صدر هذا الكتاب النافع" الجرائم الجنسية: دراسة فقهية مقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون" للأخ الحبيب الدكتور منير أحمد الزمار الأسمر يحيى شفاه الله وعافاه وتولاه:
وقد طلب مني مراجعته وكتابة مقدمة له، وهذه مقدمتي التي كتبتها لهذا الكتاب، تعرّف بجوانب منه، وتظهر بعض مزاياه:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله الأكرمين، ورضي الله تعالى عن أصحابه أجمعين؛ وبعد:
فتعود صلتي بالفقه المتَّصل بالجرائم الجنسية إلى عهد مبكر في أول مجالسنا العلميَّة والدعويَّة التي كنَّا نتدارس فيها مع بعض إخواننا كتاب الله وسنَّة رسوله، وبعض المقررات العلميَّة، وكان من جملة المقررات التي ندرسها كتاب "تفسير سورة النور" للأستاذ أبي الأعلى المودودي(ت:1399)، وله في هذا الكتاب اجتهادات واختيارات فقهيَّة، ثم ضممْت إلى مكتبتي في مدينة حلب كتاب "الزنا ومكافحته"(1) للأستاذ عمر رضا كحاله (ت:1408)، الصادر عن مؤسسة الرسالة ببيروت عام 1397 وفيه جمع تاريخي وعلمي واسع لما يتعلق بهذه الجريمة البشعة، ثم ضممت إلى مكتبتي أيضًا الجزء الأول من كتاب صديقنا في جامعة أم القرى بمكة المكرمة والذي هو بمقام شيوخي في السنّ والعلم فضيلة الشيخ الدكتور عبد الملك السعدي " العلاقات الجنسية غير الشرعية وعقوبتها في الشريعة والقانون"
ثم تجدَّدت صلتي ببعض هذه الموضوعات العلميَّة فيما جمعته بعد ذلك من فتاوى شيخنا العلامة مصطفى الزرقا، ثم فتاوى محمد أبو زهرة رحمهما الله.
ولا يزال طالب العلم يزداد علمًا كلما وصلت يده إلى كتاب، وهداه فكره إلى صواب، ولا أدَّعي أنني مطَّلع اطلاعًا واسعًا يؤهلني للخوض في دقائق هذه المسائل أو التقديم لها.
وقد أحسن الظنَّ بي الأخ الحبيب العالم الداعية المجاهد الصابر المرابط على ثغور العلم والدعوة والجهاد الأستاذ منير أحمد الزمَّار، وطلب مني أن أقدِّم هذا الكتاب الذي أتشرف الآن بالتقديم له بهذه الكلمات الخَجْلى معتذرًا عن تأخري في مطالعته والنظر فيه.
فلمَّا طالعته وقرأتُ بعض بحوثه، وجدته كتابًا قيّمًا نفيسًا بذل فيه الأخ الكريم جهدَه ووقته وعلمه، وقدَّم مادة علميَّة مهمة في جانب فقه الجريمة والعقوبة عامَّة، وجانب الجرائم الجنسية خاصّة.
وقد أقام كتابه "الجرائم الجنسية: دراسة فقهيّة مقارنة بين الشّريعة الإسلامية والقانون الوضعيّ" على فصلين.
تحدَّث في الفصل الأول عن جريمة الزِّنى وما تفرَّع عنها من شذوذات جنسيَّة. عرَّف في هذا الفصل بجريمة الزِّنى وأركانها، وتحدَّث عن وسائل إثبات هذه الجريمة وعقابها.
وفي الفصل الثاني ذكر لواحق جرائم الجنس وتوابعها، فخصَّ الجرائم الجنسيَّة المُتجدِّدة والمستجدّة التي تعدُّ في حكم لواحق الجرائم.
وقد مهَّد للفصلين الأساسييْن بفصل تمهيديّ مهم في أربعة مباحث في الجريمة والعقوبة من منظور الشريعة والقانون، ومفهوم المقارنة بين الشريعة والقانون ومشروعيّتها، ومفهوم جريمة الجنس وتقسيماتها
وذكر الأخ الكريم في مستهل دراسته: الدراسات السابقة، واقتصر على ذكر خمس دراسات، وقد فاته الوقوف على أهمها وأوسعها، وهو كتاب الأخ الشيخ عبد الملك السعدي، ولعل عدم وقوفه عليه أتاح له الخوض في كتب الفقه والقانون دون الوقوف على نقول من سبقه، ممّا يجدّد الموضوع ويثريه في إضافة مراجع جديدة، ونظرات فقهية مفيدة، ويظهر ذلك بالمقارنة بين الدراستين.
