إذا اجتمع المسلمون شرقا وغربا شمالا وجنوبا على عمل توارثوه عن آبائهم عن أجدادهم يتقربون به إلى الله تعالى فإياك أن تتهجم بالظنون وتسارع برأي فطير إلى تخطئته وتبديعه وتضليله فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة ولا تتفق على بدعة بل يجب عليك أن تتهم نفسك وتوبخها على ظنها السوءَ بالمسلمين وطعنها في دين وعمل آبائك وأجدادك من غير برهان كالشمس في رابعة النهار.
ومن ذلك تهجم بعض الناس على التكبير الجماعي بعد الصلوات المكتوبات ومنع الناس منه مدعيا أنه بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
والحق أن هذا تحكم وتجرؤ على الفتيا وقول على الله بغير علم.
فمن الذي قال لهذا الطاعن بالعمل المتوارث الذي له قيمة عظيمة في الدين من قال له: إنه بدعة؟ ما دليله على ذلك؟ هو المطالب بالدليل لأنه مدعٍ فعليه أن يثبت دعواه.
وأتحدى أن يأتي هذا المدعي بآية أو حديث ينص على أن هذه الكيفية من التكبير وهذه الهيئة منه مبتدعة وأنها ضلالة.
فقد ثبت التكبير إثر الصلوات وقبيل صلاة العيد عن الصحابة الكرام وتوارثته الأمة فهو متواتر عملي، ولكن هل ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة ما يعين كيفيته ويخصص هيئته بشيء معين لا يجوز تعديه ولا يسمح بالخروج عنه؟
لم يرد شيء، وأتحدى أن يأتي هذا المدعي بما يدل على ذلك.
فإذا ثبت عدم ورود كيفية منصوصة محصورة معينة للتكبير فلا يجوز تخصيصه بهيئة ولا تقييده بكيفية معينة وادعاء أنها هي السنة وأن ما خالفها هو البدعة.
التكبير ورد مطلقا فأنى لك أن تقيده بما لم يرد؟! وكيف تحرم شيئا لم ينه عنه الله ولا رسوله ولا أجمع عليه المسلمون ولا دل على تحريمه قاعدة من قواعد الشرع الشريف؟!
يدعي بعض الناس تحريم التكبير الجماعي واصفا إياه بالبدعة، والبدعة خلاف السنة، فما السنة في ذلك؟ لا تثبت السنة بالأوهام والتخيلات ولا بالآراء المسبقة وإنما تثبت بالدليل والنقل الثابت الأصيل، ولا دليل على دعواه ولو طار في الهواء ومشى على الماء، وإنما يتعلق هؤلاء بعدم الورود، وهو أوهى من خيط العنكبوت، إذ عدم الوجدان لا يقتضي عدم الوجود، بله أن عمل المسلمين على خلاف المدعى.
بل إننا ندعي أنه ثبت في الآثار ما يدل على مشروعية ما عليه الناس من العمل المتوارث، ففي "صحيح البخاري" أن عمر رضي الله عنه كان يكبر في قبته بمنى، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج مِنَى تكبيرًا، وهذا ظاهر الدلالة على الجهر الجماعي بالتكبير، فإن ارتجاج منى لا يتأتى إلا بذلك، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (2/ 462، ط. دار المعرفة): [وهي مبالغة في اجتماع رفع الأصوات] اهـ، وكذلك قال الحافظ العيني، والشوكاني في "نيل الأوطار".
وأصْرَحُ من ذلك رواية البيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 312): [فيسمعه أهل السوق فيكبرون؛ حتى ترتج منى تكبيرًا واحدًا] اهـ.
وفي "صحيح البخاري" (2/ 20، ط. دار طوق النجاة) تعليقًا: [أن ابن عمر وأبا هريرة رضي الله عنهم كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما] اهـ، وهذا ظاهر في الدلالة على التكبير الجماعي، وهذا الأثر الذي علقه البخاري قد وصله الفاكهي في "أخبار مكة" (3/ 9-10، ط. دار خضر) بلفظ "فيكبران فيكبر الناس معهما لا يأتيان السوق إلا لذلك".
