التدويل.. ليس بردا ولا سلاما

التدويل.. ليس بردا ولا سلاما

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الجمعة، ٤ ربيع الأول ١٤٣٣ هـ - ٢٧ كانون الثاني ٢٠١٢
999

عمّار يحيى

تتعالى أصوات فئات واسعة من المعارضة السورية مطالبة بتدويل القضية وإحالتها إلى مجلس الأمن، وذلك بعدما استفحل النظام في طغيانه، وأوغل في دماء الشعب وأعراضهم وأرزاقهم، لا يرقب فيهم إلاً ولا ذمة.
 
ومن يرفع هذا المطلب يتراءى له النموذج الليبي، أو لنقل الثمرات التي قطفها الليبيون من تدخل حلف الناتو في حسم معركتهم أمام الطاغية القذافي، دون أن يلتفتوا -غفلة أو تغافلا- إلى ما تكبده الليبيون من خسائر، وما أراقوا من دماء.
 
وقد يناقش البعض في أن ما خسره الليبيون -أو قد يخسرونه- يمكن تحمله مقابل زوال “ملك ملوك إفريقيا”، أو “إله شبيحة سوريا” في حالتنا.
 
وعلى فرض أن نظرية “وجع ساعة ولا كل ساعة” مقبولة، أليس حريا بذي الرأي اللبيب قبل أن يرفع مطلبا –التدخل الدولي- يحكم به على مستقبل ثورة وأمة، أن ينظر قليلا في حقائق التاريخ، ومآلات الأمور.
 
وإن كانت مآلات الأمور محل اختلاف الأنظار وتفاوت الآراءـ فإن في حقائق التاريخ -القريب والبعيد- دروسا جلية يجدر بنا الاستفادة منها.
حينما أرادت أن تهدينا أميركا -ومن ورائها المجتمع الدولي الغربي- الديمقراطية في العراق، شفقة منها ودون أي مطمع بنفط أو موقع، واستنفرت لذلك قواتها وحشدت حلفاءها، منحتنا “ديمقراطية المالكي”، راضية بفعل مثاقيبه في رؤوس المواطنين العراقيين، ساكتين على ما يؤجج من نيران الطائفية المقيتة.
كانت حصيلة ديمقراطية الغرب من الشهداء العراقيين نحو “مليون و33 ألفا” (منذ الاحتلال 20/3/2003 – أغسطس 2007)، وذلك بحسب مركز استطلاعات الرأيORB في لندن، وهو من أعلى التقديرات في عدد الضحايا.
أما أقل التقديرات فكان تقدير وزارة الصحة العراقية! وبلغ نحو “151 ألفا” (الاحتلال – حزيران 2006).
وبحسبة بسيطة، نجد أن معدل قتلى الاحتلال من العراقيين في اليوم الواحد بلغ نحو (641 شهيدا في اليوم الواحد)!! بحسب أرقام مركز استطلاع الرأي، البريطاني.
أما بحسب أرقام وزارة الصحة العراقية (الأقل تقديرا)، فبلغ نحو (97 شهيدا في اليوم الواحد)!!
 
أليس الدرك الذي هوينا إليه من صنع من يُستنجَد بهم الآن؟!
وعلى الرغم من أن قطرة دم المسلم الواحدة غالية عند الله تعالى، وقد قال عليه السلام: “لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم” [النسائي، صحيح]. إلا أن المعدل اليومي لشهداء الثورة السورية -رحمهم الله- ما يزال أقل من معدل شهداء احتلال العراق.
 
والبصير يدرك أن قرب سورية من إسرائيل يجعلها أهم -في ميزان الخطورة- من العراق، ويجعل المطمع فيها -أو في إضعافها- أكبر أيضا.
وسأكتفي بذكر العراق مثالا، علما بأن الأمثلة أكثر من أن تحصى، يراها من التفت إلى فلسطين وأفغانستان ولبنان.. بل فلينظر من شاء إلى أحوالنا قبل الربيع العربي، أليس الدرك الذي هوينا إليه من صنع من نستنجد بهم الآن؟!
ومن كان لديه مثال معاكس، يبين رأفة المجتمع الدولي الغربي بنا وإشفاقهم علينا، فلينجدنا به، فإننا لم نذق من سياساتهم ومطامعهم إلا السم الزعاف.
إنّ وهمًا وضع أمام أعيننا يزعم أن لا خلاص لنا من طاغية الشام إلا بالاستنجاد بطغاة الغرب، مما جعلنا نغفل عن قوى عظيمة بين أيدينا (كالجيش الحر والشعب الحرّ) يجدر بنا أن نضع ثقتنا فيهم ونبني خطة خلاصنا عليهم، فإننا لو فكرنا في خيارات غير التدويل لوجدنا منودحة عن تسليم رقابنا لمن لم يفتأ يتربص بنا الدوائر.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...