وكنت أتمنَّى من الأخ الحبيب الشيخ منير وقد استوفى ذكر الآيات المتصلة بجرائم الجنس أن يقف طويلًا عند هذه الآية: {{وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا * وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا*}} [النساء: 15- 16]. ويبدو – والله أعلم- أنَّ الآية الأولى خاصَّة بعقوبة النساء، كما هو صريح قوله تعالى: {من نسائكم}، والثانية: خاصَّة بعقوبة الرجال، كما هو صريح قوله تعالى: {منكم}.
وفي الآية الأولى: "واللاتي"-جمع "التي"- وفي الآية الثانية: "واللذان"-تثنية " الذي"- والحكمة من ذلك- والله أعلم-: أنَّ المرأة يمكن أن تكون واحدة من ثلاث: زانية، أو مُساحقة، أو تؤتى من الخلف، لذا جيء بصيغة الجمع، أمَّا بالنسبة للرجل فلا يتصوَّر إلَّا حالتين: الزنى، أو اللواط، ومن ثمَّ كان لفظ "واللذان" بتثنية "الذي".
والتعبير بصيغة المضارع في قوله: "واللاتي يأتين"، وقوله: "واللذان يأتيانها" يفيد الاستمرار، وتكرار الفعل -كما هو شأن المحترفين- وهو ما رجَّحه بعض الدارسين أنَّ الراجح في آية: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم}: أنهنَّ هؤلاء المحترفات المعلنات المُكرِّرات للفعل.
نعم لا يوجد تطبيقات عمليَّة لهاتين الآيتين، وأنَّ المقصود بهما: الزَّجْر والتهديد لمن يمارسون مثل هذه الجريمة، ليكفُّوا عمَّا هم فيه، ويكون ذلك خطوة لابدَّ منها في طريق الوصول إلى العقوبة- التي جاءت بها آيات سورة النور-.
وبناءً على ذلك يمكن أن تكون هاتان الآيتان غير منسوختين بآية النور- لأنَّهما تهديد ووعيدٌ للمحترفات والمحترفين- في كلِّ زمان ومكان. وحول هاتين الآيتين كلام طويل لا تتَّسع له هذه المقدمة.
وأعود لأقول: إنَّ من مزايا هذه الدراسة: عناية الباحث الكريم بالتعريفات اللغويَّة والقانونيَّة، واهتمامه بإبراز المقاصد والحكم، فبيَّن أهداف العقوبة من منظور القانون الوضعي ومنظور الشريعة، وأوضح تميُّز الشريعة على القانون، وأظهر ما بينهما من خلاف جوهري في مفهوم العقوبة وماهيَّته، وأكَّد على بُعد القوانين الوضعية عن الأخلاق وانفصالها عنه، بناء على قيامه على مبدأ فصل الدين عن الدولة.
وفي دراسته يهتمُّ دائمًا بذكر مواطن الاتِّفاق وأوجه الاختلاف بين الشريعة والقانون.
ونجد للأخ الكريم استدراكات ومناقشات تُنبئ عن تمكُّن علمي ومقدرة فقهية.
فاقرأ مثلا ما يتَّصل بموضوع الزنى بالصغيرة وأجوبته السَّديدة عن التعليلات التي تنسب إلى الفقهاء، وعشرات المواضع التي تدل على ملكته الفقهيَّة وعقليَّته النقدية.
ومن أهم ما يميِّز هذه الدراسة: ما اشتملت عليه في الكلام عن جرائم جنسيَّة متجدِّدة، وما طرأ على ما كان من تلك الجرائم من تبديل في الوسائل كجريمة إجهاض ولد الزنى وقتله بعد الولادة، ورتق غشاء البكارة، وممَّا هو جديد في عصرنا: التلقيح الصناعي من غير الزوج، والرحم المستأجرة، وجرائم الجنس الإلكترونية (الانترنت نموذجًا).
إنَّ الكلام عن مزايا هذه الدراسة لا تتَّسع لها هذه المقدمة الموجزة، ولا يغني ذلك عن الخوض في غمار هذا البحث الذي اقتحم الباحث الماهر لجَّته بعلم وتمكُّن ودأب وصبر.
إنَّ أكثر دارسي الفقه اليوم منعزلون عن القانون، لا يُولونه اهتمامهم مع أنَّ دراسة القانون أمر مهمٌّ جدًّا لطلاب العلم.
وعقد المقارنات بين الفقه والقانون ممَّا يثري البحث ويُظهر تميُّز الشريعة الإسلامية، والخوض في هذه المقارنات هو ما ميَّز كبار الفقهاء في هذا العصر، ومنهم شيخنا العلامة مصطفى الزرقا، وله كلام كثير يتَّصل بأهمية دراسة القانون لطالب العلم، وقد كتب تصوُّرًا إجماليًّا لقانون العقوبات الموحَّد في البلاد العربية.
وذكر في أكثر من مناسبة أنَّ من أعظم ما يوفق له طالب العلم أن يجمع بين دراسته التأصيليَّة على العلماء في سائر العلوم الشرعيَّة ولا سيما الفقه وبين علوم الثقافة العامَّة العصريَّة، ثم الدراسة القانونيَّة التي يرى أنَّها تفتّح أذهان الفقهاء الشرعيِّين وبصيرتهم الفقهيَّة ومداركهم التَّشريعيَّة.
ولم يكتب الباحث الكريم هذه الدراسة وهو منعزلٌ عن مجتمعه ومشكلاته، جالسٌ في برج عاجي -كما يقال- بل كان يعايش أحوال أمَّته في بُعدها عن امتثال شريعة ربِّها، كما يراقب كوارث المجتمعات البشريَّة التي تعيش في حُمَّى جنسية مستعرة بسبب بُعدها عن قيم الشرائع الربَّانيَّة بل قيم الإنسانيَّة الحقّة.
والأخ منير من الإخوة الكرام، وطلبة العلم الذين بذلوا أنفسهم وأموالهم وقدَّموا أبناءهم لنصرة هذا الدين.
وحسبه أنَّه قدم ابنين شهيدين: الأول: الشهيد البطل أحمد الذي استشهد في ٢٤ من ذي الحجة ١٤٣٦ الموافق ٩/١٠/٢٠١٥ رحمه الله تعالى وعوضه عن شبابه الجنة.، والثاني: الفتى المؤمن الشهيد البطل محمد ابن الستة عشر عامًا، الذي استشهد مدافعًا عن الدين والأرض والعرض في يوم الأحد ١٢ من ربيع الأول ١٤٣٨ الموافق 11/12/2016.
وامتحن بفقدان ابنه الرضيع عمرو، ثم ابتلي بمرض شديد في عصب العمود الفقري، وأجريت له عملية خاطئة، أفقدته القدرة على المشي والحركة، ومع ذلك تجده راضيًا شاكرًا حامدًا مستبشرًا. صبّره الله وتقبل ولديه شهيدين، وجعل الصغير فرطاً له ولزوجه إلى الجنة، وأكرمه وأهله بشفاعتهم جميعاً.
ويصدق فيه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الابتلاء والصبر والرضا:
منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنَّ من أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (2). ولمَّا سئل صلوات الله وسلامه عليه: أيُّ الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل، فالأمثل من الناس، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة» (3).
ومن تلك الأحاديث المرفوعة أيضًا: «إنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا ابتلاه، وإذا ابتلاه صبَّره»(4). «إنَّ عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإنَّ الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السّخط"(5).
والأخ الحبيب العالم الداعية منير – شفاه الله وعافاه- ممَّن تصدق فيه هذه الأوصاف في الصدق واليقين والرضا مع دأب على طلب العلم وتحصيله، حتى استوت له هذه الدراسة الرصينة المهمَّة.. وقد كتبها وناقشها في ظروف صعبة، ولم يكن الوصول إلى المراجع بهذا اليسر والسهولة عن طريق المكتبة الشاملة والوسائل المتوفرة اليوم، وقد وفقه الله للتغلب على كثير من الصعوبات وتخطِّي العديد من المعوقات، وها هو يقول في مقدمة دراسته: "بالرغم من صعوبة الكتابة في مثل هذه القضايا لما قد يكون لها من السَّلب على كثير من أفراد الأمَّة -لا سيّما الشبيبة منها-، فضلًا عن الحساسية التي جرى العُرف الجمْعيّ على السكوت عن الخوض في أمثالها.. إلا أنَّه وبتوفيق من الله تمَّ جمع ما يلزم لتنفيذ البحث والاشتغال به؛ من كتب ودراسات ومقالات قام بخطِّ صفحاتها باحثون إسلاميّون وقانونيّون واجتماعيّون.
فقد كان للتنقل بين المكتبات العامرة والوقوف عند بعض نفائسها؛ كمكتبة كليَّة الإمام الأوزاعي في بيروت، والمكتبة الوطنيَّة في دمشق، وكلٍّ من دار الكتب الوطنيَّة ومكتبتَيْ كلية الحقوق والقصر العدلي، والمكتبة الوقفيَّة في بلدة الباحث (حلب)، ومكتبة الثانوية الشرعيَّة (الخُسْرويَّة) التي كانت المهد الأولَ والمرضعة الكريمة لِلِبان العلم الذي نهل منه سِني الطفولة العلمية.. نصيبٌ لا بأس به من الصعوبة" اهـ. فجزاه الله خيرًا على ما قدَّم لنا من علم نافع، وما لقي في سبيل ذلك من صعوبات ومعوقات، استطاع أن يتجاوزها بإرادة قوية وعزم وحزم وإخلاص وصدق.
ولم يُقدِّر الله لي لقاء الأخ الحبيب منير مع الصلة الروحيَّة والقلبيَّة القديمة المتجدِّدة، ومتابعتي لأخباره العلميَّة والدعويَّة، ورباطه واستشهاد ولديه، وخروجه من مدينتنا حلب الشهباء، وهجرته وتنقله ومرضه الأخير، وكنت ولا زلت أتلقى منه دروسًا في العلم والحكمة والحِلم والصبر والتواضع والتراحم، وأسأل الله أن يكرمنا بلقاء قريب حبيب.
وهذه الدراسة التي أسعد بالتقديم لها ستتبعها – بفضل الله وعونه وكرمه وتوفيقه – بحوث ودراسات تثري المكتبة الإسلامية وينتفع بها الدارسون.
وأسأل الله تعالى أن يبارك لنا في عمر أخينا العالم العامل الصابر المرابط الداعية المجاهد الشيخ منير، وعلمه وعمله وذُريَّته، وأن يحقِّق آماله، ويُبلِّغه سُؤْله، ويزيده من فضله.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيِّه سيدنا محمد وآله وسلم.
وكتبه: مجد بن أحمد مكي
بعد عصر يوم الجمعة 23 من صفر 1445هـ
الموافق 8/ أيلول/2023م
(1)اختار كتابتها بالألف الممدودة كما اختار الأخ الباحث منير في رسالته، وهي مصدر زنى زنًى وزناء، فمن اعتبر زنا هو قصر للممدود كتبها بالألف، مثل لقا ولقاء، ويُرجّح شيخنا الزرقا أن تكتب بالألف المقصورة؛ لأنها اسم ثلاثي ألفه منقلبة عن ياء، وهو ما أرجِّحه وأسير عليه.
(2) رواه أحمد (27079)، وقال مخرِّجوه: صحيح لغيره. والنسائي في الكبرى في الطب (7440)، عن فاطمة بنت اليمان أخت حذيفة.
(3)رواه أحمد (1481) وقال مخرّجوه: إسناده حسن. والترمذي في الزهد (2398)، وقال: حسن صحيح. عن سعد بن أبي وقاص.
(4)رواه ابن أبي الدنيا في الصبر والثواب عليه (١٨١)، وقال العراقي في تخريج الإحياء صـ ١٤٧٦: أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات من حديث أبي سعيد الخدري بإسناد فيه لين.
(5)رواه الترمذي في الزهد (2396) وقال: حسن غريب، وابن ماجه في الفتن (4031) من حديث أنس بن مالك مرفوعًا.
صور غلاف الكتاب
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


