التوازن بين الفردية والجماعية في نظام الإسلام ـ 2 ـ

التوازن بين الفردية والجماعية في نظام الإسلام ـ 2 ـ

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الجمعة، ٢٢ جمادى الأولى ١٤٣٣ هـ - ١٣ نيسان ٢٠١٢
1842

الشيخ يوسف القرضاوي

التوازن بين الروحية والمادية:
ومن مظاهر التوازن في الشريعة الإسلامية: موقفها من الروحية والمادية أو ـ بعبارة أخرى ت بين الدين والدنيا.
أ ـ لقد وجدت في التاريخ جماعات وأفراد، كل همهم إشباع الجانب المادي في الإنسان.
وعمارة الجانب المادي في الحياة، دون التفات إلى الجوانب الأخرى:[وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ] {الأنعام:29}.
وهذه النزعة المغالية في المادية وفي قيمة الدنيا، جديرة بأن تولد الترف والطغيان، والتكالب على متاع الحياة، والغرور والاستكبار عند النعمة، و اليأس والقنوط عند الشدة.
نرى ذلك واضحاً فيما قصَّه الله علينا من مصارع الأفراد والأقوام الذين عاشوا للدنيا وحدها، ولم يلقوا للدين بالاً، ولا للآخرة حساباً ولا للروح مكاناً.
فهذا صاحب الجنتين يفخر على صاحبه، منتفخاً بثروته... مختالاً بجنته قائلاً: [وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا] {الكهف:36}.
فأرسل الله على جنته [وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا] {الكهف:41}.
وهذا قارون، الذي آتاه الله من الكنوز ما أن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، بغى على قومه: واغتر بماله، وعزا الفضل فيه إلى نفسه: [قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي] {القصص:78}. فخسف الله به وبداره الأرض.
وهذا فرعون الذي قال: [أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ] {الزُّخرف:51} .
وغير هؤلاء من الأمم التي أترفت في الحياة فقتلها الترف، ودمرها التحلل، وحقت عليها كلمة العذاب، وحرمت نصر الله وعونه:[حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ لَا تَجْأَرُوا اليَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ] {المؤمنون:66}. [وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ] {الأنبياء:13}.
ب ـ وفي الطرف المقابل لهذه النزعة وأصحابها، وجد آخرون من الأفراد والجماعات، نظروا إلى الدنيا نظرة احتقار وعداوة، فحرموا على أنفسهم طيبات الحياة وزينتها، وعطلوا قواهم من عمارتها، والإسهام في تنميتها وترقيتها، واكتشاف ما أودع الله فيها.
عرف ذلك في برهمية الهند، ومانوية فارس، وبدا ذلك بوضوح وجلاء في نظام الرهبانية الذي ابتدعه النصارى، فعزلوا جماهير غفيرة عن الحياة، والتمتع بها، والانتاج فيها.
وأصبح الشائع في مفهوم الناس عن الدين والتدين الحق، هو الانقطاع عن العالم، والتفرغ للعبادة، وأن المتدين الحق هو الذي يتبطل فلا يعمل، ويتقشف فلا يتمتع، ويتبتل فلا يتزوج، ويتعبد فلا يفتر، ليله قائم، ونهاره صائم، يده من الدنيا صفر، وحظه من الحياة خبز الشعير، ولبس المرقَّع... واتخاذ الفلوات داراً!
 
