قال تعالى في سورة الأعراف:﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: 144-145].
سؤال:
لماذا قال سبحانه في الآية الأولى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾، وقال تعالى في الآية التالية لها: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾، فذكر القوة ولم يذكرها في الآية الأولى؟
الجواب:
إن ذلك لعدة أمور منها:
1 – أن الآية الأولى في الإيتاء، والثانية في الإيتاء والتبليغ، فقد أمره سبحانه في الآية الثانية أن يأخذ ما آتاه بقوة، ويُبلغه قومه، فقد قال له فيها: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾، وهذا أمر بالتبليغ، والتبليغ يحتاج إلى قوة وجهد وعزيمة.
2 – إنه طلب من قومه في الآية الثانية أن يأخذوا بأحسنها، فإنه لم يقل: (وأمر قومك يأخذوا بها) بل قال: ﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾، وهو أقوى من عموم الأخذ وآكد، ذلك أن فيما آتاه حسناً وأحسن فأمرهم أن يأخذوا بالأحسن، فإذا كان قومه مأمورين بما هو أقوى وآكد ناسب أن يكون هو كذلك، فكان مأموراً أن يأخذها بقوة.
3 – إن في الآية الثانية تفصيلاً ليس في الآية الأولى.
فإنه سبحانه قال في الآية الأولى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾، فقال: ﴿مَا آتَيْتُكَ﴾ على الإجمال.
وفصَّل في الآية الثانية ما آتاه، فقال:﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
وأجمل في الطلب في الآية الأولى، فقال: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾، وفصَّل في الآية الثانية ما أجمله في الآية الأولى من الطلب، فقال: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾.
فكما أجمل في ذكر ما آتاه في الآية الأولى أجمل في الأمر بأخذها، وكما فصَّل في ذكر ما آتاه في الآية الثانية فصَّل وبيَّن في الأمر بأخذه، فناسب الإجمال الإجمال، والتفصيل التفصيل.
4 – ومما حسَّن ذلك أيضاً إضافة إلى ما ذكرنا أن الآية الأولى وردت عقب إفاقة سيدنا موسى عليه السلام بعدما خرَّ صعقاً، فقد جاءت الآية الأولى عقب قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143].
والإنسان بعدما يفيق من صعقة يصعقها يكون واهن القوى.
وقد ذكر قبل الآية الأولى أكثر من أمر يدعو إلى وهن القوة، فقد ذكر أنه ﴿خَرَّ﴾ أي قد قوى وسقط، والخرور مدعاة إلى الوهن.
وذكر أنه (صعق) أي: غشي عليه، ومعنى (صعق) في اللغة: غُشي عليه وذهب عقله (1)، وأن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ دليل على الغشي (2)، والصعق مدعاة إلى وهن القوى.
فكل من الخرور والصعق يدعو إلى الوهن فكيف إذا اجتمعا؟
فلم يذكر الأخذ بالقوة بعد ذكر الإفاقة مباشرة إذ العادة أن يكون الإنسان واهناً في مثل هذا الوقت فأخَّره إلى ما بعد ذلك في الآية الثانية، فناسب كل تعبير موضعه من كل وجه، والله أعلم.
(1) انظر لسان العرب (صعق)، (12/66).
(2) انظر لسان العرب (صعق)، (12/67).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


