( بسم الله الرحمن الرحيم )
إنًّ الخلافة الراشدة حققتْ مُثل الإسلام العليا في العدل بين الناس , فوجدتْ الرعِيَّةُ في ظلالها الخير , و الأمن , و السلام , ولم تستطيع الإنسانية – على ما جرًّبتْ من تجارب , وما بلغتْ في فنون الحكم , وصور الحكومات – أنْ تنشئ نظاماً سياسياً يتحقق فيه العدل السياسي و الاجتماعي بين الناس على النحو الذي حقًّقاهُ أبو بكرٍ و عمرُ رضي الله تعالى عنهما .
فالباحث في تلك الفترة يواجه في الدهر أعجب المعجزات , ثم يوشك أن يحكم بأنًّ الخلافة الراشدة لم تكن من طراز دول الدنيا , لا السابقة منها و لا اللاحقة , وكان الناس في هذه الفترة المباركة يستروحون شذى النبوة , و يستنيرون بما يلوح من أضوائها البرّاقة التي بدأت تنحسر بُعيد الغروب , ثمَّ تحولت الخلافة إلى مُلْكٍ عضوض , أُشعلتْ من أجلها الحروب الطاحنة , و اثخنتْ الأمة في سبيلها بالجراح الدامية , و ارتكبتْ باسمها فيما بعد أسوأ الجرائم في عهود السفهاء , و الخلعاء و الجائرين الذين أمسوا نقمة على أتباع هذا الدين , و إن كان الاسمُ الجامعُ بين عادلِهم ومستبدهم لقب (( خليفة )) حتى استولى على مفاصل حياة الأمة خلال ( 1200 ) سنة ثلاث عائلات حاكمة محصورة بالأسرة الأموية , و الأسرة العباسية , و الأسرة العثمانية .
فكان الحكمُ الذي ساد بلاد الإسلام في قرونٍ عديدة طرازاً منكراً من الاستبداد و الفوضى , انكمشت فيه الحريات الطبيعية ( = الفطرية ) و خارتْ القوى المادية و الأدبية , و سيطر على موازين الحياة العامة نفرٌ من الجبابرة , أخرجوا الأمة من التفكير بالشأن العام .فأمكنتهم الأيام ُ العجاف من أن يقلبوا الأمور رأساً على عقب , و أن ينشروا الفزعَ من القلوب , و القِصَر في الآمال ,
( حتى صار منتهى أمل المواطن أن يلحق رغيف خبزِهِ )
و القصر في الأعمار ( = متوسط عمر الفرد في البلاد الإسلامية يساوي نصف متوسط عمر الفرد في الدول المتقدمة المغرقة في الوثنية و الإلحاد )
و خلَّفوا الوهنَ في العزائم , حتى ظنَّ المواطن ( = المسلم ) أن اللحاق بركب الدول المتقدمة لا تستطيعه الملائكة بله المسلمون و نتج عن ذلك أن الاستبداد السياسي عَرْبَدَ دونَ حَذَرٍ أو خَجَلٍ , و نَهَبَ المالَ العام دون رقيب أو حسيب , و استفحل الظلم بنموٍّ مطرد بسبب استطالة أنياب الحاكم ومخالبه في مفاصل السلطة و أجهزتها .
حتى انتجتْ مدارسُ السلطان فقهاءَ يحكمون بكفر الديمقراطية ؟!( المعادل الموضوعي لها في الإسلام هو الشورى )
و يحكمون بجواز إمارة المتغلب قهراً ؟! ( المعادل السياسي لهذا الجواز دعوة للانقلاب العسكري و فسح المجال للبلطجية للانقضاض على مفاصل الحكم ) .
أما يسائل الفقيه السلطاني نفسه , لِمَ الديمقراطية كُفْرٌ ؟
هل الديمقراطية دين يقارن بالإسلام , هل هي صلاة وثنية , هل تأمر الديمقراطية بعبادة الحاكم , و الطواف بقصره , و التسبيح بحمده مدحاً و ثناءً بمعلقات تضاهي معلقات الجاهلية , هل هي اله يعبد من دون الله أم هي اّلية في البناء السياسي للدولة تقتضي :
1- محاسبة الحاكم وضبط تداول المال العام
2- تحديد ولاية الحاكم حتى لا يتجذر هو و أعوانه في مفاصل السلطة
3- تحديد صلاحيات الحاكم حتى لا يبقى مدى الحياة ثم ينتقل من القصر إلى القبر فتبكيه الأمة حزنا عليه و تبتهج سروراً بتنصيب ولده علينا
4- وضع أليه لاختيار مواطنين ذوي كفاءات يشكِّلون مجلس الشورى الذي يراقب بمؤسساته أعمال الحاكم و يبرد أنيابة و يقصُّ مخالبه كلما خمش بها أو كاد أن يخمش بها وجه الشعب , وسن قوانين تعز المواطن و تعلي شأنه
5- فرض قوانين دقيقة و رقابة صارمة على تداول المال العام أخذاً و عطاءً , صرفاً و جمعاً , و بوسع المؤسسات الرقابية و التفتيشية جر الحاكم إلى أقواس العدالة في غرف المحاكم كلما شكَّتْ به - مجرد شكٍ - هيئات التفتيش
حتى لا يكون المال العام وسيلة لتحقيق نزوات الجائرينِ و أصحاب الأثرة و الطغيان .
