الثورة الإيرانية ... نهاية التاريخ عند الشيعة

الثورة الإيرانية ... نهاية التاريخ عند الشيعة

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الاثنين، ١٢ ربيع الأول ١٤٣٥ هـ - ١٣ كانون الثاني ٢٠١٤
1495

قامت الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979م، والتي على إثرها تخلصت إيران من النظام الملكي العلماني الموالي للغرب تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي لتصبح جمهورية إسلامية على المذهب الشيعي الاثني عشري تحت قيادة آية الله الخميني.

 

 وقد كانت هذه الثورة "ثورة فريدة من نوعها باعتبارها مفاجأة على مسرح الأحداث الدولية، وذلك من حيث السرعة التي حدث بها التغيير العميق، وكذلك الدور القيادي للدين فيه"(1).

 

 وقد بنى الخميني الدولة الجديدة على نظرية "ولاية الفقيه"، حيث يقوم الملالي بالحكم وتهيئة الأوضاع حتى ظهور المهدي المنتظر، وقد ظهرت هذه النظرية في شكل "سلسلة محاضرات في أوائل سنة 1970م، صدرت فيما بعد في كتاب"(2).

 

 وقد بيّن الخميني أنه "لا يكفي أن يقود الفقهاء جماعة المسلمين، بل عليهم أن يقودوا الحكومة -أيضًا"(3).

 

وهذه رؤية لدولة دينية تحكم باسم أئمة آل البيت المعصومين حسب الفكر الشيعي، وهي تشبه إلى حدٍّ كبير الحكم الكنسي في عصر ما قبل النهضة الأوروربية، والتي كان البابا يسيطر من خلالها على الملوك والأباطرة.

وقد حاولت إيران تصدير ثورتها للدول العربية والإسلامية وما زالت، وهي تستخدم سياسة النفس الطويل، فهي قد نجحت في تكوين حليف قوي لها في لبنان، وهو (حزب الله)، وتحالفت مع أمريكا (الشيطان الأكبر في أدبياتها) لإسقاط نظام صدام البعثي، وها هم حلفاؤها والموالون لها يتربعون على سدّة الحكم في بغداد، وفي البحرين تحاول تغيير الأوضاع عن طريق افتعال شكل ثوري لقلب نظام الحكم، وفي اليمن تحول الحوثيون الزيود إلى شيعة اثني عشرية يحاربون الدولة ويكادون أن يستقلوا ببعض المناطق، وهي الداعم والحليف الرئيس للمجرم بشار الذي يذبِّح شعبه صباح مساء، ولولاهم لسقط بشار ونظامه، فهم يعطونه قبلة الحياة.

وأصبحت إيران تمثل المرجعية الروحية للشيعة الاثني عشرية في العالم كله، فتجد أن ولاء الشيعة لبلدانهم يأتي في مرتبة متأخرة عن ولائهم لإيران ومرشديها وملاليها.

 

ويصف محمد السعيد عبد المؤمن هذا بما سماه (إيران الكبرى) و(الهُوية الإيرانية)، وهي "هوية موحدة للدول الشيعية وشعوبها"(4). فقادة إيران يحكم تصوراتهم أهداف توسعية؛ لإعادة مجد الدولة الفارسية القديمة، ولكن في ثوب ديني شيعي.وقد آتت هذه التحركات والتصورات أكلها؛ حيث انبهر الكثيرون بهذه الدولة والفكرة، ووصل حدّ الانبهار بالثورة الإيرانية ومفرزاتها أن يقول د. وليد سعيد البياتي(5): إنها "مثلت في التاريخ المعاصر نهضة إسلامية واقعية رسمت الملامح النهائية للمستقبل الإسلامي وصراعه ضد الطغيان"(6).