وروى ابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 667، ط. مكتبة الرشد-الرياض): [عن مسكينٍ أبي هريرة(هو ابن دينار ) قال: سمعت مجاهدًا، وكبر رجل أيام العشر، فقال مجاهد: "أَفَلَا رَفَعَ صَوْتَهُ، فَلَقَدْ أَدْرَكْتُهُمْ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُكَبِّرُ فِي الْمَسْجِدِ، فَيَرْتَجُّ بِهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ يَخْرُجُ الصَّوْتُ إِلَى أَهْلِ الْوَادِي حَتَّى يَبْلُغَ الْأَبْطَحَ، فَيَرْتَجُّ بِهَا أَهْلُ الْأَبْطَح، وَإِنَّمَا أَصْلُهَا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ"] اهـ.
وروى الإمام مالك في "الموطأ" (1/ 404) في باب تكبير أيام التشريق: [عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج الغد من يوم النحر حين ارتفع النهار شيئًا فكبر، فكبر الناس بتكبيره، ثم خرج الثانية من يومه ذلك بعد ارتفاع النهار فكبر، فكبر الناس بتكبيره، ثم خرج الثالثة حين زاغت الشمس فكبر، فكبر الناس بتكبيره، حتى يتصل التكبير] اهـ. قال الإمام مالك: [الأمر عندنا: أن التكبير في أيام التشريق دبر الصلوات، وأول ذلك تكبير الإمام والناس معه دبر صلاة الظهر من يوم النحر، وآخر ذلك تكبير الإمام والناس معه دبر صلاة الصبح من آخر أيام التشريق] اهـ.
قال الإمام الباجي المالكي في كتابه "المنتقى شرح الموطأ" (3/ 42، ط. مكتبة السعادة): [(وقوله: دبر الصلوات) يريد الصلوات الخمس، رواه علي بن زياد عن مالك في "المدونة"، دون النوافل، خلافًا لبعض التابعين؛ لأن في تخصيص هذه الصلوات بذلك تعظيمًا لها؛ ولأنه ذِكْرٌ واجب فوجب أن يختص من الصلوات بالواجب منها.. وروى علي بن زياد عن مالك في "المجموعة": ونحن نستحسن في التكبير ثلاثًا، فمَن زاد أو نقص فلا حرج، وروى ابن القاسم وأشهب أنه لم يَحُدَّ فيه ثلاثًا] اهـ.
وقال الإمام الشافعي رحمه الله في "الأم" (9/ 35، ط. دار الفكر): [وأحب إظهار التكبير جماعة وفرادى في ليلة الفطر وليلة النحر مقيمين وسفرًا في منازلهم ومساجدهم وأسواقهم] اهـ.
وقال أيضًا في "الأم" (2/ 254): [إذا رأوا هلال شوال أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى، في المسجد والأسواق والطرق والمنازل، ومسافرين ومقيمين في كل حال وأين كانوا، وأن يظهروا التكبير ولا يزالون يكبرون حتى يغدوا إلى المصلى، حتى يخرج الإمام للصلاة، ثم يَدَعُوا التكبير، وكذلك أحب في ليلة الأضحى] اهـ.
وقال أيضا في "الأم" (1/ 265): [ويكبر الحاج خلف صلاة الظهر من يوم النحر، إلى أن يُصلّوا الصبح من آخر أيام التشريق، ثم يقطعون التكبير إذا كبروا خلف صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، ويكبّر إمامهم خلف الصلوات، فيكبرون معًا، ومتفرقين ليلًا ونهارًا، وفي كل هذه الأحوال] اهـ.
فهذه الآثار الدالة على الجهر الجماعي بالتكبير وكلام الإمامين مالك والشافعي -وهما من كبار أئمة السلف ممن جمع الله له الفقه والحديث- تكفي كل ذي قلب سليم وعقل قويم.
والمسألة بعد من العمليات التي يكفي فيها الأدلة الظنيات، فكيف والعمل المتوارث يعضدها ويقويها..
بقلم: أحمد زاهر سالم
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


