لقد تطورت حالة ثورة الكرامة السورية منذ انطلاقتها المباركة قبل ما يقارب العامين كثيرا، والعارفين بطبيعة نظام العصابة وحقيقته والقارئين لتاريخه يعلمون جيدا ويقينا أن هذا النظام لا يمكن إصلاحه لأن في اصلاحه إعدامه، ويدركون أنه لا يمكن الوصول الى تسوية معه تؤثر على طبيعته وجوهر مهمته، وأقصى ما يمكن انجازه هو تجميل صورته، وإضفاء صفة اللين الظاهري على أدوات القوة الغاشمة الوحشية، والمخملية على قبضته الحديدية الامنية المجرمة، وكان من الطبيعي ان تتطور الحالة الثورية تدريجيا الى مرحلة المقاومة الشعبية المسلحة لانتزاع حق الشعب المضطهد والمستعبد في الحياة الكريمة والحرية فما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة ...
ومع بداية التحول في الثورة السلمية وممارسة الثوار حقهم الطبيعي في الدفاع عن النفس ضد القوة الغاشمة لنظام العصابة المجرم كرد فعل طبيعي على إجرام النظام، بدأت تتشكل قناعة عامة الدى الثوار الاحرار الفاعلين على الارض بأن هذا النظام لا يمكن ازالته الا بالقوة، وانتقلوا الى الكفاح المسلح الشامل تدريجيا الذي فرض عليهم ، وبدأوا بما يتوفر بين أيديهم وبأبسط الادوات الممكنة والمتاحة لديهم، وبدأ النظام ومن ورائه النظام العالمي في محاولات حرف المقاومة الشعبية المسلحة عن المسار الطبيعي والعمل على التغرير بها وافسادها ومحاولة السيطرة والاستحواذ عليها وتسيسها بشكل مباشر عن طريق المعارضة المصطنعة التي هي في افضل الحالات كما شرحنا سابقا أصبحت طرفا ثالثا في الصراع الدائر في سوريا بين الثوار والنظام، واداة استخدمت بعلمها او بجهل منها وبقصد او حسن نية لإفساد الثورة وتجيرها لتحقيق مصالح شخصية واجندات خاصة ... وبقيت هذه المعارضة تنطلق وتعمل وتتصرف وفق حتمية بقاء هذا النظام وليس إمكانية إسقاطه وإزالته وفق الحتميات الثلاث.
وقد مر النضال المسلح بمراحل عديدة ومطبات وتخبط وذلك لأسباب وعوامل كثيرة، وكان الاداء العسكري متفاوتا ومتباينا نوعا وكما من مكان الى آخر وشابه ما شابه ومر بأزمات وصادفته عقبات، وكان في طريق تقدمه ونموه الصحيح معيقات كثيرة، ولكنه في المحصلة كان ينمو ويتقدم على الارض ويتطور ويطور قدراته الذاتية بشكل فطري عشوائي غير منظم ويدعوا للاعجاب، وبالرغم من أنه كان ضحية الإختراق والتسيس والإستقطاب من قبل النظام والمعارضة المصطنعة وأصيب بالفساد وتعرض للافساد نتيجة لذلك وانحرف المسار لدى البعض منه تدريجيا عن الهدف الاساسي، وتغيرت الاولويات وصولا الى ظهور بعض امراء الحرب واصبح المقاتلين المجاهدين ضحية للتنافس البيني وتحديد مناطق النفوذ بينهم الذي اصبح أولوية على الصراع مع النظام وخصوصا في غياب المشروع الفكري السياسي الثوري الوطني الجامع، وانعدام الرؤية الاستراتيجية للمعارضة أو غيابها أو تغيبها، وانتقال بعض من القادة العسكرين للعب دور سياسي مع عدم توفر المقومات والامكانيات الفكرية لديهم للقيام بهذا الدور، ووقوعهم ضحية في شباك السياسات العالمية والسفارات وأجهزة المخابرات الاقليمية والعالمية، والتضليل الاعلامي الدولي الموجه.
وفي تقييم موضوعي لأداء المقاومة الشعبية المسلحة بشقيها المدني والعسكري ومنذ اطلاق مسمى الجيش الحر الذي لم يكن عمليا أكثر من غطاء اعلامي ولم ينعكس المسمى تنظيميا وعلميا وعمليا ومهنيا على الأداء الميداني، بل كان لهذا المسمى من الاثار السلبية الكثير على صعيد العمل والاداء الميداني واستثمر ضد الثورة واصبح ورقة يتم التلاعب بها واللعب بها وأسيئ استخدامها، وصولا الى تكون وبروز قوى الجماعات الإسلامية المنظمة على اختلاف اتجاهتها ومراجعها الفقهية ومناهجها في العمل، حيث كان التنوع في هذه القوى عنصر ايجابي جدا في الثورة حتى ضمن الصبغة العامة الإسلامية التي طغت على الساحة حيث كنا ندعوا دائما الى تنسيق الجهود مرحليا ولا نتبنى التوحد الانصهاري بينها لانعدام الرؤية الواضحة وحتى يبقى عنصر التوازن قائما ولا يطغى فريق فيفرض وجهة نظر وحل يخالف اهداف الثورة ويوافق أجندة بعينها بالقوة.