6- الاستماع إلى صوت المواطن في كل قضية تهتمُّ بها الأمة و تهمُّها عبر كلمة ( لا ) أو ( نعم ) بدل تحكيم ثلُّة من المهووسين بمصير الأمة فيجعلون إعلان الحرب ملهاةً لهم يطلبون بها مجداً شخصياً فيسوقون الأمة كالبهائم إلى حربٍ لا ناقةً لها فيها و لا جمل
و الاّن نتساءل , فما علاقة ذلك بالكفر إذا كانت شريعة الإسلام في مفاصل القضاء , و هرم الدولة و قاعدتها , و هل وضع رأس فارغ في أعلى السلطة السياسية تحت مسمى خليفة فينصب تنصيباً دون علم الأمة به , ودون رغبة منها فيه , ودون إرادة منها له , فيفرض عليها فراغَه , و تفاهته و أثرته و تخلُّفًهُ , أيسمى ذلك إيمان وما دونه كفر بواح ؟!
ثم يتطرق الخلل إلى شؤون الأمة كِّلها , الزراعة , الصناعة , التعليم , الجيش , الشرطة
فيكون الحاكم في أحسن أحواله حرباً على الله و على أمتنا , ويكون تراباً على نارنا , و دخاناً على نورنا .
ثم يستجلب فتنة المستعمر الخارجي , و الفقيه يفتي ببقائه خشية الفتنة ألا في الفتنة سقطنا ؟ فما بقي بعد هذا؟
إنَّ الاستبداد كان الغول الذي أكل ديننا و دنيانا ومعلوم أن كبح جماح الاستبداد الفردي , و شهوة التسلط لدى الحاكمين , و كفالة الجماهير من ذلِّ السلاطين , لا تقوى عليه نصائح دينية ومواعظ منبرية تسقط سقوطاً حراً بنزول الخطيب عن منبره كما لا تقوى عليه نصائح رجراجة و تهويمات أشبه بالاحلام منها بقوانين دستورية قائمة في دول وثنية تعبد البقر و تقدسه , تلك الدساتير جرَّتْ الرؤساء في بلدانهم إلى غرف التوقيف ثم وضَعَتْهم خلف القضبان مثل أسود السرك , فهذه إسرائيل إلى جوارنا , يمكث رئيسُها موشي كتساف في السجن سبع سنين عجاف لأنه طبطب على إلية موظفة عنده في المكتب الرئاسي وليس لهذا الزعيم خطباء يدعون له على منابر الجمعة و الجماعات في حين بشار الأسد ملأ الأرض علينا صواريخ , و أبلى فينا – فيما يبدو له – بلاءً حسناً , و اثخن فينا الجراح و أوغل في دمنا ولوغاً , ووراءه اّلاف الخطباء الذين يدعون له يوم الجمعة تأثراً بمقولة الحسن البصري - رحمه الله - : لو كانت لي دعوة مجابة لجعلتها للأمير (=الحاكم )
ولا نستطيع أن نجره إلى محكمة , و لا أن نسائله عن المليارات التي ينفقها على حربنا , و صلاحية هذا المجرم لا تختلف عن صلاحيات خليفة سابق أيام عز المسلمين .
و دستوره لا يماثل شيئاً من دساتير الدول المغرقة في الوثنية أمثال الهند .
فعباد البقر بديمقراطيتهم صاروا دولة فضائية و نحن بتكفير الديمقراطية صرنا أمة منكوبة نتسول الطحين و الأنسولين من أمة منكوبة مثلنا , مثل الصومال بله غيرها من الأمم الوثنية و الملحدة
قال تعالى : ((قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) العنكبوت ( 20 )
فهل سار المسلمون في فيافي الارض و عواصم الأمم و شاهدوا كيف تدوس الشعوب هامات المستبدين أو كيف يتملق الرؤوساء عطف الشعوب و يتوسلون أصوات الناخبين عبر الجرائد و التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي و الإعلانات الطرقية يذوبون كما يذوب الملح في الماء أمام شعوبهم خدمةً لهم و نحن يتغطرص علينا الحكام فإن قلنا نصف ( نعم ) وشرقت حلوقنا بنصفها الاّخر تدحرجت رؤوسنا بين أرجلنا نعمةً منهم علينا في القضاء على تأتأتنا ولعل قليل من فقهاء السلاطين من يدرك أن الشرع جل أحكامه مدركة بالعقل لا بأحلام التخمة لمشايخ الأنظمة الديكتاتورية , وما استخدمنا لفظة الديكتاتورية الغريبة عن لغتنا إلا لأنهم – اقصد المستبدين – أجانب عملاء , بهم يجلد السلطان ظهورنا صباح مساء خلافاً لقول المصطفى عليه الصلاة و السلام : (( ظهر المؤمن حمى )) أما هم فجعلوه (( حُمّى )) تلتهب حرارتها في كل خلية من خلايا أعضائنا. و أخيراً ((سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ))
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


