ذكرت في مقال سابق جهود العلامة أبي الوليد الباجي، سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي المالكي (403 – 474 هـ)، أحـد علماء الأندلس وحفاظه في حلب، ومساهمته في الدفاع عن مذهب اهل السنة فيها.
وفي هذا المقال سأشير إن شاء الله إلى دور عالم جليل آخر، هو الإمام برهان الدين، أبو الحسن، علي بن الحسن بن محمد البلخي الحنفي، المعروف بالبرهان البلخي، الذي كان له دور علمي في الدفاع عن مذهب أهل السنه في حلب.
فقد ذكر القلانسي أنه: في يوم الأربعاء الحادي عشر من رجب سنة (543 هـ) ورد الخبر من ناحية حلب بأن صاحبها نور الدين أتابك أمر بإبطال «حي على خير العمل» في أواخر تأذين الغداة، والتظاهر بسب الصحابة رضي الله عنهم، وأنكر ذلك انكاراً شديداً، وحظر المعاودة إلى شيء من هذا المنكر، وساعده على ذلك الفقيه الإمام برهان الدين، أبو الحسن، علي الحنفي، وجماعة من السنة بحلب، وعظم هذا الأمر على الإسماعيلية وأهل التشيع، وضاقت له صدورهم، وهاجوا له وماجوا، ثم سكنوا وأحجموا بالخوف من السطوة النورية المشهورة، والهيبة المحذورة(1).
من هو البرهان البلخي:
ترجم الحافظ ابن عساكر للإمام البرهان البلخي، فقال: أبو الحسن البلخي الحنفي الفقيه، قدم دمشق، وكان صحيح الاعتقاد، حسن السمت، محبّاً لنشر العلم، مراعياً للأصحاب، سخي النفس... ثم أنه ندب للخروج إلى حلب ليفقه أهلها، وينشر السنة بها، فخرج وانتُفع به هناك، وأزال البدعة التي كانت في التأذّن، ثم عاد بعد ذلك إلى دمشق محموداً مشكوراً(2).
كما ترجم له الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء» وفي «العبر»، فقال: كان كريماً لا يدّخر شيئاً، وعظ وأقرأ، وثارت عليه الحنابلة لأنه نال منهم، وكان ذا جلالة ووجاهة، وأبطل من حلب الأذان بـ «حي على خير العمل»، توفي بدمشق سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وقال عنه في العبر: وكان معظّماً مفخّماً في الدولة(3).
وذكر صاحب كتاب «طبقات الحنفية»، أنّ البرهان البلخي درّس بحلب بالحلاوية، وهو أول من درّس بها(4).
ولم يكن الإمام البرهان البلخي وحده في هذه الجهود؛ فقد حظي بدعم جماعة من أهل السنة في حلب، كما تزامنت هذه الجهود مع دعم السلطان نور الدين محمود بن زنكي، الذي عُرف بمناصرته لمذهب أهل السنة؛ وقد ذكر ذلك ابن تغري بردي، فقال: «وفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة أزال السلطان نور الدين محمود بن زنكي، صاحب دمشق من حلب الأذان بحي على خير العمل وسب الصحابة بها»(5)، كما ذكره المقريزي، فقال: ولم يزل الأذان بحلب يزاد فيه حي على خير العمل ومحمد وعلي خير البشر إلى أيام نور الدين محمود، فلما فتح المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلاوية، استدعى أبا الحسن علي بن الحسن بن محمد البلخي الحنفي إليها، فجاء ومعه جماعة من الفقهاء، وألقى بها الدروس، فلما سمع الأذان أمر الفقهاء فصعدوا المنارة وقت الأذان، وقال لهم: مروهم يؤذنون الأذان المشروع (6).
اللهم ارحم علماء الأمة الأبرار، واجزهم خير الجزاء عن جهودهم في خدمة دين الله.
(1) تاريخ دمشق: لابن القلانسي (ت: ٥٥٥هـ)، دار حسان، دمشق ١٩٨٣ (ص: 468).
(2) تاريخ دمشق: لابن عساكر (ت: 571 هـ)، دار الفكر (41/339).
المدرسة الصادرية: أنشأها بدمشق شجاع الدولة، صادر بن عبد الله سنة (491).
(3) سير أعلام النبلاء: للذهبي (20/ 276)، والعبر في خبر من غبر (1/263).
(4) الجواهر المضية في طبقات الحنفية: لعبد القادر بن محمد القرشي الحنفي (ت: ٧٧٥ هـ)، دار هجر، القاهرة (2/560).
(5) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: لابن تغري بردي (5/281).
(6) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: للمقريزي، دار الكتب العلمية (4/49).
بقلم: زهير محمود حموي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