نجد انه طوال المدة المنصرمة من عمر العمل الثوري المسلح وحتى وقت قريب غابت الرؤية الاستراتيجية الموحدة، وبدى واضحا سوء التقدير والمعرفة بقوة الخصم وحجم وعمق وأبعاد المعركة معه، وكان هناك ضعف في الارتباط بين المناطق الساخنة في التواصل والتفاعل حتى ضمن المنطقة الواحدة أحيانا، وكان العمل مناطقيا منفصلا غير متصل أو متوافق في أغلب الأحيان بعكس الحراك الثوري السلمي، وانعدمت الرؤية الشمولية في إدارة المعركة وخطة العمل، وغاب العمل العسكري التعاوني المنظم والتنسيق بين فصائل المقاومة المسلحة، وساد الارتجال والعاطفة والانفعالية والعفوية والقرارات الشخصية حتى وقت متأخر، ولم يحكم العمل العسكري خطة عمل شاملة موحدة، ولم يكن هناك توظيف صحيح وادارة سليمة للموارد والامكانيات التي توفرت، وذلك لأسباب وعوامل كثيرة ارتهنت العمل العسكري وأضعفت فعاليته، أهمها المعارضة السياسية ومصادر الدعم الخارجي المشروط وشراء الولاءات والمال السياسي والموقف الدولي وغيرها، وهذ لا ينتقص أبدا من أهمية وقيمة ما تم انجازه ميدانيا ولا يقلل من الإجلال والاكبار للملاحم الاسطورية التي سطرت في مواجهة قوة النظام الغاشمة وآلته العسكرية المجرمة في ظل الظروف الصعبة والمؤثرات القوية التي تحكم المعركة.
لقد بقي لفترة طويلة مقاتلي المقاومة الشعبية المسلحة الابطال في حالة دفاع عن النفس وزمام المبادرة بيد النظام، وفرضت معارك على المقالتلين المجاهدين واستدرجوا الى اخرى وزج بهم احيانا في معارك خاسرة من اجل الدعم وغير ذلك، وكانوا ولا زالوا الوقود لكثير من المعارك التي لم تكن تصب في مصلحة الثورة، كمعارك المدن الكبرى المفروضة او المفتعلة وخصوصا معركة مدينة حلب وغيرها كنا قد تحدثنا سابقا عنها ويجب نقل المعركة مع النظام ما أمكن الى خارج المدن وضرب معاقله ومواقعه العسكرية، فهناك معارك افتعلت لتحقيق اهداف سياسية واقتصادية قصيرة وطويلة الاجل، ومعارك للترويج والدعاية لجهات أو جماعات بعينها، ومعارك أدت للضغط على الحاضنة الشعبية للثورة خاصة وعموم الشعب مما حول الثورة الى نكبة لدى الكثيرين، وهناك معارك لتحديد مناطق نفوذ، ومعارك من أجل الغنائم وعلى الغنائم، ومعارك لاستنزاف قوى بعينها، واصبح هناك تنافس بيني بين الكتائب المسلحة ولم تعد الأولوية لدى البعض لإسقاط النظام ...
ان النظام ترنح في اكثر من مرحلة وفقد توازنه، وكانت هناك العديد من الاسباب التي تمنحه الفرصة كي يستدرك ويستعيد توازنه ويسترجع زمام المبادرة، منها اسباب وعوامل خارجة عن الارادة الثورية وخارجية واسباب داخلية مرتبطة بالثورة وأداء الثوار، واهم الأسباب التي خدمته في ذلك اضافة الى دعم النظام الاقليمي والدولي له ، هو الطابور الخامس الذي نجح الى ابعد الحدود في زرعه بين صفوف الثوار في الداخل، وأداء المعارضة المصطنعة التي تشكل الثورة المضادة في الخارج .
لقد أصبح جليا المراحل التي ستقبل عليها الثورة والوطن بعد مضي كل هذا الزمن وانقضاء مراحل مختلفة من الصراع المسلح مع نظام العصابة وإتضاح معالم ما يحاك للثورة ويرسم للوطن من مؤمرات ان كان على الصعيد الاقليمي أو الدولي، وانه في حال فشل النظام الدولي في اعادة تثبيت النظام المجرم العميل أو إعادة انتاجه سيكون خيارهم الأخير مع انتهاء خطة التدمير والتهجير الممنهج هو التدخل الدولي وقوات الفصل، وقد استعدوا لذلك وأعدوا العدة وهيئوا الاسباب لخطة التقسيم التى تعتمد مبدئيا على المحاصصة وستفضي الى تقسيم سوريا الى كانتونات طائفية وعرقية تمهيدا لتجزيئها كليا.