وليس عجبي من انبهاره بـ"إيران الإسلامية" -على حد وصفه- ولكن بوصفه لها بأنها "رسمت الملامح النهائية للمستقبل الإسلامي"، وهذه هي عين فلسفة "نهاية التاريخ" التي بشّر بها فرانسيس فوكوياما، والتي تعتبِر أن الليبرالية والديمقراطية الغربية المعاصرة هما البديل الحضاري في مختلف أنحاء العالم للأنظمة الديكتاتورية، وأن المستقبل سيكون للرأسمالية، ولكنها بثوبها الشيعي.

 وقد تساءلت: هل هذه الفكرة مسيطرة على د. البياتي، أم يشاركه فيها الكثيرون؟ فقررت أن أبحث عما يجيب عن هذا التساؤل سواء بالإيجاب أم بالنفي.وإليكم ما توصلت إليه:

 

 محمد السعيد عبد المؤمن في مقالته بالأهرام يقول: "يؤكد أحمدي نجاد أنه يريد بناء النموذج الأمثل للمجتمع المدني الذي تعرضه الثورة الإسلامية على العالم والمجتمع البشري في المنطقة، المجتمع المدني الذي يصلح لاستقبال إمام الزمان عند ظهوره"(7).فالثورة الإيرانية تقدِّم النموذج الأمثل للمجتمع المدني -حسب رؤيته- وليس للمسلمين فحسب، بل للعالم أجمع.

 

ثم ينقل نصًّا عنه يقول فيه: "إن مسيرتنا التي بدأناها تتحرك الآن، ولا سبيل أمامنا إلا التطور وتغيير الاتجاه بالعودة إلى نموذج إيران الإسلامية، نموذجنا الذاتي"(8).

 

 "العودة إلى نموذج إيران الإسلامية"، هذا حديث متوجه للآخر وللخارج، وليس حديثًا للداخل، فعلى الجميع أن يعودوا للنموذج الإيراني رغبة أو رهبة.وهذه ليست رؤية للرئيس السابق، بل هي استراتيجية يقوم الكل على تحقيقها.

 

 يقول عياد أحمد البطنيجي متحدثًا عن السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية: "يكتنفها قدر كبير من المبالغة، فهي تعمل على تعظيم الذات وتضخيمها، وترسم لنفسها دورًا يفوق دورها كدولة دنيوية يقودها بشرٌ، فهي تفترض أن العالمَ فراغٌ تسعى إيران لملئه"(9).

 

 ويرى أن إيران تعتبر نفسها مركزًا يجب أن يدور العالم من حوله، وقد استشف ذلك من تصريحات القيادة الإيرانية من نجاد إلى خامنئي.وقد أشار إلى "نظرية أم القرى" تلك "النظرية التي ترمي إلى جعل قم وطهران هما أم القرى بدلاً من مكة، أي: مركز العالم الإسلامي، وعاصمة لكل المسلمين، وسيكون فيها قيادة العالم الإسلامي؛ لتتزعم الأمة بزعامة ولاية الفقيه"(10).

 

 ولتعظيم الثورة الإيرانية والنظام التي تبنته يقوم أحمدي نجاد بالهجوم على الإدارة الأمريكية، ففي أثناء إلقاء كلمته أمام قمة قادة الدول على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك هاجم الرأسمالية العالمية، وقال: إننا "بحاجة إلى العودة إلى الخطة الإلهية وفطرتنا التي من أجلها خلق الإنسان، والعودة إلى الحكم العادل والمنصف"، "وإن ثمة نوعين من الإدارة: الأولى أمريكية ثبت فشلها، والثانية إيرانية يمثلها ميثاق قورش(11) والتعاليم الإسلامية السامية"(12). فهو يعتبر أن ثورته الإيرانية ونموذجها يمثل البديل الحضاري عما يسمى بالأمركة. ولكن اللافت هنا أنه أضاف إلى التعاليم الإسلامية تعاليم قورش الكبير، في إشارة إلى الحضارة الفارسية قبل الإسلام.

