الثورة السوريّة والموقف من المنشقّين .!

الثورة السوريّة والموقف من المنشقّين .!


د. عبد المجيد البيانوني 
عضو رابطة العلماء السوريين


بعد بداية الثورة السوريّة بقليل ، وردّ النظام عليها بالقتل والتنكيل ، بأسوأ ما بجعبته من الشرّ والإجرام بدأت ظاهرة الانشقاق عن النظام على كلّ مستوى .. ولكنّها كانت قليلة ، ومتركّزة على عناصر الجيش ، من الأفراد وصفّ الضبّاط والضبّاط .. لأنّهم كانوا بين خيارين لا ثالث لهما : إمّا أن يَقتُلُوا شعبهم ، أو يُقتَلُوا .. 


ومع استمرار الثورة ، وشمول رقعتها شرق سورية وغربها ، وكلّ مدنها وأريافها تنامت ظاهرة الانشقاق وازداد زخمها ، وأصبحت أخبارها يوميّة ، ورحّب الشعب ، وكلّ قواه الثوريّة بها ، وشجّعوا عليها .. 


ومع تمادي النظام في إجرامه وسفكه للدماء ، واستهدافه المدنيّين من الأطفال والنساء ، وسقوط كلّ ما يتترّس به من أقنعة زائفة أصبح بقاء أيّة شخصيّة دينيّة أو سياسيّة أو عسكريّة أو أمنيّة أو دبلوماسيّة معه جريمة مباشرة بحقّ الشعب السوريّ ، ومشاركة في جرائم النظام وإفساده .. وأصبح الانشقاق لتأخّره مع الترحيب به ، يلقى العتب الشديد من عامّة الشعب والثوّار ، مع التشكيك أحياناً بدوافع الانشقاق وصدق صاحبه .. 


ومع عمق الجراح وهول المأساة ، واتّساع نطاق آثارها ، وتكالب الأعداء علينا من الشرق والغرب ، وفقد النصرة من عامّة الأمّة إلاّ ما ندر غلب التشكيك والاتّهام على الموقف من ظاهرة الانشقاق ، وبخاصّة تجاه الشخصيّات التي هي من الحلقة المقرّبة من النظام ، لأنّها تعدّ مشارِكة مشارَكة مباشرة في جرائمه ، وعوناً له على إفساده .. 


وتضاربت المواقف ، واشتدّت لهجة بعض الكاتبين على صفحات التواصل الاجتماعيّ ، وقست كلماتهم إلى درجة رفض انشقاق المنشقّين تحت ذرائع شتّى .. 


وأصبحت الحاجة ملحّة إلى بيان الرؤية الصحيحة ، التي تستهدي بمبادئ الشريعة وقواعدها ، وحكمها ومقاصدها ، وتضع باعتبارها رعاية المصالح المعتبرة ، ودرء المفاسد المتوقّعة ، وتنطلق من رحابة السياسة الشرعيّة وسعة أفقها .. 


وأحبّ أن ألخّص رؤيتي لذلك في النقاط التالية ، وهي رؤية اجتهاديّة قابلة للنقد والحوار : 
ـ الانشقاق مرحّب به في كلّ وقت ، ولا يعني ذلك أنّ المنشقّ أصبح محلّ الصدارة بين الناس .. فالمنشقّون ليسوا سواء من حيث الموقع والزمان .. 


ـ هل يعفي الانشقاقُ المنشقَّ من الجرائم التي باشر القيام بها بنفسه في حقّ الشعب .؟! هذا ما ليس لأحد أن يتكلّم به الآن ، وإنّما أمره إلى المحكمة الشرعيّة بعد انتصار الثورة .. والحديث عنه الآن سلباً أو إيجاباً نوع من الجدل في غير طائل ، والعدوان على اختصاص القضاء الشرعيّ ، واستباق للأمور قبل أوانها ، وخير لمن يتكلّمون في ذلك أن يشغلوا أنفسهم بواجب الوقت ، الذي هم فيه . 
ـ على القوى الثوريّة ، وعامّة الناس أن يتعاملوا مع أيّ منشقّ بوعي وحذر ، وبخاصّة مع الذين تأخّر انشقاقهم ، وهذا لا يعني إطلاق ألفاظ الشتائم والسباب ، وعبارات التخوين والاتّهام بغير بيّنة ولا دليل ، فهذه ليست من أخلاقيّاتنا بحال . 


ـ على المنشقّ أن يثبت صدق انشقاقه بتبديل سيّئاته حسنات ، وذلك بخدمة الثورة فيما يحسن من المجالات ، وأنّ يقدّم للثوّار ما لديه من وثائق ومعلومات ، وكلّ ذلك يؤخذ بعين الاعتبار في نظر المحكمة بعد انتصار الثورة . 


ـ وإذا كانت الأضواء توجّه بهذا الزخم على الانشقاق ، والسهام تسلّط بكثافة على المنشقّين ، فإنّ هناك فئة منافقة ، مندسّة بيننا منذ أوّل الثورة ، ذات ولاء تامّ للنظام ، وهي في كلّ موقع ، تنشر الأكاذيب ، وتصطنع الفتن ، وتنقل الأخبار .. وأولى بالثوّار أن يرصدوا تحرّكاتها ، ويكشفوا علاقاتها ، ويجمعوا البيّنات لإدانتها ، من أن يوجّهوا سهامهم لمن ينتقل من صفّ العدوّ المجرم ، ويعلن انتصاره للشعب المظلوم .. 


وأخيراً : هذا كلام عامّ لا ينفي خصوصيّة بعض الحالات سلباً أو إيجاباً ، ولكنّها تبقى محكومة بأخلاقيّاتنا ، التي لا نتخلّى عنها في جميع الأحوال ..

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...