التعصب الأحول

التعصب الأحول

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الجمعة، ٢١ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ - ٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
19

من كان من جماعة فرفور فذنبه مغفور، ومن كان من جماعة اخرى فله الويل والثبور، وإذا كان الكيل بمكيالين يقبح في العامة، فهو في الخاصة أقبح وبين أهل العلم أشد وافدح، إذ كيف يقرأ أحدهم قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾، وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. ثم يفجرون في الخصومة .
الدين جاء ليهذب الهوى ويقيم العدل مع الخصوم قبل الأحبة، وليس ثمة ما هو أشد خطراً على القلب من تحويل الشريعة إلى سياج للموالين وسيفا على الخصوم، لا تختبر عدلك بالطريقة التي تحاكم بها خصمك فقط، بل بالطريقة التي تدافع بها عن صديقك عندما يرتكب الفعل نفسه. فإذا اختلف الميزان باختلاف الأسماء، فالمشكلة ليست في النصوص بقدر ما هي في اليد التي تمسك بالميزان

ما أقبح ان تختلط الدعوة بالتشفي، والنصيحة بالشماتة، والغيرة على الدين بالرغبة في الانتصار للجماعة والحزب والفصيل، سمعنا في التاريخ عن التعصب، وعن التعصب الاعمى، لكن لم نسمع او نرى التعصب الاحول حيث الفجور الذي نراه اليوم، ولعمري لم تبتلى الأمة سابقاً ولاحقاً بشيء أخطر عليها من التعصب المذموم للرأي والتيار والجماعة، معارك طاحنة تدور، وأعلام من هذا الجانب وذاك يجري إسقاطهم، وغلاة من هؤلاء وهؤلاء يصولون ويجولون طعنٌ، وتجريحٌ، وتتبعٌ للزلات، انتصار للرأي والجماعة، ادعاء الحق والتفرد به ووصف الآخر بالانحراف والضلال جهد كبير يبذل، وأوقات تضيع، بلا طائل.
والعدو المشترك لكل هؤلاء يعد العدة، ويبني، ويتقدم، وينتظر حتى تأكل الأمة بعضها حتى يجهز على ما بقي منها .. فهل من عاقل يتعظ؟! وهل من رشيد يتنبه؟! التعصب هو عين ما حذّر منه النبي ﷺ حين قال: «إياكم والغلوّ في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين» [رواه النسائي]. فالغلوّ لا يقتصر على العبادات، بل يتسع لكل ولاء أعمى يُصادر الحق باسم الانتماء.
والله إني لأعلم أن محمدا صادق وأن مسيلمة كاذب، ولكن كذاب ربيعة أحب إلي من صادق مضر". قالها أحد المشركين يوما . تلك الجملة التي نطق بها كانت إعلان إفلاس العقل حين يطغى التعصب، شهادة على ساعة يُوضع فيها الحق جانبا ليجلس الهوى في صدر المجلس..
لم تكن جملة؛ كانت شهادة دامغة على أن التعصب هو أعتى أصنام الجاهلية، ذلك الصنم الذي لا يُنصب من حجر، بل من هوى قميء
قال ابن خلدون: الهوى إذا تغلّب أعمى البصيرة عن إدراك الحقائق.
التعصب يطمس نور الفطرة حتى يرى المرء القبيح جميلا، والباطل نصيرا، والكاذب أقرب إلى القلب من الصادق، لمجرد أنه من القبيلة ذاتها، أو الحزب ذاته، أو الطائفة نفسها.
وهنا يصدق قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من عصى هواه فقد عبد ربه ومن أطاع هواه فقد عبد صنمه. وهذا الأعرابي الذي فضّل كذاب ربيعة على صادق مضر، لم يمت ! يعيش بيننا بأسماء جديدة، ورايات جديدة، وخطابات لامعة، لكن جوهره واحد: يعرف الحق، لكن يتنكّر له. يرى الصدق، لكن يقف ضده. يسمع الحجة، لكن يركن إلى صدى قبيلته أو رنين شعارات حزبه أو ألوان راية طائفته. وهؤلاء هم الذين قال الله عنهم: “وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا” يعرفون، ثم يرفضون. يرى الواحد منهم الكذّاب يكذب، والمتاجر يساوم، والمفسد يعبث، ومع ذلك ينصره لأنه “منا”. !! ويخاصم الصادق لأنه “من غيرنا”.