 

 وفي خطاب أرسله علي خامنئي "المرشد الأعلى" للدولة الإيرانية للرئيس المصري محمد مرسي -فكّ الله أسره- لتهنئته بانتخابه رئيسًا للبلاد طالبه فيه "بتبني (النموذج الإيراني)، والانضمام إلى طهران في (بناء الحضارة الإسلامية الجديدة)، استنادًا إلى تعاليم الإمام الراحل آية الله الخميني"(13).

 

آية الله الخميني الذي يصفه خامنئي بأنه "كان فيلسوفًا عظيمًا، وعالمًا ذا مكانة بارزة في التاريخ الإسلامي، ولذا فإنه يتعين على المسلمين في كل مكان اتّباع تعاليمه"(14).

ويتحدث عن نظرية "ولاية الفقيه" متمدحًا لها بأن إيران قد أصبحت تحتها "واحدة من أكثر دول العالم تقدمًا في مجموعة من المجالات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية"، و"أن أفضل مسار في الحياة هو الذي يكون مستوحى من ولاية الفقيه".

 ويضيف في الخطاب أن ما أسماه "(مصر الجديدة) يجب أن تبنى وفقًا لتعاليم الإسلام كما وردت في النموذج الإيراني للتنمية"(15).

 

 ونستنتج مما سبق أن ما ذكره البياتي ليس رؤيته وحده للثورة، ولكن القيادة الإيرانية بشقيها الديني والسياسي الكل ينطلق من خلال دعوة رسالية وإيمان عميق بهذه الثورة ونموذجها لتحل محل النظم والنماذج والأفكار الأخرى.

 

وهناك أوجه شبه كبيرة بين أمريكا وإيران في هذا الشأن، فهما لديهما تضخم في الشعور بالذات، وإحساس كبير بحاجة العالم إليهما وإلى ما يحملانه ويبشران به من أيديولوجيات، وأن على العالم أن يكون تابعًا لهما، وشعور عميق بمركزيتهما العالمية... إلخ. 

 

وفي ظني ولا أكون مجافيًا للحقيقة إذا قلت: إن هذه الرؤية ما هي إلا رغبة في الاحتلال والغزو والسيطرة متقنعة بستار أيديولوجي يدعى: نشر النموذج الثوري الإيراني.

الهوامش:

 (1) موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

(2) السابق.

(3) السابق.

(4) محمد السعيد عبد المؤمن: خامنئي وأحمدي نجاد بين مفترق الطرق، مختارات إيرانية، الأهرام الرقمي، 1مايو 2011م.

(5) عرّف نفسه في مدونته بأنه أكاديمي عربي من العراق مقيم في لندن - باحث ومحقق في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية - باحث في نظرية مصادر التشريع - رئيس ومؤسس الاتحاد الشيعي العالمي.

(6) د. وليد سعيد البياتي: عقيدة صناعة العدو في السياسة الأمريكية... دراسة تحليلية في الاتجاهات الأمريكية المعاصرة [Arab Times Blogs].

(7) محمد السعيد عبد المؤمن خامنئي وأحمدي نجاد بين مفترق الطرق.

(8) تابناك 21دي 1389هـ. ش./11-1-2011م.

(9) عياد أحمد البطنيجي: قراءة في السياسة الخارجية الإيرانية: محدد القوة. موقع منبر الحرية، 11 فبراير/شباط 2011م.

(10) السابق.

(11) "قوروش الكبير (باللغة الفارسية: كوروش بزرگ): أحد أعظم ملوك الفرس الأخمينية، استولى على آسيا الصغرى وبابل وميديا، قضى على الكلدان، حكم من (550-529) ق.م، وقتل في ماساجت، ودفن في باساركاد" [ويكيبيديا الموسوعة الحرة].

(12) عياد أحمد البطنيجي: قراءة في السياسة الخارجية الإيرانية: محدد القوة.

(13) الشرق الأوسط (جريدة العرب الدولية)، العدد (12499)، السبت 5 ربيع الثانى 1434 هـ، 16 فبراير 2013م.

(14) السابق.

(15) السابق.

موقع "قاوم"

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...