يهدف علم التخطيط الاستراتيجي لوضع خطوات محددة توصل إلى هدف بعيد يريده المخطط، ومن أشهر خطط الإسلام خطة الهجرة النبوية إلى يثرب، والتي استكملت كل مقومات الخطة الحديثة وأساسياتها، وقد شرحت هذا في كتابي: (إذا أردت أن تنجح لابد أن تخطط)
.
وفي التخطيط الاستراتيجي العسكري من علامات التخطيط المحكم والفعال، إجبار الخصم على اتخاذ قرارات محددة أنت تريدها منه فيها مصلحة لك، وهو سيتخذها ليس اختياريا ولكن لأنه وجد نفسه مجبرا للمشي فيها
.
ويعتمد التخطيط على معرفة حجم قوة المخطط والإمكانيات المتوفرة عنده، حتى يستطيع الالتزام بتنفيذ الخطة كاملة
.
ويحتاج أيضا تقديرا متوازنا لحجم قوة الخصم وطبيعة تفكيره، حتى لا يكون هناك مفاجآت كبيرة تعرقل الخطة، وتحديث دائم للبيانات والمعلومات
.
وأخيرا يتم التحوط من التداخلات والمؤثرات المفاجئة من الأطراف الأخرى المتداخلة مع الخصم والمخطط نفسه، باستخدام نوع من التخطيط اسمه التخطيط بالسناريو: (لو حدث كذا سنفعل كذا)
.
وفي الثورة السورية تم تنفيذ كثير من الخطط الاستراتيجية بكل حرفية ومهارة:
منها خطط نفذها بشار وحلفاؤه .. وداعش والقاعدة وحلفاؤهم .. والثوار وحلفاؤهم .. وتركيا وحلفاؤها .. وأمريكا وحلفاؤها
.
ومن أقوى الأمثلة التي تشرح فعالية التخطيط خطة نفذها بشار وحلفاؤه، وكلفت الكثير من الجهد والخسائر ولكنها نجحت بشكل كبير، وشارك بها كل من: إيران والعراق وروسيا وحزب الله وحتى بعض المخابرات العربية
.
وهي خطة سميتها: "خطة البديل الاضطراري" وهي تهدف إلى أن تصل القوى المتفاعلة مع الثورة كلها إلى نتيجة خلاصتها: الحكم في سورية إما لبشار الأسد أو لداعش، وطبعا سيكون اختيار كل الأطراف الكبرى هو: "بشار هو أفضل الأسوء"
.
الخطة بدأت في الشهور الأولى للثورة واستمر تنفيذها على مدى سنتين حتى أثمرت سيطرة داعش والقاعدة على 80 % من المناطق المحررة، لولا انتكاسة جزئية أجبرت داعش على الانسحاب من ثلاث محافظات دفعة واحدة، بسبب صحوة كبيرة للثوار حينها، ولكن مع ذلك ومن خلال اعادة تخطيط جديد استعادت داعش توازنها، وهي اليوم تشكل الرقم الصعب الذي لن يستطيع أي أحد تجاهله، وهي حجة كبيرة اليوم لتدخل كل الأطراف في سورية، وأدى هذا لانحسار أهداف الثورة السورية عن تصدر المشهد أقله حتى الوقت الحالي
.
التخطيط هو الأداة الأكثر تأثيرا في الحروب، ولكنه يحتاج تنظيما ومركزية ومرونة ودقة ودرجة عالية من الصبر والحكمة وبُعد النظر، وحتى الرضا بخسارة معارك في سبيل الانتصار في الحرب، والاختيار السريع بين البدائل المتوفرة، وتحمل الخسائر الموضعية في سبيل إنجاح الخطة الأصلية
.
ولكن بنفس الوقت يمكن إبطال مفعول أي خطة وعرقلتها، لو وُجدت الجهة التي ترسم خطة أخرى مضادة ومنافسة لها في القوة والتأثير
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


