الشيخ : نور الدين قرة علي
تتوالى الأخبار ويتناقل الناس أحداث العباد والبلاد ، وكل يدلي بدلوه في تحديد مستقبل الأمور ، وإلى أين تتجه مراكبنا فوق أمواج هذه البحور ،
وسمعنا ولا زلنا نسمع بأن خواتيم الأمور في حركة ثورتنا ستؤول إلى انتصارات كما يذكر المتفائلون ، وأن الفتح قريب ، وزوال النظام بات وشيكا ، ويأخذون بالاستعداد لدخول تلك المرحلة بمشاعر الفرح ، وتهيئة المواكب ، وتجمع الصفوف ، وقيام الكتل ، وتحديد المواقع ، وربما توزيع المراتب ،
أو يقول آخرون بأن الأمور آخذة بالتعقيد ، وأن أمد التغيير سيطول ، وأن ما هو آت قد يكون أشد هولا مما قد انصرم وفات ،
ومما يُذكر أيضا بأن فكرة التقسيم قد وُضعت بكل مخططاتها على طاولة التنفيذ ، وأن دُويلة ساحلية تُعدّ لطائفة ما ، وأن دويلة أخرى بدأت تتشكل في اقصى البلاد في الشمال ، وسيتلو هذه وتلك من يتهيأ لدويلة في الجنوب ، وأن الشرق الأوسط الجديد سيحدد دول الاقليم ، إلى غير ذلك من الأخبار التي تملأ مجالس القوم ، والتي يتداولها الكبار والصغار بمختلف أساليب الحوار ،
ويمضي عام ونصف على الثورة التي شغلت القاصي والداني بتفاصيل أخبارها ، وملأت الدنيا بعجائب أنبائها ، وحركت مؤسسات الأرض السياسية والاقتصادية والإعلامية بمعجزات ثباتها ،
وبعد هذا وذاك أحب أن نؤكد على بعض النقاط التي يجب ألا تغيب ضمن هذه الدوامة من الأخبار والأحداث ، فلا بد أن نعود إلى الوراء قليلا ، لنتذكر بأن هذه الثورة التي أنعم الله بها علينا قامت في البلاد بإرادة المولى وعنايته ، وعمت الجميع بفضله ومنته ، وارتدى ثوبها الصغار قبل الكبار ، والأمة قبل النخبة ، ورفع رايتها من لم يستطع أن يتفرد بادعاء ذلك من أفراد أو جماعات ،
هذه الثورة لم تكن انقلابا لتغيير افراد بأفراد ، أو نظام بنظام ، ولم تكن تحاصر نفسها بمكان دون مكان ، أو رقعة بدل رقعة ، ولم تكن تمثل طائفة ضد طائفة ، أو مذهبا بمقابل آخر ، وإنما كانت ثورة حرية ضد استبداد ، وثورة كرامة ضد ظلم ، وثورة شرف انساني ضد امتهان لكل مقدسات الإنسان ، إنها ثورة القيم العليا ضد الهبوط الذي وصل بالأمة إلى اسفل سافلين ، فهي نهضة قيم وحركة مبادئ ،
ومن هنا ينبغي أن ينطلق كل منا وهو يبحث في امر المستقبل أو ينظر إلى مآلات الأمور ، فكل ما تفرزه لنا الأحاديث السياسية ، والتحليلات الإخبارية ، والتكهنات المستقبلية ، إنما هو من خلال ما اعتاده اصحابها من ممارسات ، وما درجوا عليه من مقاييس ونظريات ، فهم لا يرون الأمور إلا من خلال قانون المصالح والمنافع ، ولا توزن القضايا لديهم إلا من خلال المقاييس المادية وصراع القوى التنافسية ، فالدول أسواق ، والحكومات عملاء ، والحركات تمثلها الحاجات ، والبشر أدوات استهلاك ، والتجمعات عصابات، والمؤتمرات تقاسمات ، والمؤسسات العالمية أدوات ضغوط وتأثيرات ،
ولذا تبرز قضايا اقليمية تتصارع ، ومقترحات سياسية تتقاسم ، وعلى هذا درجنا سنين طوالا ، وعلى هذا المقياس نرتب أحلامنا وآمالنا ،
