قال تعالى في سورة الأعراف في قصة سيدنا محمد عليه السلام: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: 64].
وقال في سورة يونس في قصة سيدنا نوح عليه السلام:﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [يونس: 73].
سؤال:
لماذا قال في سورة الأعراف: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، وقال في سورة يونس: ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾؟ (1)
الجواب من أوجه منها:
1 – أن (الذين) اسم موصول مختص وهو يخص جماعة الذكور العقلاء، ولا يُطلق على المفرد أو المثنى.
وأما (من) فإنه اسم موصول مشترك يطلق على المفرد والمثنى والجمع المذكر والمؤنث.
وأن سياق القصة في سورة يونس فيه إلماح إلى أن قومه كبر عليهم تذكيره لهم بآيات ربهم وبقاؤه بينهم يبلِّغ دعوة ربه، وأن نوحاً تحدَّاهم بأن يجمعوا أمرهم ويسعوا في إهلاكه وألا يمهلوه، قال تعالى:﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: 71].
وليس الأمر في الأعراض كذلك، وإنما هو تبليغ ودعوة، وقصارى ما قال فيه الملأ من قومه: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: 60]، فردَّ عليهم قائلاً:﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 61].
فلما كانت المواجهة في يونس أشد وأنه تحداهم أن يجمعوا أمرهم ويسعوا في إهلاكه وألا يُمهلوه كان ذلك مدعاة إلى قلة من يؤمن له وأن يخاف من يخاف في مثل هذا الظرف العصيب.
فقال تعالى في هذا السياق: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ [يونس: 73]، وهذا يحتمل في اللغة أن يكون معه شخص أو شخصان وليس فيه تنصيص على الجمع.
وأما في سورة الأعراف فإن قوله سبحانه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: 72]، تنصيص على أن معه جماعة من المؤمنين له، وليس شخصياً واحداً أو شخصين قطعاً، فناسبت حالة التحدي والمواجهة الشديدة أن يقول: (من) التي ليس فيها تنصيص على الجمع.
وفي الحالة الأخرى أن يقول: (الذين) التي هي تنصيص على أنَّ المؤمنين له جماعة، وليس واحداً ذلك أن السياق لا يستدعي مثل حالة الخوف تلك، ولا يستدعي قلة المؤمنين على النحو الذي في سيدنا يونس.
2 – إن القصة في الأعراف أطول مما في يونس، فإنها في الأعراف ست آيات، من الآية التاسعة والخمسين إلى الآية الرابعة والستين، وهي في يونس ثلاث آيات من الآية الحادية والسبعين إلى الآية الثالثة والسبعين.
وإن كلمة (الذين) أطول من (من) فناسب في مقام الإطالة أن يأتي بأطول الكلمتين.
3 – وعلاوة على ذلك فإن كلمة (من) في يونس أكثر مما في الأعراف. وإن كلمة (الذين) في الأعراف أكثر مما في يونس، فإن كلمة (من) وردت في سورة يونس (24) أربعاً وعشرين مرة، ووردت في الأعراف (18) ثماني عشرة مرة.
وأن كلمة (الذين) وردت في الأعراف (47) سبعاً وأربعين مرة، ووردت في يونس (28) ثمانياً وعشرين مرة.
فناسب كل تعبير موضعه من حيث السمة التعبيرية لكل سورة (2) فاتضح أن كل تعبير مناسب لموضعه الذي ورد فيه من كل وجه.
(1) أما السؤال عن نجينا وأنجيناه فقد ذكرناه في كتابنا (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) (ص72).
(2) انظر موضوع (السمة التعبيرية للسياق) في كتابنا (التعبير القرآني).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