أي بني: سوريا وبلاد الشام من أكثر من 1000 سنة وهم من المتصوفة لا تعاديهم بل انتقد من يفعل الخطأ ويغالي منهم فقط
وايضا بالطرف المقابل، فان التعصب لأمر المولد والدفاع المستميت عنه وكأن الدين سينقص إن لم تُقَم الموالد مرفوض. لو كان سنة ثابتة لربما لم نر من بعض هؤلاء كل هذا التمسك به، اذا كنت ترى الاحتفال بالمولد فاحتفل احتفالا خاليا من المخالفات والمنكرات لكن دون أن تثير كل هذا الضجيج .
والحق يقال: سوريا بعد النصر ليست ملكاً للسلفيين، ولكنها أمانة في أعناقهم، فأكثر من قاوم النظام البائد هم السلفيون وهم اكثر من تضرر منه قبلها، وهم صفوة من خطط لإسقاطه، ونخبة من يحكم البلاد اليوم، وهم أول من يرفع السلاح وآخر من سيلقيه لو هُددت سورية.
على المُسلمين مسؤولية عدم الخلط بين حقيقة السلفية وبين من يدّعيها ويُسيء إليها، فالمنهج ليس مسؤولا عن انحراف الأتباع، وليس كل من ادّعى أنه سلفي كان سلفيا، وقد يكون الرجل سلفيا ولا ينسب نفسه لهذا المسمى، فالعبرة بالحقائق لا المسميات والشعارات..
العودة لمنهج السلف ضرورة لا بد منها وهي ليست عودة رجعيّة شكلية كما يظن المعاندون وليست عودة تطابقية حرفيّة كما يريد المتشددون إنما عودة منهجية علمية عملية أخلاقية للنيل من خيرهم وفضلهم وفقههم في فهم حدود وطبيعة هذا الدين في دائرة المختلف فيه والمتفق عليه والقطعي والاجتهادي والثابت والمتغير والاقتداء بهم في التعاطي مع مسائل الخلاف الاجتهادية ومسائل الاتفاق القطعية ومعرفة هديهم في العمل لهذا الدين ونشره والذود عنه بحكمة وعلم وعدل وتمسك بالثوابت الشرعية دون التعصب لجماعات او لأحزاب او لتقسيمات مؤذية ومُفرّقة للأمة.
الانتقاص من منهج السلف شر عظيم وجريمة منكرة ودعاتها مغرضون يريدون زرع القطيعة بين أول الأمة وآخرها والنبي عليه الصلاة والسلام قد أثنى على القرون الأولى بالخيرية ولا ينكر هذا إلا جاحد او جاهل، و لو نظرنا في حال السلف لوجدنا حلولاً كثيرة لمشاكلنا الفقهية والعقائدية والاجتماعية ..
إن من أكبر أسباب الخلاف بين الدعاة الذين تجمعهم عقيدة واحدة ومنهج واحد: الحسد والبغي. فكم من خلافٍ وردودٍ تُصوَّر في ظاهرها على أنها انتصارٌ للحق، وذبٌّ عن السنة، وردٌّ على الخطأ والمخطئ؛ بينما حقيقتها بغيٌ وعدوان، ودافعها الحسد، وحبُّ العلو والظهور، والانتصار للنفس او الجماعة ،ويُغذّي هذه الخصوماتَ التعصبُ والتحزب للشيخ أو الجماعة؛ إذ يدفع التعصبُ بعضَ الأتباع إلى الانتصار لشيخهم أو جماعتهم بالحق والباطل، فإذا لم يجدوا فيما يدّعيه شيخهم أو تتبناه جماعتهم حجةً مقنعةً يواجهون بها المخالف، لجأوا إلى الطعن فيه، والوقيعة في عرضه، والتشكيك في منهجه أو نيته، وتحويل الخلاف من مناقشةٍ للحجة والدليل إلى خصومةٍ شخصية.
والبغي بعد العلم والبيان داءٌ قديم، وهو من أدواء أهل الكتاب التي كانت سببًا في اختلافهم وتفرقهم في الدين؛ فقد بيّن الله سبحانه أن اختلافهم لم يكن دائمًا عن خفاء الحق أو عدم العلم به، وإنما وقع بعد مجيء البينات والعلم، وكان البغي بينهم سببًا في ذلك.
قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. فالعلم وحده لا يمنع صاحبه من الانحراف في الخصومة إذا استولى على قلبه الحسد والبغي والتعصب؛ بل قد يعرف الحق وتقوم عليه حجته، ثم يحمله البغي وحظ النفس والتعصب للشيخ أو الجماعة على رده، والطعن في قائله، والتماس العيوب والمطاعن فيه.
وما كلُّ من رفع شعار الدفاع عن الحق والسنة كان باعثه في خصومته هو الحق والسنة؛ فإن النفوس قد تتستر بالشعارات الشرعية، وهي في حقيقتها تطلب حظوظها، وتنتصر لذواتها أو لشيوخها وجماعاتها.
فليس مطلوباً أن يتطابق المسلمون في كل مسألة كلامية أو فقهية أو تاريخية. المطلوب أن يعرفوا كيف يختلفون دون أن يقتل بعضهم بعضاً، وكيف يناقشون دون أن يكفر بعضهم بعضاً، وكيف يبحثون عن الحقيقة دون أن يتحول البحث عن الحقيقة إلى استئصال للباحثين الآخرين. ومن المفارقات أن النجاة في القرآن ليست بطاقة مذهبية القرآن لا يقدم لنا النجاة بوصفها بطاقة عضوية في تنظيم مذهبي. بل يربطها بالإيمان والعمل والتقوى والرحمة والإحسان.
ومن المرويات التي تنسجم مع هذا المعنى ما اشتهر في التراث الإسلامي من أن أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق. وهنا تتغير زاوية النظر بالكامل. فبدلاً من أن يصبح السؤال: هل أنت من الفرقة التي أراها ناجية؟ يمكن أن يصبح: هل أنت تقي؟ هل أنت عادل؟ هل أنت صادق؟ هل تحفظ دم الإنسان وكرامته؟ هل تحسن إلى الخلق؟
إنها نقلة من هوية الجماعة إلى أخلاق الإنسان. «لا إله إلا الله» أم «أنا وحدي الناجي»؟ وفي التراث الإسلامي نصوص عظيمة تؤكد مركزية التوحيد في النجاة.
ففي الصحيحين وردت نصوص في فضل كلمة التوحيد، ومنها ما يفيد أن من قال «لا إله إلا الله» مخلصاً لله لا يكون مآله كحال من كفر بالله..
والسؤال الحضاري هنا ليس في المقارنة الفقهية بين الأسانيد بقدر ما هو في الصورة التي نريد أن نقدمها عن الإسلام، ليس من الإنصاف أن نحمل حديث الافتراق وحده مسؤولية كل المآسي التي عرفها المسلمون.
فالانقسام الإسلامي له أسباب سياسية واجتماعية واقتصادية وقومية، وله جذور في صراعات السلطة والتأويل والتاريخ. لكن المشكلة تبدأ عندما تأتي الرواية الدينية لتمنح الصراع السياسي شرعية مقدسة. عندها لا يعود الخصم مجرد منافس سياسي. إنه يصبح مبتدعاً ثم كافراً ثم عدواً لله. ثم يصبح قتله، في وعي المتطرف، فعلاً من أفعال التقرب إلى الله وهنا نكون أمام أخطر عملية يمكن أن تصيب أي حضارة
تحويل النزاع البشري إلى حرب مقدسة. من «أنا على الحق» إلى «أنا أملك الجنة» يمكن للإنسان أن يعتقد أنه مصيب، وهذا حق طبيعي لكل صاحب عقيدة. لكن هناك مسافة شاسعة بين أن تقول:
أعتقد أنني على الحق. وبين أن تقول: أنا أملك الحقيقة المطلقة، وأنت في النار، ويحق لي أن أستأصلك. الأولى موقف معرفي. والثانية سلطة دينية على الآخرين. وهذه السلطة هي التي صنعت في التاريخ الإسلامي، وفي تاريخ الأديان عموماً، أكثر أشكال التعصب خطورة.
لأن الإنسان حين يعتقد أنه يحارب باسم الله، يصبح مستعداً لفعل ما لا يفعله حين يحارب باسم نفسه.
المطلوب اليوم: نقد الموروث لا هدم التراث.


بقلم: مصعب الأحمد بن أحمد

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...