أما اليوم .. فعلى الجميع أن يدرك ان ما حدث من ثورات ينبئ عن شيء آخر ، ينبئ ان الإنسان الذي ولد في منطقتنا ويثور اليوم هو شيء آخر ، إنه الذي أفرزته عهود تلو عهود ، وظروف تلو ظروف ، إنه الإنسان الحق الذي أراده الله أن يكون حرا كريما ، يكسر كل قيد ويأبى أي ظلم ، ولا يقيده زمان ولا مكان ، يعيش لحظته لأبديته ، ويضحي بكل ما يمتلك لنيل كرامته ، ولا يرضى أرضا مقدسة إلا أرضا يجد فيها نفسه عبدا لخالقه ، ولا يأبه للونه ولا جنسه ولا قوميته ، ولا يجد شريكا له في قضية إلا قضية انسانيته ،
إذا ثار على نظام فإنه لا يثور على أشخاص ولا ألوان ، وإنما يثور على ظلم وعدوان ، وإذا اراد أن يحيا في وطن فإنما الوطن لديه حيث يجد حريته ، والشعب عنده حيث تكون كرامته ، وقومه الذيم يحملون معه قضيته ، والمكان حيث تكون رفعته وقيمه وعدالته ،
لم تعد فكرة الأوطان السابقة فكرته ، ولا توازع الأمكنة مهمته ، ولا تحديد الحدود ورسم الأبعاد مشغلته ، الشرق والغرب لم تعد وجهته ، وإنما كعبة الحق هي قبلته ، والطوائف والمذاهب بأفكارها وطقوسها لم تعد تحاصره ، لأنه صار يبحث فيها عن مكوناتها الإنسانية ، عن وقفتها أمام الآخر تعيش حالة التعارف وهمة التعرف في تبادل آمن لأروع الحقائق الانسانية الكريمة ،
أسقط انسان الثورة اليوم من حساباته الخوف من كل ما كان ، وصار ما كان وهما إلا ما يحقق كرامة الإنسان ،
يا فتات الماضي التي تعيش جماعات وأحزابا ، لقد ألقينا بتزاحماتكم على حظوظ كراسيكم خلف الظهور ، وجئنا نمد يد التعاون على الخير وقيم الوجود أحرارا مكرمين ، يا دول الأقاليم المجاورة ، ثوارنا يقولون لكم .. لم يعد يصلح للحياة أن تسرقوا من الآخرين فرص الحياة , انتهى عهد الاحتواز وقامت ثورة العطاء ، فهلموا للحياة واتركوا الانتهاب ،
يا دول العالم الكبرى اتركوا المعارك فيما بينكم ، ففي نقطة أطماعكم ومركز مصالحكم قامت امة تمنحكم الأمن والأمان ، وتخرجكم من جور الأديان ومن صراع الإنسان ومن ضيق الدنيا إلى سعة العطاء من الرحمن ،
الثورة يا قوم وثوارها لم تعد ترجفهم مؤامرات ولا تقسيم دويلات ولا انقلابات ولا فيتو واسلحة ونووية وكيماويات ، لم يعد وهم التكتلات واصطناع الشخصيات البديلة ضمن تكتيك وتحذلقات ، فلا المجالس ولا الحكومات ولا الأموال ولا المناصب هي مشغلة القوم ولن تكون من الملهيات ،
اللغة اليوم لدى الثوار الأحرار أن تقوم العدالة والكرامة في ارض الحرية ، والأمن والأمان لجميع الخلق على السواء ، قسّموا ، أو استعمروا .. ستبقى لنا بقعة نحيا فيها ونتابع المسيرة نفسها ، مسيرة البذل والعطاء ، وليغرق العالم وليعم الطوفان أرجاء الأرض ، وسنبقى القليل الذي يعيد الإعمار للوجود ، إعمار الأمن والأمان قبل إعمار البناء ، والحرية والكرامة قبل الجداول والأنهار ، وسنحافظ على عمران الوجود ، وسنحمل من كل زوجين اثنين من الأنعام والطيور حفاظا على البيئة ، ولكن سنفترق عن الزوجة والولد ولن نحمله حفاظا على كرامة الإنسان إذا اساء في درب الطغيان ، فإننا نحافظ على البيئة من الانقراض ولكن نجاهد للحفاظ على عدم انحراف الإنسان حتى لا يكون مع الغابرين ، أو يتوهم بأنه يحتمي بالقوى المادية من الطوفان ،
إن ثورة بلاد الشام جزء من ثورة الإنسان الجديد من المغرب إلى المشرق ، سيعم اثرها الوجود بإذن الله إذا تنادينا للحفاظ على مبادئها ، ووقفنا في وجه من يريد تحويلها عن طريقها ، ليشغلها بمجالس السياسة الموهومة ، أو شخصيات تُصطنع لقيادتها هنا وهناك ...