الباطنية.. سر بقاء الباطنيين

الباطنية.. سر بقاء الباطنيين

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الجمعة، ٥ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ - ٢٦ أيلول ٢٠٢٥
106

يرى البعض أن الباطنية مرحلة ينبغي أن تنتهي، ذلك أن التستر بالباطنية كانت حاجة من باب مراعاة موازين القوى فترة التأسيس، فأن تُخْفي الفرقة أو الطائفة مقولاتها وتظهر مقولات أخرى تحاول فيها الظهور أنها من المسلمين؛ فذاك واقع ناتج عن ضعفها ومحاولة حماية كيانها في زمن قوة المسلمين، أما وأن المسلمين اليوم في مرحلة ضعف؛ فلم يبق ثمة داع للباطنية، شأنها شأن الزندقة أو النفاق فيمكنها الآن المجاهرة بما تريد كما يُجاهَر اليوم بالكفر دون خوف.
في اعتقادي أن الباطنية لا يمكنها إلا أن تكون باطنية ليس من أجل خصومها، بل من أجل أتباعها، وبيان ذلك: إن مقولات الفرق الباطنية وأفكارها وما يتوفر لها من كتب محدودة -رغم محاولة إخفائها- معروفة عند خصومها نتيجة للتمكن من الحصول على بعض هذه الكتب أو من خلال كتابات من ترك الباطنية وكتب عنها أو غير ذلك، فباطنيتها لأجل خصومها لا قيمة له، حيث كُشِفت مقولات القوم مع الزمن، وثمة إجماع قديم بين المسلمين على عدم عد هذه الفرق من الإسلام، لا يُمارِي في ذلك إلا بعض المتنطعين من النخب المزيفة التي أنشأها الحكّام، أو بعض الملحدين من دارسي تاريخ الأديان.
الباطنية ضرورة لأتباعها، فهي تبقيهم جهالاً بمقولات الطائفة عموماً، وترضعهم منذ الصغر فكرة الخصوصية والاختلاف والأسرار. وما يتعلمه بعضهم في حياتهم من مقولات طائفتهم قد لا يحتاج أكثر من ساعات في قاعة دراسية وبجلسة واحدة.
للباطنية علمانية خاصة، فالدين لرجل الدين ويكفي غيره الانتماء للطائفة مع الالتزام ببعض الأعراف والتقاليد. في الفرق الباطنية حياة دينية لرجال الدين وحياة دنيوية لغيرهم، تنتج الدنيوية الغرق في المادة وتتلاشى أسئلة البحث عن المعنى كالأسئلة الوجودية ويختفي دافع البحث عنها في صخب الحياة.
ترك الفرق الباطنية لباطنيتها يعني أنها ستكون على قدم المساواة مع الأديان الظاهرة المعروفة، وحينها سيظهر خواؤها وفقرها وضعف إجاباتها وندرة مؤلفاتها وقصورها عن معالجة كثير من الأفكار، وسيعني نقداً أكثر دقة لها من خصومها، وهو نقد قد تسمعه قاعدتها الشعبية ربما لأول مرة.
قد لا يدرك الكثير من الناس أن حركة الفكر والكتابة والتأليف إن توقفت؛ تتراجع الحياة الفكرية حتى تموت. ما الذي جعل بعض المذاهب تستمر وبعضها يتلاشى إلا بتوقف التأليف؟ لاحظوا أن العلوم الإسلامية بالرغم مما يقال عن جمود التطور فيها في العصور الأخيرة لكن الكتابة عنها وفيها بل وفي جزئياتها لا تتوقف، هذا فضلا عن الترجمة وكتب الردود المتصلة بها.
فإذا أخذنا ذلك بعين الاعتبار، ونظرنا للحياة الفكرية لتلك الطوائف؛ يظهر لنا بوضوح أنها فقيرة جداً من حيث الكم ومن حيث الكيف، فأحدث كتب هذه الطوائف عمره مئات السنين، فهو ينتمي غالباً لجيل التأسيس الأول. كما أن قلة الاشتغال المعرفي لرجال الدين في تلك الفرق وتعاملهم مع أبناء الطائفة -الجهال في كثير من الأحيان بمقولات طائفتهم- أسهم في ضعفهم أنفسهم، فهم لا يتعاملون مع نقّاد ولا باحثين جادين، يضاف لذلك أن رجل الدين في تلك الطوائف منصب وراثي لا نتيجة لمكانة علمية، فاجتمع بذلك ضعف كتب تلك الفرق وقدمها مع ضعف رجال الدين الذين يكررون مقولات ليس عندهم القدرة الفعلية في الدفاع عنها، فكل ذلك يقودنا للنتيجة التالية: الفرق الباطنية يناسبها أن تتقوقع على ذاتها وتحفظ كينونتها بعاداتها وتقاليدها بعيداً عن الانفتاح الذي سيقضي عليها، فتركها للباطنية سيفتح الطريق لتطور الفكر والمعرفة الذي سيقود إلى اندثارها.


بقلم: إبراهيم إسماعيل

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...