هذا وجاري العمل على الارض منذ البداية لتهيئة الظروف الموضوعية والمادية والمعنوية لتنفيذ خطة التقسيم، وتتلخص في تحويل الصراع من صراع عامودي بين طائفة عامة الشعب من طرف وطائفة نظام الحكم وأتباعة من كافة الطوائف من طرف آخر الى صراع بيني افقي طائفي وعرقي وفق خطة مسبقة، من اهم بنودها التنفيذية تدمير مدينة حمص وتغيير بنيتها الديموغرافية بتهجير سكانها الاصليين، ونذكر هنا ان هذا المشروع بدأ مبكرا وقبل الثورة بسنوات من خلال مشروع حلم حمص الكبير، وترافق مع ذلك خلال الثورة تدمير وتهجير قرى ومدن بأكملها من سكانها السنة من مناطق الساحل السوري، وكذلك آلية تعاطي النظام مع قضية المكون السوري الكردي واستغلاله لها، وإغتيال الشهيد مشعل التمو الذي كان يقود تيارا سوريا كرديا وطنيا في بداية الثورة، وكان متوقعا له إستقطاب الغالبية العظمي من الاخوة السوريين الاكراد، ومنح الاكراد وحتى بعض الوافدين من دول الجوار الجنسية خلال الاشهر الاولى من الثورة وفق صفقة مسبقة وأجندة واتفاقات غير معلنة دل عليها أداء بعض قيادات وأحزاب المكون الكردي السلبي خلال الثورة وما طفى على السطح مؤخرا من مطالب الأحزاب الكردية الانفصالية ، وما يدور الآن من صراع في محافظة الحسكة للتهيئة لتطبيق مخططات الانفصاليين من الاحزاب الكردية أصحاب الاجندات اللاوطنية والمشاريع القومية على حساب الوطن السوري.
مما سبق نخلص الى نتيجة مهمة وخطيرة جدا واحتمال قوي يعد له بشكل جدي ويهيئ له إعلاميا ومعنويا وماديا على الارض، يتلخص في ان نهاية المطاف بعد اكتمال خطة التدمير الممنهج والانهاك والاجهاد والتهجير الممنهج للشعب هو تقسيم سوريا من خلال استقدام قوات فصل اممية بحجج الحرب الاهلية او الطائفية او العرقية، وكنا قد أوضحنا ونبهنا وحذرنا سابقا الى ان المسوغات القانونية الدولية لذلك جهزت، سواءا بقرار الجمعية العامة للامم المتحدة او حقوق الانسان الذي وصف ما يحدث في سوريا على أنه حرب أهلية وطائفية .
هذا وإن خطة تقسيم سوريا الى ثلاثة كانتونات كحد ادنى تحت مسميات ادارة محلية ذاتية او اتحادية او فيدرالية او كونفدرالية أصبحت قيد التنفيذ، من هنا نجد أن حسم المعركة مع نظام العصابة يكون بقطع الطريق على كل هذه المخططات واختزال المراحل وتوفير الدم السوري بالانتقال مباشرة الى مصدر الخطر الاساسي ومنبع النار ألا وهو الساحل السوري ، الذي سيكون الملاذ الاخير لرأس النظام وعصابته والذي سيكون نواة لتقسيم سوريا ومسرحا لصراع طويل الامد، ولقد تنبه النظام مبكرا الى خطورة الحراك الثوري في الساحل وخطره عليه وعلى خياره الأخير فقمعه بأبشع وأشنع الطرق الهمجية منذ البداية وارتهن الساحل السوري بقبضة حديدية وينفذ مشروعه في حمص على قدم وساق.
ان معركة تحرير العاصمة دمشق معركة مهمة وحساسة ولكنها ليست حاسمة، وتكلفتها عالية جدا وهي كمعركة تحرير مدينة حلب مهمة ولكنها لم تكن ضرورية وليست اولية، وكذلك باقي معارك المدن التي في محصلتها مكلفة جدا للثورة والوطن على المدى القريب والبعيد، بالتالي هي معركة مع اللهب وليس مصدر النار والخطر الأساسي، ولا شك ان كل المعارك التى تدور رحاها تنهك نظام العصابة وتضعفه، ولكن معركة الحسم الحقيقية التي ستسقطه وتنهى وجوده وتقطع دابر الفتنة وتسقط المؤمرات على الوطن وتختزل الزمن وكثير من الثمن هي معركة تحرير الساحل السوري ونقل المعارك الى معاقل وأوكار النظام ومصادر امداده البشرية وملاذه الاخير في جبال الساحل السوري.
ان معركة تحرير الساحل السوري لا بد منها لحسم المعركة مع النظام، ولكن انجازها الان ومنحها الاولوية يخفف الكثير من الضغط على باقي المناطق، ولن يسقط النظام وما يحاك ضد الثورة والوطن إلا بتحرير الساحل السوري من نظام العصابة المجرم والمستعمر.
في الثورات تسقط الانظمة وتنتصر الثورة غالبا بتحرير العواصم الا في الثورة السورية فالسقوط الكلي والنهائي للنظام والمؤامرة لا يكون إلا بتحرير السواحل.
تنويه:
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين