التربية الصحية في ضوء الإسلام (5)

التربية الصحية في ضوء الإسلام (5)

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الاثنين، ٤ رمضان ١٤٤١ هـ - ٢٧ نيسان ٢٠٢٠
1050

أما الأسبابُ الاجتماعيَّة التي تؤدِّي إلى الحالات النفسيَّة المرضيَّة فهي كثيرة أيضاً، منها تضارب الاتجاهات وتناقضها وسرعة تغيرها (1). 

ومنها أيضاً: انتشار الانحطاط الخلقي الذي يؤدِّي إلى التعدِّي على آمال الناس وأعراضهم وأنفسهم، وتفشي الخدعة والخيانة والغدر والعداوة، الأمر الذي يؤدِّي إلى انعدام أهمِّ مقومات الصحَّة النفسيَّةِ وهو الشعور بالأمن والأمان؛ ولهذا يُرجِع علماء النفس كثرة انتشار الأمراض النفسيَّة في الحضارة إلى تلك الأسباب أيضاً.

ويقول بعضهم بعد ذكر تلك الأسباب (فلا عجب إذن أن اقترنت هذه الحضارة باعتلال الصحَّة النفسية، واختلال الصحَّة الخلقيَّة وذيوع الاضطرابات السيكوسوماتية، والجريمة والانتحار والمخدرات والطلاق وغير ذلك من المشكلات الاجتماعية. 

هذا إلى ما تزخر به من أفراد فقدوا سعادتهم واتزانهم النفسي، وغشيهم الىأس والقنوط والتوجس والسخط وعدم الرضي بشيء. 

من هنا بدت الحاجة ماسة إلى تحقيق الإنسان وقايته من شر هذه الحضارة التي لم تزوده بأساس ثابت للطمأنينة والاستقرار، بل حفلت بالعوامل التي تعطل النمو وتخنق الشخصيَّة) (2).

أما الإسلام فقد جاء بمبادئ اجتماعيَّة ثابتة تكون اتجاهاً واحداً في المجتمع وتكفل لأفراده كل الأمن والسلام والحياة والاستقرار والطمأنينة، والحياة التي كلها حب ومودَّة وإخاء، وإذا طبِّقَتْ تلك المبادئ في المجتمع يصبح هذا المجتمع خير: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ}[آل عمران:104] {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ} [آل عمران:110] ذلك أن الإسلام أمر بكل سلوك حسن نافع، ونهى عن كل سلوك سيء مضر نفسياً وعقلياً وجسمياً.

وأما الأسباب العضويَّة فمن المقرَّر في ميدان علم النفس أنَّ العِلل العضويَّة تؤثِّر على الحالات النفسيَّة كما أنَّ الصحيَّة العضويَّة الكاملة يكون لها تأثير في ضروب النشاط النفيس، ثم في الصحَّة النفسية عموماً، فقد ذكرت الدكتورة إلي زابيث سيفرن بعض تلك العلاقات بين الصحَّة العضويَّة والنفسيَّة قائلة: 

(إنَّ هناك علاقة بين مرض القلب والاضطرابات والوجدانيَّة، وبين مرض الطحال ومرض الكسل والخمول، وبين اضطرابات المعدة والكآبة وضيق الصدر. وبين مرض الكلية أو عجز الأمعاء عن القيام بوظيفتها والتراخي أو التباطؤ في السلوك وعقم التفكير وضيق أفقه، وبين مرض الكبد وسوء الظن وضيق الصدر والخشونة في معاملة الناس وبين وجع الركب والتردُّد، وبين وجع الساق أو القدم وعدم القدرة على الابتكار، وبين الروماتيزم والتراخي في تحديد الغرض من العمل والسعي نحوه)(3).

وسيأتي بيان كيف أنَّ الإسلام جاء بمبادئ تكفل أهم مبادئ الصحَّة العضويَّة أو الجسميَّة.

أما الأسباب النفسيَّة فأهمُّها الشعور بالخوف، والشعور بالضعف أو العجز وأخيرا الشعور بالتشاؤم. 

أما الشعور بالخوف فقد يكون نتيجة الانحطاط الخلقي في المجتمع؛ لأنَّ الفرد لا يأمنُ على نفسه ولا على ماله ولا على عرضه، وقد يرجع إلى الردِّ نفسه لأنه إذا كان مجرما أو في نيته الإجرام، فإنه يخاف عندئذ باستمرار من أن ينكشف جرمه أو نيته المجرمة، وقد يكون خوفه من الله من أن ينزل به النكبة نتيجة جرمه وعصيانه إياه، لأن المجرم – كما يقول الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون – (وإن ظفر بإخفاء جرمه عن الناس فلا يستطيع أن يخفيه عن نفسه) (4). 

إذاً كل هذه الأسباب ترجع أساساً إلى سوء الأخلاق المنتشرة في الحياة الفرديَّة الاجتماعيَّة.

وأخيراً: قد يرجع الخوف إلى سوء التربية، وذلك إذا تمَّت تربيته بالتخويفات الوهمية، مثل التخويف بأشياء ليست مخيفة في ذاتها، أو ليس لها وجود أصلا، مثل الغول والهامة وما إلى ذلك من الأمور التي قد تؤدي في النهاية إلى أمراض نفسية تخويفية عصابية تكلم عنها علماء النفس (5)، ولهذا نفى الرسول مثل تلك الأمور الوهميَّة، فقال: (لا طيرة ولا هامة ولا غول ولا صفر)(6).

أما الشعور بالضعف أو العجز عن القيام بأعمال يمكن أن يقوم بها أو حل مشكلة تواجهه، فهو مرض من الأمراض النفسيَّة يسميه بعض علماء النفس بالحراض (7)، وهذا المرض يؤدي إلى الاضطرابات النفسيَّة كما يؤدي إلى الانهيار العصبي. 

أما الشدائد والمشكلات ومن ثم يفقد الشخص إحساسه بالسعادة، وهذا بدوره قد يؤدي إلى العدوان أو الانغماس في حياة السكر والرذائل، أو إلى المرض الهستيري أو الوسواسي، كما يعبر عنها علماء النفس (8).

ولهذا فقد جاء الإسلام بمبادئ إذا ربي الإنسان على أساسها ينجو من مثل تلك الأمراض، منها ما جاء في الحديث من الأمر بالقوَّة والنهي عن العجز: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز)(9). 

ومنها مبدأ الصبر في البأساء والضراء، فقال سبحانه: {وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ} [البقرة:177]. 

وشبَّه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المؤمن بالنبتة الطريَّة، فكما أنَّ مثل هذه النبتة تنحني إذا جاءت الرياح ولا تنكسر، وتستقيم إذا ذهبت فكذلك المؤمن في المشكلات. 

وشبَّه الفاجر بشجرة الأرز التي لا يجد فيه استعداد للتحمل، ومن ثم تنكسر مرة واحدة أمام المشكلات، فقال: (مثل المؤمن كالخامة من الزرع من حيث أتتها الريح كفأتها، فإذا اعتدلت تكفأ بالبلاء، والفاجر كالأرزة لا تزال حتى يكون انجعافها مرة واحدة)(10). وفي رواية أخرى: (مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء)، وفي وراية: مثل الكافر كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد (11). 

بل الإسلام عدَّ الضعفاء من الظالمين، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء:97].

ومن أسباب الأمراض النفسيَّة التشاؤم، فالتشاؤم أكثر ضرراً على الحياة النفسيَّة من الخوف والشعور بالضعف، بل لا يمكن أن يشعر الإنسان بأية بهجة في هذه الحياة إذا كان مُعتنقاً الاتجاه التشاؤمي، والمعروف لدى بعض رجال الفكر مثل شهوبنور الذي كان يرى (أنَّ الحياة وهمٌ أليم، والتشاؤم صبغة الوجود وجوهر الحياة) (12). 

وكان يرى أنَّ الألم يستغرق كل شيء، وأن الإرادة الكونيَّة عمياء ولا خلاص إلا بالتغلب على هذه الإرادة (13)، ويتكلم علماء النفس كثيراً عن أضرار التشاؤم فيقول مثال الدكتور عزيز فريد: 

(إنَّه يتحمَّل بفعل اتجاهه التشاؤمي لهذا متاعب لهي أشد وقعا على نفسه وأعصابه من وقع الكوارث أو الملمات أو المآسي التي يتوقع حدوثها. ويستهلكه اتجاهه التشاؤمي من الطاقات عبثا لأنه لا يستطيع أن يتحكم في اتجاهه الخاطئ بأعمال قوة الإرادة، ذلك لأنَّ بواعث التشاؤم هي أبعد وأعمق من أن تنالها الإرادة الواعية) (14).

أما موقف الإسلام من التشاؤم فهو موقف مضاد؛ لأنَّه يدعو إلى التفاؤل بدل التشاؤم، فقد جاء في ابن ماجه أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (كان يعجبه الفأل الحسن ويكره الطيرة)(15). 

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى التبشير ويقول: (بشروا ولا تنفروا)(16). 

وبيَّن أنَّ الشؤم من سوء الأخلاق، فقال: (سوء الخلق شؤم)(17)، ونفى أصلاً التشاؤم الذي كان يتشاءم به أو يتطير به العرب في زمانه، مثل التطير، وقال: (لا طيرة وخيرها الفأل) (18).

ولما كان من عوامل التشاؤم سوء الظن، دعا الرسول إلى حسن الظن بالناس، فقال: (من أساء الظنَّ بأخيه فقد أساء بربِّه، إنَّ الله تعالى يقول: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12] . وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: (إذا ظننتم فلا تحققوا، وإذا حسدتم فلا تبغوا، وإذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا وإذا وزنتم فأرجحوا) (19). 

وقال: (إياكم والظنَّ، فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا.....الخ)(20). 

كذلك دعا إلى حسنِ الظنِّ بالله؛ لأنَّ من يسيء الظنَّ بالله يَعِشْ في رعب مستمر. فقد قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حديث قدسي راوياً عن ربِّه سبحانه: (إنَّ الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر)(21). 

وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: (حسنُ الظنِّ من حُسن العبادة)(22).

ولتحقيق التفاؤل والشعور بالبهجة وجَّه الإسلام نظر الإنسان إلى ما في الكون من بديع الصنع، وفي المخلوقات من جمال المنظر والصور، لأنَّ ذلك يحقق حاجة من حاجات النفس الإنسانية، ألا وهي إشباع عاطفة الجمال، إذ أنَّ بعض علماء النفس يضع هذه الحاجة في الدرجة السابعة من الحاجات الأساسيَّة للطبيعة الإنسانية (23). 

والدليل على وجود هذه الحاجة أنَّنا نبتهج بالجمال، كما ندفع رائدا عند شراء المصنوعات إذا كان فيها جمال وبديع صنع ونرجح الجميل على غير الجميل. 

لذا نجد كثيراً من الآيات وجَّهت نظرنا إلى جمال المخلوقات المحيطة بنا، ففيما يتعلق بخلق النباتات، قال تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} [النمل:60] {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} [الأنعام:141]. 

وفيما يتعلق بخلق الحيوانات، قال تعالى مثلاً: [وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:5-8].

ثم إنَّ من يتأمَّل الإبداع والجمال في الكون، يدرك أنَّ اللهَ خلق العالم لصالح الإنسان ولتمتعه، وليس فيه ما يثير الشؤم والشعور بأنَّ العالم والطبيعة ضد الإنسان، كما يظن المتشائمون.

ج – تحقيق الصحة الجسميَّة أو العضويَّة:

وأهم المبادئ التي يجب مُراعاتها بصفة عامَّة لتحقيق هذه الصحَّة هي الآتية:

1- تحقيق الصحَّة النفسيَّة؛ لأنَّ الأعراض النفسيَّة قد تكون سببا للأعراض الجسمية، (24) فالكدر والحزن والغم كل ذلك قد يؤدي إلى الإصابة بقرحة المعدة؛ لأنَّ المعدة في هذه الحالة لا تهضم الطعام، ومن ثم يَلتصق الطعام بجدار المعدة نتيجة عُسْر الهضم، ثم يحصل الالتهاب في جدار المعدة ثم يؤدي هذا الالتهاب إلى الإصابة بقرحة المعدة، ولهذا كان خير العلاج لمن أصيب بالقرحة نتيجة لمثل الحالة النفسية هو إزالة مثل هذه الحالات، أما إذا كان سببه عضويا فيكون العلاج الأساسي بالدواء. 

وقد ذكرنا كثيراً من الأمثلة لوجود مثل هذه الصلة بين الأمراض النفسيَّة والجسمية. وذكرنا رأي الأطباء المحدثين في ذلك.

ومن قبل هؤلاء نرى الرسول قد أثبت هذه الحقيقة حين بيَّن أنَّ بعض الحالات النفسيَّة تؤدي إلى سقم الجسم. فقال (من ساء خلقه عَذَّب نفسه، ومن كثر هَمُّه سَقُم بدنُه) (25)

2- الوقاية من أسباب الأمراض بصفة عامَّة وهذا يقتضى الابتعاد عن المرضى المصابين بالأمراض المعديَة وتجنُّب الأماكن الموبوءة. 

وأخيراً تجنُّب القذارة ؛ لأنَّ أكثر الأمراض تأتي أو تتولَّد عن القذارة، ولهذا ينصح الأطباء بالنظافة، كما ينصح بذلك الإسلام، فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله نظيف يحب النظافة.. فنظفوا أفنيتكم)(26). 

وكان ينصح بتغطية المطعم والمشرب (27). 

كما أمر بالابتعاد على الأماكن الموبوءة والناس المصابين بالأمراض المعدية، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (وفِرَّ من المجذوم فرارَك الأسد)(28) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها)، (29) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يورد ممرض على مصح)(30). 

وينبغي أن نشير هنا إلى حديث آخر (لا عدوى ولا طيرة) (31) فإنَّ هذا الحديث مخصص بغيره، وهذا صادق لأنَّه ليس كل الأمراض مُعْدية، وكذلك أكله مع المجذوم (32) فإنَّه يريد بذلك أن لا يلغي إرادة الله تعالى وقدرته، لكن هذا شيء خاص به، فالعبرة باتخاذ الأسباب أساساً. 

ولهذا أيضاً كان يتعوَّذ من الأمراض المعدية الخطيرة، وكان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيء الأسقام) (33).

3- تحقيق الحاجات الأساسيَّة من المأكل والمشرب، لأنَّ كثيراً من الأمراض تنتج عن نقص الأغذية (34)، والإسلام أيضاً نصح بتناول ما يحتاجون إلىه من الأطعمة الطيبة، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة:172].

4- عدم الإسراف في المأكل والمشرب، لأنه كما أن هناك أمراض يصاب بها الإنسان نتيجة نقص الأغذية فإنَّ هناك أمراض أيضاً يصاب بها الإنسان نتيجة تناول الأغذية أكثر من حاجة الجسم، مثل الجلطة الدمويَّة وتصلب الشرايين والتخمة والسكتة القلبية وارتفاع ضغط الدم وما إلى ذلك (35)، ولهذا قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} [الأعراف:31].

5- الاعتدال في الأعمال: لأنَّ الإفراط في العمل يؤدِّي إلى الإرهاق، والإرهاق ينتج عنه أمراض جسمية وعصبية ونفسية وعقلية (36)، ولهذا قال الرسول: (إنَّ المنبتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى)(37).

وقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: (عليكم بالقصد عليكم بالقصد)(38)، ولهذا أيضاً منع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مواصلة الصوم فقال: (إياكم والوصال)(39).

وكما أنَّ كثرة الأعمال أو الإرهاق ضارٌّ بالصحَّة، فإنَّ قلة العمل أو الكسل ضار بالصحة أيضاً؛ لأنَّ بذل المجهود شرط ضروري أيضاً للصحة، فالصحة كالآلة إذا بقيت تصدَّأت، فالسيارة إذا بقيت مدَّة بدون التشغيل ضرَّها ذلك. 

ولقد شرح الأطباء الأضرار الناجمة عن الكسل أو عدم العمل (40) لذا كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يتعوَّذ من الكسل، فيقول: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم)(41). 

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أخشى ما خشيتُ على أمتي كبر البطن، ومداومة النوم والكسل)(42). وغير ذلك من الأحاديث ما يوحي بما نقرِّر ونقول وندعو إليه.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم 

*************** 

(1) أصول علم النفس ص305 دكتور أحمد عزت راجح المكتب المصري ط7. الإسكندرية 1973

(2) العلاج النفسي ص 137-138. حامدي عبد القادر. دار إحياء الكتب العربية. القاهرة.

(3) منبعا الأخلاق والدين ص 27. هنري برجسون ترجمة إلهامي الدروبي، مكتبة نهضة مصر

(4) انظر:

أ‌) الأمراض النفسية العصابية ص 325 وما بعدها. دكتور عبد العزيز فريد.

ب‌) الصحة النفسية ص 252. دكتور مصطفى فهمي.

(5) فتح الباري بشرح البخاري 12\326 – صحيح مسلم كتاب السلام 4:1742

(6) الأمراض النفسية العصابية ص 337

(7) أصول علم النفس ص 470 وما بعدها

(8) صحيح مسلم 4\2052 كتاب القدر باب الأمر بالقوى وترك العجز

(9) هداية الباري إلى ترتيب أحاديث البخاري 2\ 127. انظر أيضاً فتح الباري بشرح البخاري 12\210.

(10) صحيح مسلم 4\2163 كتاب صفات المنافقين.

(11) المذاهب الأخلاقية 2\477 – 282 دكتور عادل العوا. مطبعة جامعة دمشق ط2 1969.

(12) الموسوعة الفلسفية المختصرة ص 196 ترجم بإشراف الدكتور زكي نجيب محمود. مكتبة الأنجلو المصرية.

(13) الأمراض النفسية العصابية ص 348

(14) سنن ابن ماجه 2\1170 كتاب الطب.

(15) التاج 1\71.

(16) منتخب كنز العمال في هامش مسند الإمام أحمد 1\130.

(17) قال الإمام النووي الطيرة لا تكن إلا في الشؤم وقد تستعمل مجازا في السرور ولذلك جاء في الحديث وخيرها الفأل (فتح الباري 12\325)

(18) منتخب كنز العمال 1\280

(19) المرجع السابق 1\280

(20) صحيح مسلم 4\1985 كتاب البر والأخلاق. باب تحريم الظن

(21) الجامع الصغير 1\77

(22) التاج 5\72

(23) الإنسان معجزة الكون ص 93. د. جاك فرح جودة. مكتبة الأنجلو المصرية. القاهرة 1972

(24) أسس الصحة والحياة ص 299 دكتور عبد الرزاق الشهرستاني.

(25) منتخب كنز العمال في هامش مسند الإمام أحمد 1\132

(26) التاج 3\162 كتاب اللباس

(27) فتح الباري 12\191 كتاب الطب

(28) فتح الباري 12\195

(29) المرجع السابق 12\289

(30) صحيح مسلم 4\1743 كتاب السلام

(31) المرجع السابق 12\264

(32) المرجع السابق انظر شرح الحديث 12\265

(33) الجامع الصغير 1\61

(34) عش مرحا تعمر طويلا ص 40 الصحة المدرية والتربية الصحية ص 166.

(35) أ) تأملات في سلوك الإنسان ص 117

ب) المرشد الطبي الحديث ص 221-223. قام به مجموعة من الباحثين مكتبة النهضة _ بغداد.

(36) أسس الصحية والحياة ص 257

(37) كشف الخفاء 1\1300

(38) منتخب كنز العمال في هامش مسند الإمام أحمد 1\138

(39) هداية الباري إلى ترتيب أحاديث البخاري 1\185.

(40) تأملات في سلوك الإنسان ص 41.دكتور ألكسيس كارل.

(41) الجامع الصغير 1\61. جلال الدين السيوطي.

(42) منتخب كنز العمال في هامش مسند الإمام أحمد 1\226.

الحلقة السابقة هـــنا

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم 

المصدر: مجلة المسلم المعاصر، شوال، ذو القعدة و ذوالحجة 1402 - العدد 32

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...