من المصائب التي مُنيت بها ساحات العمل الثوريّ والجهاديّ؛ غيابُ الأولويّات عند العاملين في أفعالِهم وأقولِهم، مما يدلّ على فوضى في العمل، وتخبّط في الأهدافِ، وعشوائيّة في المسير، وارتجاليّة منفعلةٍ وغياب المشروع بل وفقدان الطريقِ القويمِ، والطريقةِ المُثلى التي تجعل العاملين يخبطونَ خبط عشواء بغيرِ هدىً ولا عيونٍ مبصرة، ويتجلّى غيابُ الأولويّات عن كثيرٍ من المشاهد الثوريّة بصورٍ شتّى منها:
• انشغالُ القيادات الجهاديّة والنّخبِ الثّوريّة في ميادين الثورة وساحاتِها بألوانِ لباسِ النّساءِ، وقراراتِ بيعِ الدخان، وأحكامِ الحلّاقينِ، وشكلِ العلمِ والرَّايةِ، والجدلِ الدّائرِ حولَ الدّيمقراطيّةِ وحكمها، في الوقتِ الذي تنتشرُ فيه فوضى السّلاح، وتفتكُ بالأمنِ الاغتيالات الممنهجةُ والعشوائيّة، والاعتقالات التعسفيّة، والاستبداد باسم الدّينِ، وتغوّل الفصائلِ وقادتها بما يوحي أنّنا أمام عصر جديدٍ من أمراء الحرب وغير ذلكَ من الطّوامّ المتعلّقةِ بأمنِ النّاس وحريتهم وكرامتهم ومعاشِهم.
• ومن صور غياب الأولويّات أيضًا، انشغالُ النّخب وقياداتِ العمل الثّوريّ، وإشغالِ الجماهير بقضايا فرعيّة لا تتعلّقُ بجوهرِ الثّورةِ ولا تنتمي إلى مسائلها الرّئيسة، ولا تؤثّر في مسيرِ الثّورة السياسي أو العسكري أو المدنيّ، ومثالُه حفلات وحملاتُ الرّدحِ العامّةِ التي لا يكادُ يخلو يومٌ منها ولا يتعلّقُ أكثرُها بقضايا جوهريّة، على أنّ مناقشةَ هذه الفروع مهمّ بشرط أن لا يؤثّرَ على الاهتمام بالمسائلِ الرئيسة ، ولكنّ إطالة الجدلِ في كلّ قضيّةٍ تحدثُ أو تصريحٍ يصدرُ يغدو مضيعةً للوقتِ والجهدِ وتضييعًا للطاقاتِ فيما ينبغي أن تُبذَلَ به، مع دلالةٍ سلبيّةٍ على الفراغِ المستحكمِ والضياعِ المستبد، مع التأكيد على أهمية التعاملِ مع هذه القضايا الفرعيّة باقتصادٍ بناءً على حجمها الحقيقيّ لا الموهوم، وقدر تأثيرها في مسار القضيّة والثّورة الأمّ.
• ومن صور غياب الأولويّات أيضًا الإغراقُ في بحثِ مسائل ما بعدَ الثّورة من شكلِ الدّولةِ والسّلم الأهلي وقضايا التعايش وغيرها، ومع أهميّة بحثِها وضرورةِ وضوحِها إلَّا أنّ الإغراقَ في تفاصيلِها مع إهمالِ الواقع القائمِ يورثُ تنازعًا بغيضًا على مناصب خلّبية، وفشلًا مقيتًا وجدلا عقيما في ما هو متوقّع مع تضييع ما هو قائم.
وهذا يستدعي انعطافةً حقيقيّةً إلى الذّات، ومراجعة للحسابات، فإن كانَ الجهدُ المطلوبُ للثّورةِ أكبرُ من طاقاتِ العاملين فيها؛ فكيفَ يكونُ الحالُ مع تضييع هؤلاءِ جهدهم وإهدارِهم طاقاتِهم فيما هو بعيدٌ عن الثّغر الذي يذودونَ عنه ويجبُ عليهم أن يسدّوه أولًا وقبلَ كلّ شيء؟!!
عندَها يكونونَ هم قبلَ سواهم أعداءَ أنفسهم، وخصومَ ثورتِهم وخاذلي شعوبِهم.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


