه لكانت الدنيا جنة لأهلها لا جحيماً كعهدك اليوم بها.
وإليك بعض ما في السنة الكريمة من ذلك:
(كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين اثنين صدقة ، وتعين الرجل على دابته فيحمل عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، ودليل الطريق صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة).
ألا بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما تركت باباً من الخير فيه سعادة إلا وجهت إليه، ولا تركت باباً من الخير فيه مساس بإنسان أو حيوان إلا نهيت عنه.
وفي الصحيح أيضاً: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤول عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).
(ما من مسلم يزرع زرعاً، أو يغرس غرساً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة).
(إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسطة الوجه وحسن الخلق).
(إن أحبكم إلي وأقربكم مني منازل يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلى الثرثارون المتفيهقون) وما أكثر ذلك الإرشاد والرشاد في السنة المحمدية.
وهو صلى الله عليه وسلم يحث على احترام حقوق المسلم، ويحرم دمه وماله وعرضه ويقول: (من قطع رجاء أخيه قطع الله رجاءه )، (إذا أشار الرجل على أخيه بالسلاح فهما على حرف جهنم).
وهو صلى الله عليه وسلم يوصي بالمرأة، وينفي ما كانت عليه الجاهلية من إهدار آدميتها، ويرفع من شأنها، ويأمر بمراقبة الله تعالى فيها فيقول في بعض ما يحدث: (ألا فاستوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان، ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا).
ومن أغراضه الكريمة: التزهيد في الدنيا حتى تصفو النفس وتستقبل المكارم، وحتى يتحاب الناس، ويعرف بعضهم حق بعض، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ابن آدم عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك، ابن آدم لا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع، ابن آدم إذا أصبحت معافى في بدنك آمناً في سربك عندك قوت يومك فعلى الدنيا العفاء، ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس).
ولو أنني ذهبت أتتبع ما جاء من أغراض في التشريع الصالح، والإرشاد المنقذ الشامل، لخرجت عن القصد ولما استطعت، فإن موضوع ذلك الأسفار الضخام من كتب السنة الكريمة، ولكنني بصدد الإشارة بسمو غرضه، والإشارة إلى بعض اتجاهه وتوجيهه، وبيان أن كلامه صلى الله عليه وسلم أسمى كلام في مقاصده، وكما أنه أسمى شيء بعد كلام الله تعالى في بلاغته.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: كنوز الفرقان، رمضان و شوال 1372 - العدد 49 و 50
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


