اعتاد الكاتبون في المقاصد أن يمثلوا لمرتبة الحاجيات بإباحة البيع والشراء، لان الانسان لا يمكن أن يحصل جميع حاجياته بنفسه. ويمكن أن نمثل لها أيضا بوجوب التقليد فيما لا يحسنه الإنسان، لأنه لا يمكن أن يعرف لوحده جميع العلوم والحرف.. وهذا أمر بدهي، يعرفه العام والخاص.
ومن الامثلة التي مثل بها علماء الكلام للحكم العادي الذي نكتسبه من التجربة والتكرر قولهم: "شراب السكنحبين مسكن للصفراء"، قال الإمام السنوسي في شرح مقدمات الباقلاني: "فإن قلت: ها نحن نثبت لشراب السكنجبين تسكين الصفراء تقليدا للأطباء وإن لم يتكرر عندنا ولا جربناه.
قلت: إنما أثبتنا له هذا الحكم بواسطة التجربة التي صدقنا فيها الأطباء، وليس من شرط التكرر و التجربة في الحكم العادي أن يكون من كل أحد، بل هو المستند لثبوت الحكم العادي وإن حصل من البعض الموثوق بتجربته).
وبناء على هذا الامر البدهي قرر الفقهاء أن التبحّر في الفقه وأصول الأدلة فرض كفاية: إذا قام به البعض وحصل بهم المقصود سقط التكليف عن الباقين الذين يحب عليهم التقليد، إذ ليس لهم غيره، تماما كما يقلدون الأطباء والمهندسين وأهل باقي العلوم وسائر أصحاب الحرف.
المقصود من هذا كله أن من زهد الناس في اتباع مذهب معين الموثوق بعلمه (لانه مذهب الأجيال من العلماء) قد دعاهم إلى تقليده شعر أم لم يشعر. والله أعلم.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


