قال الله تعالى: ?يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ? [المجادلة:11]،
وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَن يرد الله به خيرًا يُفقهُّه في الدِّين» [صحيح البخاري:1/25] .
لسنا هنا في مَعرِض ذِكر العِلم وفضيلتِه ومكانةِ حامليه، فهذا شيءٌ يحتاج لمقالات، وتُكتب به مجلَّدات، سنتكلَّم اليومَ باختصارٍ عن الجهل، وكيف أنَّه يَهدم ولا يبني، ويخرِّب ولا يُحيي.
فنبيُّ الله موسى عليه وعلى نبينِّا الصَّلاةُ والسَّلام عندَما طَلب منه قومُه أنْ يجعلَ لهم آلهةً يَعبدونها قال لهم: ?إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ? [الأعراف:138].
ونبيُّ الله هودٌ عليه الصلاةُ والسلامُ قال لقومه عندما أُترفوا وطَغوا: ?وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ? [هود:29].
والنبيُّ لوطٌ عليه الصلاةُ والسلام قال لقومه بعدَ أنْ فعلوا الفاحشةَ المنكرة: ?بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ? [النمل:55].
فالجهل يأتي بالكفر، ويأتي بالطُّغيان، ويأتي بالفسوق والعصيان!
وكلامنا الآنَ عن (الجهل) بالمفهوم العامِّ لهذه الكلمة، وهو معرفةُ الشيءِ على خلاف حقيقتِه!
وإذا أردنا أنْ نُسقطَ مضارَّ الجهلِ ووبالَه على واقعنا المعاصر، وعلى الهرج والمرج، واستباحةِ الدِّماء صباحَ مساءَ فنقول:
روى الإمام أحمدُ بإسنادٍ صحيحٍ عن التَّابعيِّ الجليل أبي وائلٍ قال:
كنتُ جالسًا مع عبد الله بنِ مسعودٍ وأبي موسى الأشعريِّ فقالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ بينَ يدَي الساعةِ أيامًا يَنزل فيها الجهلُ، ويُرفع فيها العِلم، ويَكثر فيها الهرج».
فقلنا: وما الهرج؟
قال: «القتل !» [مسند الإمام أحمد:6/222].
فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم بيَّن بصراحةٍ وجَلاءٍ أنَّ القتلَ الذي يكون آخرَ الزمانِ إنَّما هو بسببِ الجهل وقلَّةِ العلم !
ليس هذا فحسب، بل وضَّح نبيُّنا صلى الله عليه وسلم صراحةً أنَّ هذا القتلَ ليس بينَ الكافرين والكافرين، وليس بينَ المسلمين والكافرين، بل هو ـ مع الأسف ـ بينَ المسلمين والمسلمين، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله العليِّ العظيم.
ففي رواية ابنِ ماجه لهذا الحديث وبإسنادٍ صحيحٍ أيضًا:
أنَّ أبا موسى الأشعريَّ قال: قلتُ: يا رسول الله ما الهرج؟
قال: «القتل !».
فقال بعضُ المسلمين: يا رسول الله إنا نَقتل الآنَ في العام الواحد مِن المشركين كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس بقتل المشركين، ولكنْ يقتل بعضُكم بعضًا !» [سنن ابن ماجه:2/1309].
فالابتعادُ عن العِلم والعلماء ـ أيها الإخوة ـ هو رأسُ الجهلِ وعمودُه وذُروةُ سنامِه.
وإذا رأيتَ ـ أخي الشابُّ المسلم ـ مَن يُبعدك عن علماء الأمة فاعلم: أنه يريد منك الضلالةَ، واتباعَ سبيلِ الغلاة والخوارج ...
ولو نظرنا الآنَ لواقعنا شرقًا وغربًا لأدركْنا بجلاءٍ:
أنَّ أعظمَ أسبابِ المآسي التي تمرُّ بها أُمتُنا هو الجهلُ ودعاتُه الذي انخدع به شبابُ الأمة.
ولن تعودَ لنا مكانتُنا السامقةُ بينَ الأمم ما لم نلتفَّ حولَ العلماء الأثبات الثقات، وننصاعَ لتوجيهاتهم ونُصحهم !
وهذا سيدنا عبد الله بنُ مسعودٍ رضي الله عنه يُبيِّن هلاكَ الأُمم كيف يكون فيقول:
«لا يزال الناسُ بخيرٍ ما أخذوا العِلمَ عن أكابرهم، فإذا أخذوه عن أصاغرِهم وشرارِهم هلكوا»، أخرجه ابنُ عبد البرِّ في «جامع بيان العمل وفضله»: (1057).
مقولة شائعة لا أصل لها
شاع وفشا في الآونة الأخيرة بينَ إخوتنا المجاهدين مقولةٌ ليس لها أصلٌ في كتابٍ ولا سُنة، ولم تُنقل عن فقهاء السَّلف وأئمَّتِهم، ألا وهي: (لا يُفتي قاعدٌ لمجاهد)، فهذه العبارةُ فضلًا عن كونها لا أصلَ لها، فإنها تُخالف صريحَ القرآن بوجوب الرجوع للعلماء عندَ اشتباه السُّبل.
وقد كان القادةُ الفاتحين مِن لدن الصحابةِ الكرام ومَن بعدهم، يُرسلون المراسيلَ إلى ولاة أُمورهم وكبارِهم ليستشيروهم في نوازلهم وحلِّ مشاكلِهم.
وفي زماننا صارتْ اليومَ وسائلُ التواصل أسهلَ وأسرع !
فالجهادُ ذُروة سنامِ الإسلام، ولكنِ الجهادُ لا يجعل حاملَ السلاح فقيهًا ولا مفتيًا، فكلٌّ على ثغره، وكلٌّ مسؤولٌ على واجباته ورعيَّتِه.
فما أجملَ المجاهدين مع العلماء، وما أكملَ العلماءَ مع المجاهدين، فالعملُ مع العِلم هو الذي ينهض بالأُمم والشعوب، وحريٌّ بنا أنْ نعملَ متكاتفِين متعاونين لتحقق كلمةِ الله في الأرض !.
المصدر: مجلة الحميدية الجزء الثاني
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