ج ـ وبين هاتين النزعتين قام الإسلام، يدعو إلى التوازن والاعتدال، فصحح مفهوم الناس عن حقيقة الإنسان، وعن حقيقة الحياة.
فالإنسان مخلوق مزودج الطبيعة، يقوم كيانه على قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله، ففيه عنصر أرضي، يتمثل في جسمه الذي يطلب حظه مما خرج من الأرض من متاع وزينة، وفيه عنصر سماوي يتمثل في روحه التي تتطلع إلى هداها مما نزل من السماء.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الطبيعة المزدوجة في خلق الإنسان الأول: آدم أبي البشر، فقال تعالى:[إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ] {الحجر:29}.
وأشار إلى هذه الطبيعة نفسها في خلق ذرية آدم، حيث قال:[الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ] {السجدة:9} .
وكان من حكمة الله سبحانه أن خلق الإنسان على هذه الطبيعة، لأنها تتفق مع الرسالة التي كلف القيام بها، وهي الخلافة في الأرض.
فهو ـ بعنصره الطيني المادي قادر على أن يسعى في الأرض ويعمرها، ويحسنها، ويكتشف ما أودع الله فيها من كنوز ونعم، ويسخر قواها المتنوعة ـ باذن الله لمنفعته والنهوض بمهمته. فالجسم المادي في الإنسان ليس إذن شراً ولا لعنة. ولو كان الإنسان روحاً خالصاً كالملائكة ما وجدت لديه الدوافع التي تحفزه على استخدام المادة والمشي في مناكب الأرض وانكشف عن مكنونها، والعمل على تعميرها.
وهو ـ بعنصره الروحي السماوي مهيأ للتحليق في أفق أعلى، والتطلع إلى عالم أرقى، وإلى حياة هي خير وأبقى، وبهذا يسخر المادة ولا تسخره، ويستخدم ما على الأرض من ثروات وخيرات دون أن تستخدمه هي وتستعبده.
إن الأرض وما عليها خلقت له، أما هو فقد خلق لله: لعبادته ومعرفته وإحسان الصلة به.
والحياة ليست سجناً عوقب الإنسان به، ولا عبئاً فرض عليه حمله، إنما هي نعمة يجب أن تشكر، ورسالة يجب أن تؤدى، ومزرعة لحياة أخرى هي خير وأبقى، يجب ألا تشغل عنها، ولا تحيف عليها.
والقرآن الكريم يدعو إلى العمل للحياة، والضرب في الأرض، والمشي في مناكبها، والاستمتاع بطيباتها، بجوار الحث على الاستعداد للآخرة والتزود ليوم الحساب، وذلك بالإيمان والعبادة وحسن الصلة بالله، ودوام ذكره الذي تطمئن به القلوب.
يقول سبحانه:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ] {المائدة:88}.
ويقول تعالى:[هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ] {الملك:15}.ويقول: [فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] {الجمعة:10}.ويقول: [وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ] {القصص:77}.
والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان يأكل من طيبات هذه الحياة، ولا يحرمها على نفسه، ولكنه لم يجعلها شغل نفسه، ولا محور تفكيره، وكان من دعائه: اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا) رواه الترمذي وحسنه وأقره النووي، ورواه الحاكم وصححه على شرط البخاري ـ.
وإنما كان يعطيها حقها، وللآخرة حقها، بالقسطاس المستقيم، وكان من دعائه: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر) ـ رواه مسلم ـ.
فهذا الدعاء النبوي المأثور، يبين موقف المسلم من الدين والدنيا والآخرة، إنه يطلبها جميعاً، ويسأل الله أن يصلحها له جميعاً، الدين والدنيا والآخرة، إذ لا غنى له عن واحد منها، فالدين عصمة أمره، وملاك حياته، والدنيا فيها معاشه، ومتاعه إلى حين، والآخرة إليها معاده ومصيره.
وهو مثل الدعاء القرآن الموجز الذي كان صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يدعو به:[ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] {البقرة:201}.
وكان صلى الله عليه وسلم حريصاً على توجيه أصحابه إلى التوازن المقسط بين دينهم، ودنياهم، بين حظ أنفسهم، وحق ربهم، بين متعة البدن، ونعيم الروح، فإذا رأى في بعضهم غلواً في جانب، قوَّمه بالحكمة، ورده إلى سواء الصراط.
لما رأى في بعض أصحابه إفراطاً في التعبد والصيام والقيام، على حساب جسمه وأهله، قال له: (إن لبدنك عليك حقاً وإن لزورك ـ يعني زوارك وضيوفك ـ عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه) ـ رواه البخاري ـ.
وقال للجماعة الذين التزم أحدهم أن يصوم فلا يفطر، والتزم ثانيهم أن يقوم فلا ينام، والتزم الثالث أن يعتزل النساء فلا يتزوج أبداً ـ قال لهم: (أما إني أعملكم بالله وأخشاكم له، ولكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) ـ رواه البخاري ـ.
وحين أقبل أبو عبيدة بمال من البحرين، وأحس بعض الصحابة بقدومه فهرولوا مسرعين، ينتظرون أن ينالهم شيء منه، وبدا منهم الحرص على هذا المتاع الأدنى، انتهزها النبي صلى الله عليه وسلم فرصة ليحذرهم من فتنة الدنيا وغرورها، والحرص على زخارفها، فخطب فيهم قائلاً: (أبشروا وأملوا، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها، كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم).
وهكذا تعلم الصحابة أن يوازنوا بين مطالب دنياهم وآخرتهم، وأن يعملوا للدنيا كأحسن ما يعمل أهل الدنيا، ويعملوا للآخرة كأحسن ما يعمل أهل الآخرة، يقول القائد الفاتح عمرو بن العاص رضي الله عنه: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، و اعمل لآخرتك كأنك تموت غداً).
ولم يشعوا بتعارض قط بين عملهم لدينهم، وعملهم لدنياهم، بل شعروا بالوحدة والانسجام والامتزاج كانت شعائرهم وواجباتهم الدينية تعطيهم زاداً وشخصية قوية، يواصلون بها الكفاح لدنياهم، وكانت أعمالهم الدنيوية عوناً لهم على أداء فرائضهم الدينية، كانوا يعتقدون أنهم ـ في عبادتهم ومساجدهم ـ ليسوا مقطوعين عن الدنيا، كما أنهم ـ في مزارعهم ومتاجرهم وحرفهم ـ غير بعيدين عن الدين ! فأعمالهم هذه عبادة إذا صحت فيها النية، والتزمت حدود الله.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: مجلة الأزهر السنة الثامنة والأربعون، شوال1396هـ، جزء: 8.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...